النظام المالي

تصنيف وسطاء الفوركس 2020:
  • FinMaxFx
    FinMaxFx

    أفضل وسيط فوركس لعام 2020!
    الخيار الأمثل للمبتدئين!
    تدريب مجاني!
    حساب تجريبي مجاني!
    مكافأة على التسجيل!

amar26680

سبحان الله****والحمد لله ولا حول ولاقوة الا بالله***والله اكبر***

النظام المالي الاسلامي

النظام المالي الاسلامي
خطة البحث:

مقدمة
المبحث الأول:مصطلحات النظام المالي الاسلامي و قواعده
المطلب الأول: تعريفات لمصطلحات النظام المالي الاسلامي
المطلب الثاني: قواعد النظام المالي الاسلامي
المبحث الثاني: أهداف النظام المالي الاسلامي و سياسته و إيراداته ونفقاته
المطلب الأول: أهداف النظام المالي الاسلامي
المطلب الثاني السياسة المالية في الاسلام
المطلب الثالث: ايرادات و مصروفات النظام المالي الاسلامي
المبحث الثالث: خصائص النظام الاسلامي و وظائفه
المطلب الأول: خصائص النظام المالي الاسلامي
المطلب الثاني: وظائف النظام المالي الاسلامي
خاتمة

يولي الإسلام أمور المال عناية كبيرة ، فيهتم بموضوع اكتسابه وإنفاقه فيضع القواعد والمبادئ التي تنظمه باعتباره عصب الحياة ، وتقديراً لآثاره ودوره في حياة المجتمعات. ومما يؤكد أهمية المال، واهتمام الإسلام بذلك ورود لفظ المال في القرآن الكريم ست وثمانون مرة، وفي ذلك دليل على أن نظرة الإسلام إلى المال نظرة اهتمام وتقدير للآثار التي يحققها، فتوفر المال عامل من أهم العوامل التي تمكن الإنسان من تشكيل الحياة بالصورة الجميلة التي يسعى دوماً إلى تحقيقها وهذه الصورة لا يمكن أن تتحقق أو تؤتي أُكلها المرجوة ، إن لم تدعم بالأنظمة والأجهزة المالية المناسبة لرعايتها والعمل على أدائها بما يخدم ويحقق أهداف المجتمع ونظراً لأن الإسلام يحرص أن يقوم المال بدوره السليم في حياة المجتمع ولا ينقلب إلى أداة فساد وإفساد ، فقد اهتم بتنظيم أُمور المال ووضع القواعد والمبادئ كالعدالة والملائمة والاقتصاد التي يستند إليها في تنظيم المال العام ، حيث يعد النظام المالي في الإسلام بمثابة تخطيط دقيق وتنظيم علمي متكامل و ذلك . فما هي ميكانزمات النظام المالي الإسلامي؟

المبحث الأول : مصطلحات النظام المالي الاسلامي و قواعده: نقوم في هذا المبحث بإعطاء مجموعة من التعريفات لمجموعة من المصطلحات المتعلقة بالبحث ثم نعرج على قواعد النظام المالي الاسلامي كالتالي:
المطلب الأول تعريفات لمجموعة من مصطلحات:
و قبل أن نتطرق لمفهوم النظام المالي الاسلامي، لا بد من التطرق لمفهوم المال.
مفهوم المال:لغة : المال ما يمتلك من كل شيء و يجمع من أموال , وفي لسان العرب ما يتملكه المرء من الذهب و الفضة , ثم أطلق على كل ما يقتنى و يملك من الأعيان .
اصطلاحا : ( اصطلاح الفقراء و المعاصرين ) المال ما كان له قيمة مادية وجاز شرعا الانتفاع به في حالة الاختيار، أي أن المال ما يمكن حيازته و الانتفاع به و التصرف فيه .
وبالجمع بين التعريفين يمكن القول أن: المال يتمثل في كل ما كانت له قيمة مادية و جاز للإنسان امتلاكه و الانتفاع به في حالة الاختيار، على أن يكون هذا الانتفاع ممكنا لكافة الناس لا من بعضهم.
و الإنسان مستخلف في الأرض على ما يملك من ممتلكات ، و يجب عليه التصرف في هذه الأموال بما يرضي الله عز وجل وفقا لتعاليم الله سبحانه و تعالى في الكتاب و السنة. و الإسلام لا يعتبر المال شرا، بل يعتبره خيرا و نعمة إذا اخذ من حله و أنفق في محله، و لم يبخل عن حقه. و قد كان النبي الكريم- صلى الله عليه و سلم- يدعو الله فيقول:” اللهم إني أسالك الهدى، و التقى و العفاف و الغنى” رواه مسلم، و امتن الله عليه فقال (و وجدك عائلا فأغنى) سورة الضحى: الآية 08.
و قال عليه السلام:” ما نفعني مال كمال أبي بكر” رواه الترميذي، و لقد جاءت نصوص و أحكام القرآن الكريم، و السنة تنظم شأن المال، و التعامل فيه، و تعتبره عصب الحياة، فلا يترك للحمقى و الطائشين ليتلفوه، مثل قوله تعالى (و لا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما) . سورة النساء: الآية 05
كما أن أركان الإسلام فيها ركن يتعلق بالمال و توزيعه لمستحقه، و هو الزكاة. كما أن الموبقات السبع تتضمن كبيرتين تتعلقان بالمال، و هما:” أكل الربا، و أكل مال اليتيم .” و عليه يمكن أن نعرف المال وفقا لتعريف- عبد المنعم عفر- كما يلي: ” المال هو ما كان له قيمة مادية بين الناس و جاز شرعا الانتفاع به في حال السعة و الخيار”.
و من واقع التعريف للمال في الفقه الإسلامي يتبين أن أهم الشروط الواجب أن تتوفر في الشيء حتى يعتبر مالا هي:
– إمكانية حيازته و إحرازه و امتلاكه. -إمكانية الانتفاع به شرعا .

مفهوم التمويل في الإسلام :- لغة: أي أعطيه المال, فالتمويل هو إنفاقه أي أموله تمويلا، أي أزوده بالمال.
اصطلاحا: تتضمن كلفة و مصدر الأموال وكيفية استعمالها و طريقة إنفاقها و تسيير هذا الإنفاق.
لعل أهم ما استحدث من إجراءات ووسائل لتطبيق النظام المالي في الإسلام هو إنشاء الدواوين المختصة وأهم هذه الدواوين هو ديوان بيت المال الذي كان يمثل وزارة المالية أو البنك المركزي للدولة الإسلامية ، فهو يشرف على الموازنة العامة وفي استيفاء الموارد وضبط النفقات وغيره من الأعمال المتعلقة بالسياسة المالية للدولة ( ).
تعريف النظام المالي الإسلامي:
– يمكن أن نعرف النظام المالي الإسلامي بأنه مجموعة من الأحكام الشرعية التي وردت في القرآن الكريم ، و السنة النبوية، فيما يتعلق بالأموال و كيفية الحصول عليها و طرق ذلك، و كيفية التصرف فيها. أي: بالمالية العامة و كيفية جباية الإيرادات العامة من مصادرها المختلفة و المتعددة، و كيف يتم إنفاقها وفقا لأحكام الشريعة الإسلامية.
– “مجموعة المبادئ والأصول الاقتصادية التي وردت في القرآن والسنة والتي تعالج الإيرادات العامة وإنفاقها، والموازنة بينها ، وتوجيهها لتحقيق أهداف الدولة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية “( )
تعريف بيت المال: بيت المال لغة: هو المكان المعد لحفظ المال، خاصا كان أو عاما.
وأما في الاصطلاح: فقد استعمل لفظ ” بيت مال المسلمين”، أو ” بيت مال الله ” في صدر الإسلام للدلالة على المبنى والمكان الذي تحفظ فيه الأموال العامة للدولة الإسلامية من المنقولات، كالفيء وخمس الغنائم ونحوها، إلى أن تصرف في وجوهها. ثم اكتفي بكلمة ” بيت المال ” للدلالة على ذلك، حتى أصبح عند الإطلاق ينصرف إليه. وتطور لفظ ” بيت المال ” في العصور الإسلامية اللاحقة إلى أن أصبح يطلق على الجهة التي تملك المال العام للمسلمين، من النقود والعروض والأراضي الإسلامية وغيرها. والمال العام هنا: هو كل مال ثبتت عليه اليد في بلاد المسلمين، ولم يتعين مالكه، بل هو لهم جميعا. قال القاضي الماوردي والقاضي أبو يعلى: كل مال استحقه المسلمون، ولم يتعين مالكه منهم، فهو من حقوق بيت المال. ثم قال: وبيت المال عبارة عن الجهة لا عن المكان. أما خزائن الأموال الخاصة للخليفة أو غيره فكانت تسمى ” بيت مال الخاصة”
وقد نشأ بيت المال منذ أيام النبي فقد وضع على الأموال أمينًا. ووضع صاحب جزية وصاحب عُشْر وصاحب خراج وعامل زكاة وخارصًا (مخمِّنا) وعيّن خَزَنة وضرب المكاييل.
وفي عهد عمر رضي الله عنه دُوّنت الدواوين لاتساع رقعة الإسلام وكثرة الأمة وتشعب الاحتياجات. فوضع ديوان الأنساب، وديوان الجند، وديوان الجزية، وديوان الخراج، وديوان الصدقات.
وبعد انتشار الإسلام في الشام والعراق نشأ ديوان الاستيفاء وجباية الأموال. وكان ديوان الشام بالرومية وديوان العراق بالفارسية. لينقل للعربية في زمن الخليفة الأموي عبد الملك ابن مروان .
المطلب الثاني :قواعد وأسس النظام المالي الإسلامي: نلخصها فيما يلي:
أولا- العقيدة: نجد من أهم آثار العقيدة الإسلامية انقياد المسلم للأوامر، والنواهي التي جاءت بها الشريعة لاعتقاده أن الله الخالق القادر الذي شمله بنعمه هو مصدر هذه الأوامر، والعمل بمرضاة الله وشكره على نعمته، فالعقيدة الإسلامية تحمي المسلم الحق من الوقوع في الخطأ، وتحمي فيه روح المراقبة لله الخالق الذي يعلم السر و أخفى.

قال تعالى ( اعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه) البقرة 635. فالمسلم صحيح العقيدة قوي الإيمان، يعمل الخير، وينتهي عن مخالفة الشريعة دون رقيب خارجي.
ثانيا – المساواة بين الناس: المساواة دعامة أساسية تحقق للأفراد والجماعات العدل في المعاملات، وتحميهم من عبث العابثين، وانحرافاتهم، فليس هناك تفاضل بين مسلم وآخر إلا بقدر عمله الصالح.
وفي هذا يقول جل شأنه (يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلنكم شعوبا. وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله اتقاكم إن الله عليم خبير) سورة الحجرات الآية 13بين لنا الرسول صلى الله عليه وسلم – مبدأ المساواة في عبارات واضحة في خطبة حجة الوداع.فقال – صلى الله عليه وسلم: – “يا أيها الناس ألا إن ربكم واحد، و إن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على أعجمي ولا أعجمي على عربي، ولا أحمر على أسود ، ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى”. مسند احمد.
وقد حقق الإسلام المساواة في شؤون الاقتصاد، فجعل الناس سواسية أمام الفرص المتاحة، وجعل من حق كل فرد أن يمتلك وان يعمل، محققا تكافؤ الفرص بين الناس في ميادين النشاط الاقتصادي المختلفة ليأخذ كل عامل من ثمرات عمله وجزاء اجتهاده.
ثالثا – العدل: قال الله تعالى ” يأيها الذين امنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط، ولا يجرمنكم شنئان قوم على ألاّ تعدلوا اعدوا هو اقرب للتقوى” سورة المائدة : الآية: 08
فالعدل يطمئن الناس على حقوقهم ونتائج أعمالهم فلا يخشون تسلط الأقوياء، وبطش الحكام. فالاستقرار، والنمو، والازدهار الاقتصادي ليس له من سبيل سوى نشر العدل بين الناس، والقضاء والحكم به .
رابعا – التكافل الاجتماعي : يقوم على إيجاد مجتمع فاضل متماسك بمبادئ وأحكام الشرع الحنيف، قال عز وجل ( كنتم خيرا امة أخرجت للناس، تأمرون بالمعروف، وتنهون عن المنكر وتؤمنون. بالله ) سورة آل عمران : الآية 110
والمسؤولية في ذلك جماعية، وفي ذلك يقول الرسول – صلى الله عليه وسلم – “كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته فالإمام راع وهو مسؤول عن رعيته، والرجل راع في أهله، وهو مسؤول عن رعيته ، والمرأة راعية في البيت زوجها ، وهي مسؤولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده وهو مسؤول عن رعيته فكلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته ” رواه البخاري ومسلم. أي لا يوجد فرد معفى من رعاية مصالحه ومصالح الأخر، ما يؤدي للتكافل الاجتماعي في الاسلام، والذي يقوم عليه اقتصاده ، وبه تنمو ثروته و دخله.
خامسا – الالتزام بالمقاصد الشرعية للأموال: يمكن أن نجملها حسب ما حددها الفقهاء في النقاط الخمسة التالية:
-1 وضوح الأموال: هو تيسير عملية امتلاكها، واستغلالها، وتوظيفها واستعمالها بحيث تتبين الطرق المباحة، وتظهر الوسائل المشروعة ما يؤدي إلى الابتعاد عن المنازعات، والخصومات كما يراعي تحقيق هذا المقصد في الأموال العامة، وذلك بإبعادها عن الانتهاب، وأخذها بطرق الاحتيال المتنوعة.
-2 حفظ الأموال: يعرف محمد الطاهر بن عاشور المقصود بحفظ المال فيقول :”هو حفظ أموال الأمة من الإتلاف ومن الخروج إلى أيدي غير الأمة بدون عوض،وحفظ أجزاء المال المعتبر عن التلف بدون عوض ”
-3 ثبات الاموال :المقصود بها استمرارها لأصحابها و دوامها لهم في الإطار الشرعي، و هذا يقتضي عدة أمور منها:
– اختصاص المالك في أمواله في الحدود المشروعة دون ضرر أو خطر.
– حرية التصرف في دائرة الضوابط الشرعية و الحدود الموضوعية.
– ألا يؤخذ المال من صاحبه دون رضاه.
-4 العدل في الأموال :يقصد بالعدل في الأموال أن يكون حصولها بالطرق الشرعية المختلفة و أن لا تكون عملية ظلم في اكتسابها وتحصيلها .ومن مقتضيات العدل في الأموال أن تكون عمليات الاستثمار، والتنظيم والاستخدام مبنية على قواعد الشرعية، وضوابطها التي يؤدي تطبيقها إلى تحقيق المصلحة الاجتماعية لأفراد الأمة مثل قاعدة حرمة الربا، وحرمة الاحتكار، والغش.
5- رواج الأموال: “الرواج دوران المال بين أيدي أكثر ما يمكن من الناس بوجه حق، وهو مقصد شرعي عظيم “. فان فلسفة الإسلام مبنية على أساس اعتبار أن مصالح الدنيا مبنية على مصالح الآخرة، ولذلك فالمصلحة العليا تقتضي ترويج وتداول المال دون الخوف من الفقر بالنسبة للمنفقين، طالما كانت في الحدود المشروعة، قال الله تعالى :” ما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين “. سورة سبا : الآية139.
وكنتيجة لهذا المبحث –نقول ان النظام المالي العام الإسلامي هو مجموعة أحكام شرعية تتعلق بالمال، فيضع له أسس وقواعد واضحة، خاصة تحقيقه لمقصد إبعادها عن الانتهاب، واستغلاله فيما يرضى المولى عز وجل، فالنظام المالي الإسلامي نظام مستقل، شرعي وشامل، ويؤثر في كافة جوانب الحياة، إذا انه يعمل داخل نظام اقتصادي تحدد أحكامه الشرعية الإسلامية.

المبحث الثاني: أهداف و سياسة النظام المالي ، ايراداته و مصروفاته:
المطلب الأول: أهداف النظام المالي الإسلامي : إن الحياة الاقتصادية وأوجه النشاط الاقتصادي في المجتمع لها جوانب متعددة وتسعى الدولة في هذا المجال إلى وضع أهداف محددة تسعى إلى تحقيقها في الحياة الاقتصادية عبر وسائل وأدوات محددة ويمكننا اعتبار أهم أهداف النظام المالي الإسلامي:
1)تحقيق مبدأ العدالة الاجتماعية (الضمان الاجتماعي) ويشمل العمل بهذا المبدأ نقطتين رئيسيتين:-
أ/ ضمان حد أدنى من الدخل (حد الكفاية) لكافة أفراد المجتمع.
ب/ مواجهة أي تفاوت في مستويات الدخل والثروة داخل المجتمع وتقليل الفجوة في مستويات الدخل.
2)تحقيق التنمية الاقتصادية وذلك من خلال استغلال الموارد الاقتصادية بصورة مثلى “التوظيف الكامل للموارد”
3)تحقيق الاستقرار الاقتصادي وذلك من خلال المحافظة على مستوى النشاط الاقتصادي في قطاعات الدولة المختلفة والعمل على رعايتها وتنميتها بما يضمن تحقيق القوة والعزة الاقتصادية.
وهذه الأهداف الثلاثة هي الأهداف الرئيسية والتي يتشعب عنها عشرات الأهداف الوسطية التي تتدرج في مستوياتها وأهميتها ومن أمثلة ذلك:1- مواجهة الأوضاع الطارئة وغير العادية .
2 – تسيير العمل في أجهزة الدولة وهو ما يطلق عليه مصطلح المصالح العامة.
3- التوازن والاستقرار بين أجيال الأمة. 4- القيام بالواجبات الكفائية في جميع المجالات .

المطلب الثاني : السياسة المالية في الإسلام: يعتمد أي نظام لتحقيق أهدافه على سياسة معينة ، والنظام المالي الإسلامي كأي نظام مالي لا بد له من سياسة يعتمد عليها للوصول إلى أهدافه وهو ما يطلق عليه بالسياسة المالية للدولة التي تمثل الجانب التطبيقي للنظام المالي في الإسلام حيث تسعى الدولة من خلالها إلى الموائمة بين المبادئ والأصول العامة التي تشكل النظام المالي والواقع المتغير الذي يعيشه المجتمع في أي عصر من العصور، حيث تربط بين اهداف المجتمع في أي عصر من العصور والأدوات المالية للنظام بصورة تحقق مصلحة المجتمع.
والسياسة المالية في الإسلام هي جزء من السياسة الشرعية باعتبار أن النظام المالي جزء من التشريع الإسلامي فإذا كانت السياسة الشرعية تعني ” فعل شي من الحاكم لمصلحة يراها وإن لم يرد بذلك الفعل دليل جزئي.”
وإنما يشترط في هذه الأحكام أن تكون متفقة مع روح الشريعة و الاصول الكلية ولا تتعارض معها وعليه تكون السياسة المالية في الإسلام “مجموعة الوسائل المستخدمة لتدبير الموارد المالية التي تكفل سد النفقات التي تقتضيها المصالح العامة وتوجيهها لخدمة أهداف المجتمع.ويعرفها البعض”بالسعي لتحقيق واقع هو أقرب إلى أهداف المجتمع “.
ويعرفها البعض الآخر بأنها: استخدام الدولة لإيراداتها ونفقاتها بما يحقق أهدافها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في ظل ما تعتقد من عقائد وفي حدود إمكانيتها المتاحة.
و يشترط كذلك في هذه الوسائل أن تكون السياسة في الإسلام مبنية على أسس العدل والرحمة والتوفيق بين المصلحة العامة ومصلحة الأفراد، ولضمان أن تتصف بذلك لا بد من توفر أمرين:
أولاً: أن يراعي في الحصول على الإيراد العدل والمساواة بحيث لا يطالب فرد بأكثر مما تتحمله طاقته وتستدعيه الضرورة
الثاني: أن يراعي في عملية الإنفاق مصالح الدولة فلا تراعي مصلحة دون أخرى بل تغطى النفقات حسب أهميتها فلا يكون نصيب المهم أوفر من نصيب الأهم وكل هذا في حدود الموارد والإمكانات.

تصنيف وسطاء الفوركس 2020:
  • FinMaxFx
    FinMaxFx

    أفضل وسيط فوركس لعام 2020!
    الخيار الأمثل للمبتدئين!
    تدريب مجاني!
    حساب تجريبي مجاني!
    مكافأة على التسجيل!

المطلب اثالث: ايرادات و مصروفات النظام المالي الاسلامي: تعتمد السياسة المالية لتحقيق أهدافها على الأدوات المالية للنظام أي على الإيرادات العامة والنفقات العامة بمختلف أنواعها.
يقتضي الإنفاق العام أن يلتزم بمبادئ الشرع الحنيف لتحقيق الأهداف المرجوة. أما الموازنة فهي المعادلة والمقابلة والمساواة بين الموارد المالية الإسلامية وأوجه الإنفاق المختلفة وهو ما تحرض عليه الدولة الإسلامية تنفيذا لتعليمات الخالق جل وهلا حيث يقول ” والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولو يقتروا كان بين ذلك قواما ” والقوام يعني الوسط والاعتدال ، و يرى المفكرون الماليون أن أدوات السياسة المالية في الإسلام هي نفس الأدوات المالية في النظم المالية الوضعية وهي الإيرادات العامة والنفقات العامة بمختلف أنواعها .
1- الزكاة: هي فريضة فرضها الإسلام , تعتبر من أركانه الخمسة تؤخذ من الأغنياء وتعطى للفقراء, عملا بقوله تعالى: “والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم”[سورة المعارج: الآيتان 24-25], و “خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها” [سورة التوبة: آية 103].
مصادر الزكاة: *زكاة المواشي: الإبل والغنم والبقر * زكاة الذهب والفضة * زكاة التجارة
*زكاة المعادن *زكاة الزروع والثمار
كيفية صرف أموال الزكاة: ينفق مال الزكاة في جهات ثمان, حسب ما ورد في قوله تعالى: “إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم” [سورة التوبة: اية 60]. الفقراء, هم الذين لا شي لهم; المساكين, هم الذين يملكون شيئا قليلا (وقيل العكس); ا لعاملون عليها, القائمون بجبايتها وتفريقها; المؤلفة قلوبهم, هم الذين كان النبي وخلفاءه يتألفونهم لكف أذاهم عن المسلمين, أو لترغيبهم في الإسلام; وفي الرقاب: مساعدة العبيد على التحرر من أسيادهم ; الغارمون: هم المدينون الذين استدانوا في مصالح أنفسهم, أو في مصالح المسلمين, فيعطى لهم ما يقضون به دينهم; وفي سبيل الله: أن تعطى للغزاة, وأهل الجهاد في سبيل الله, نفقة ما يحتاجون إليه في حروبهم- وأبناء السبيل: هم المسافرون المنقطعون في بلد ما، فيعطون ما يرجعون به إلى بلدهم وأهلهم.
2-الخراج: هي مقدار من المال أو المحاصيل, كانت تفرض على الأراضي التي صولح الأعاجم عليها (أهل الذمة اليهود والنصارى), ولا تسقط إذا اسلم الذمي. وتؤخذ ضريبة الخراج عن الأراضي التي فتحها المسلمون عنوة (بقتال) وعن الأراضي التي أفاء الله بها على المسلمين فملكوها وصالحوا أهلها عليها, ولم يكن مقدار الخراج ثابتا.
ضريبة الخراج كانت تفرض على:
ا. الأراضي التي فتحها المسلمون عنوة (بالقتال), إذا عدل الخليفة عن تقسيمها على المحاربين, بعد أن عوضهم عن نصيبهم فيها; كما فعل الخليفة عمر بن الخطاب في ارض السواد في جنوب العراق.
ب. الأراضي التي أفاء الله بها على المسلمين (إي حصلوا عليها دون قتال) فملكوها, وصالحوا أهلها عليها, على أن يتركوها المسلمون بخراج معلوم, يئدونه إلى بيت المال, وبهذا تصبح الأراضي ملك للدولة الإسلامية بفعل عملية الفتح, فتبقى بأيدي أصحابها السابقين من أهل الذمة (النصارى واليهود والمجوس) للاستفادة منها مقابل دفع خراجها, فلا تسقط ضريبة الخراج عنا إذا اسلم الذمي. وكان الخراج لا يفرض على ثلاثة أنواع من الأراضي, بل يدفع عنها أصحابها عشر ثمارها و محصولاتها، وتسمى : الأرض العشرية, وتشمل : 1- الأرض التي أسلم أهلها, وهم عليها دون قتال, فتترك لهم.
2- الأرض التي ملكها المسلمون بالقتال وقهرا, إما من أهل الذمة, أو من المشركين, فتعتبر غنيمة حرب, تقسم بين الفاتحين.
3- أراضي الموات (البور), التي تمنح للمسلم ليستصلحها.
مقدار الخراج: لم يكن مقدار الخراج ثابتا; وقد جرى تحديدها بإحدى الوسيلتين: أن تحسب على أساس مساحة الأرض, إي حساب المساحة; أو أن تحسب على أساس ما تنتجه الأرض من الزرع; وهذا يعتمد على مدى خصوبة الأرض.
كيفية صرف الخراج: إنشاء مشاريع عامة لخدمة عامة المسلمين مثل: حفر قنوات للمياه لتوصيل الماء إلى الأراضي البعيدة وإقامة السدود والجسور على الأنهار الكبرى وتعبيد الطرقات.
3. الجزية: هي ضريبة شخصية فرضها الإسلام على الرجال القادرين من أهل الذمة (النصارى واليهود والمجوس) مقابل بقائهم على دينهم, والكف عنهم, والحماية لهم فهم في ذمة المسلمين. تسقط الجزية عن الذمي في حالة إسلامه ويدفع الزكاة, فقد حدد الخليفة الراشدي عمر بن الخطاب مقدار الجزية : 48 درهم من الأغنياء, 24 درهم من موسطي الحال, 12 درهم من الفقراء تؤخذ الجزية من الذكور و سقطت عن النساء والصبيان والشيوخ والعميان والمعاقين والمقعدين والمجانين ، ورجال الدين إلا إذا كانوا أغنياء.
طرق جباية الجزية: حث الإسلام على الرفق والإنصاف في جباية الجزية من الذميين. وحماية أرواحهم وأموالهم من عبث الجباة; فلا يعذبون أو يهانون ولكن يرفق بهم ويسجنون في حالة عدم دفعهم الجزية; كما انه باستطاعة الذمي الامتناع عن دفع الجزية إذا لم توفر له الحماية.
كيفية صرف الجزية: تصرف في مصالح الدولة العامة مثل النفقة على المسجونين, المعدات الحربية.
4.الفيء والغنيمة : حصل المسلمون على الغنائم في أكثر غزواتهم في بدر وفي خيبر وفي حنين.. وفي غير ذلك.
كما حصلوا على الفيء في أماكن ومواقع أخرى مثل ما وقع في غزوة بني النضير.. ووادي القرى وفدك.
وننبه إلى أن هناك فرقا بين الفيء والغنيمة.
فالفيء: هو ما أخذه المسلمون من مال الكفار المحاربين من غير قتال، وأما ما أخذوه منهم بالقوة والقتال فهو غنيمة.
ولكل منهما حكمه وجهته التي يصرف فيها، فالفيء خاص برسول الله صلى الله عليه وسلم يصرفه كيف شاء وفيه يقول الله تعالى: >مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ< (الحشر: 7)
وأما الغنيمة: فإنها تخمس فأربعة أخماسها للمقاتلين والخمس الباقي لبيت مال المسلمين يصرف في مصالحهم العامة وفيها يقول الله تعالى>: وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ< ( الأنفال: 41).
5. العشور( المكوس): يرجع هذا نظام إلى عهد الخليفة الراشدي عمر بن الخطاب وهي ضريبة فرضها المسلمون على التجار الأجانب الذين يأتون ببضاعتهم من دار الحرب: -وهي التي لا تطبق فيها نظم الإسلام، وهي في حالة حرب مع الدولة الإسلامية- إلى دار الإسلام وقد حدد العشور بعشر البضاعة تؤخذ من كل تاجر مرة واحدة من السنة.
-الركاز والمعادن : الركاز هو مال دفن في الجاهلية ووجد، وهو المعدن الذي يوجد بغير عمل، ولبيت مال المسلمين الحق في الخمس منها، أمل المعادن فلا زكاة فيها سوى الذهب والفضة.
الموارد الأخرى: وتتمثل في الأموال التي ليس لها مستحق كالأموال التي لا يعلم لها مستحق ، والأموال التي ليس لها مالك معين مثل من مات من المسلمين وليس له وارث معين ، ومن الموارد أيضا الأوقاف التي لا متولي لها ، وذلك على شروط واقفيها إذا عرفت هذه الشروط إضافة إلى الأموال التي يصالح عليها المسلمون أعدائهم ، وما يهدونه إلى المسلمين وإيرادات الدولة من أموالها –إيرادات الدومين- كما كانت تحصل الدولة على تبرعات يقدمها أغنياء المسلمين كنفقات لتجهيز الجيوش ، وللولي أن يحدد المبلغ الواجب تحصيله على ضوء ما تمليه الحاجات الضرورية للمجتمع ، حسب قول الرسول صلى الله عليه وسلم:” إن في المال حقا سوى الزكاة”.
مصروفات بيت مال المسلمين: لقد نص القران الكريم على أوجه صرف بعض موارد بيت المال, كالزكاة, والفيء, والغنيمة كما بينا سابقا, أما بقية موارد بيت المال, فكانت تنفق على الأوجه التالية:
1. أرزاق القضاة والولاة والعمال وصاحب “بيت مال المسلمين”, وغيرهم من الموظفين.
2. أرزاق الجند, ويراد بها رواتبهم, التي يقبضونها في أوقات معينة من كل عام.
3.إنشاء مشاريع عامة لخدمة عامة المسلمين مثل: حفر قنوات للمياه لتوصيل الماء إلى الأراضي البعيدة وإقامة السدود والجسور على الأنهار الكبرى.
4. النفقة على المسجونين, والأسرى من: معاش, ومشرب, وملبس.
5.شراء المعدات الحربية.
6.الإنفاق على العلماء والأدباء والشعراء كتشجيع لهم.
7. الإنفاق على الخليفة وقصر الخليفة وحاشيته وكل ما يتطلب من ذلك.
وظيفة وأهمية بيت المال: لا شك أن بيت مال المسلمين قد لعب دورا هاما في حياة الدولة الإسلامية, وخير دليل على ذلك, المصروفات التي كان يقوم بها; لاسيما تلك التي نص عليها الشرع الإسلامي ففريضة الزكاة, سعت إلى التكافل الاجتماعي , في حياة المجتمع الإسلامي ; إذ فرضت على المسلم القادر ماليا, لمساعدة الفقراء المساكين.

المبحث الثالث: خصائص النظام المالي الاسلامي و وظائفه
المطلب الأول: خصائص النظام المالي الإسلامي: إن حديثناً عن مزايا وخصائص النظام المالي الإسلامي هو حديث عن خصائص التشريع الإسلامي باعتبار أن النظام المالي جزء منه ، حيث أنه لم يشذ عن سائر ما سنه الإسلام من تشريعات بل إن النظام المالي الإسلامي استطاع أن يبرز الكثير من المزايا والخصائص المتعلقة بالتشريع الإسلامي سواء في الجانب النظري أو التطبيقي باعتباره جزء من هذا التشريع ومنبثق عن هذه الأرضية والقاعدة . و سنحاول ذكر أبرز لخصئص.
1.أنه شرعي رباني: لأنه يحتكم إلى الدين الإسلامي المنزل من عند الله سبحانه و تعالى، و يعتمد على النصوص الشرعية من القرآن الكريم و السنة النبوية، و إجماع العلماء في أحكامه و أصوله.
-2 الشمولية: و يقصد أن أصول و قواعد و أحكام النظام المالي المستمدة من الدين تعالج و تلبي كل جوانب الحياة الإنسانية: الدينية و المادية، و الأخروية، و الاجتماعية، و الاقتصادية و السياسية بشكل متوازن لا يطغى جانب على جانب آخر لأن الله خلق الإنسان من جسد و روح و سن له من الأحكام و التشريعات التي تحفظ له كل ذلك و تحقق لهما التوازن: قال تعالى: (فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض و. ابتغوا من فضل الله و اذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون)
سورة الجمعة: الآية 10
-3 الاستقرار و الانضباطية: إذ أن أصول هذا العلم ثابت لا تتغير مما جعل الأحكام المالية العامة الإسلامية تتمتع بميزة الاستقرار التي تفتقدها كل الأنظمة الأخرى ، فالأفراد و الدولة في الاقتصاد الإسلامي يعرف كل منهم واجبه و حقوقه
4:الوسطية: والوسطية احدى الخصائص العامة للإسلام والتي ميز الله بها أيضاً أمته عن غيرها من الأمم

يقول تعالى[ وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس . ] (البقرة:143).
والوسطية تعني أخذ الأمور بالاعتدال فلا يطغى جانب على آخر كما اشار إلى ذلك حديث الرسول “ص “ما بال أقوام يقول أحدهم كذا وكذا ، ولكني أصوم وأفطر ، وأنام وأقوم وآكل اللحم ، وأتزوج النساء ، فمن رغب عن سنتي فليس مني” .
مثال ذلك الاعتدال في موقفه من الملكية والحرية والإنفاق وغير ذلك من الموضوعات. ويتضح معنى الوسطية ونتائجها من خلال الحقائق الثلاثة الآتية:
1) تعدد الأهداف التي طالبت بها الشريعة ففي مجال الاقتصاد والمال ذكرنا العديد من الأهداف وهذه الأهداف يمكن أن تستقي منها عشرات الأهداف الوسطية وهذا ينطبق على بقية المجالات.
2) أن الأهداف الشرعية قد تتدرج قوة طلبها شرعاً من مستوى الفرض في أدنى درجات الهدف ثم مستوى المندوب ثم المباح في أقصى الدرجات.
3) أرشدت الشريعة إلى مراعاة أثر التصرف الواحد على مختلف الأهداف وأوجبت الاعتدال في تحقيق أي هدف بعينه إذا كان تحقيق أقصى درجات ذلك الهدف يبعدنا عن أهداف أخرى، وهذا التصرف له مثيله في الاقتصاد حيث أن التصرف الاقتصادي الرشيد في استهلاك عدة سلع يفترض تساوي النسبة بين المنافع الحدية لهذه السلع مع أسعارها.
5:الجمع بين الروح والمادة: حيث أن الإسلام دين الفطرة الإنسانية السليمة التي تراعي أن الإنسان مخلوق من روح ومادة واحتياجاته منها الروحية ومنها المادية .
ولهذا مزج الإسلام مزجاً تاماً بين مصالح الإنسان البدنية والروحية لأن الإنسان كل لا يتجزأ ولا يمكن أن تتحقق سعادته كاملة إلا إذا ارتقى مادياً وروحياً فيسعد في الدنيا والآخرة .( )
وتعتبر هذه الطريقة الوحيدة التي تميز الإنسان عن غيره من المخلوقات الأخرى التي قضى الله تعالى أن يختصها بناحية واحدة لا بديل عنها ، فالملائكة مثلاً تختص بالروحانيات والعبادة، أما الحيوانات فتختص بالغرائز والشهوات المادية ، فإذا استطاع الإنسان أن يجمع بين هاتين الناحيتين سما وأصبح أفضل من كل المخلوقات ، وهذا ما يسعى الإسلام إلى تحقيقه من خلال أحكامه وتشريعاته التي تنظم حياة الإنسان حيث يحدث التوازن بين متطلباته المادية والروحية.
كما أن هذه الصفة ميزت الإسلام عن الديانات المحرفة التي انحرفت عن جادة الصواب فلم توفق بين متطلبات الإنسان المادية والروحية ، فاليهودية حرفت نحو المادية القاتلة ، وجاءت ردة الفعل في المسيحية معاكسة فاتجهت إلى المتطلبات الروحية وأهملت المتطلبات المادية ، ولكن الإسلام باعتباره خاتم الأديان والرسالات جعل من تعاليمه الأساسية التوافق بين احتياجات الإنسان المادية والروحية وجاء ليلائم فطرة الإنسان السليمة.
6:التوافق بين المصلحتين العامة والخاصة: تقوم النظم الوضعية على اتجاه غير صحيح ، الرأسمالية تعطي للفرد كل شي وتقوم على أساس الحرية الكاملة للأفراد في مجال الملكية والإنتاج والاستهلاك، كما أنها تعتبر أن مصلحة الفرد مقدمة على المصلحة العامة ، والعكس تماماً في الاشتراكية حيث تصادر حقوق الأفراد ولا تعترف إلا بالمصلحة العامة وكلا الاتجاهين خاطئ في التعامل مع هذه الناحية. والمنهج الصحيح في هذه الناحية هو منهج الإسلام الذي يوفق بين المصلحة الخاصة والمصلحة العامة، فالفرد في الإسلام له الحق في الحرص على مصلحته وتحقيقها ورعايتها ولكن الأمر ليس على إطلاقه بل له ضوابطه وحدوده فالإسلام يعطي للفرد حق الحفاظ على مصلحته ورعايتها في حدود أحكام الشرعية وبحيث لا يضر بغيره أو بالصالح العام.
والإسلام ينظر إلى الحياة الإنسانية على أساس أن المجتمع الإنساني يتكون من أفراد لهم صفاتهم الفردية وعلاقاتهم الاجتماعية، لذا جاءت النظم الإسلامية مهتمة بالجانبين الفردي والجماعي من الحياة الإنسانية، فكانت العناية بكل المصالح الفردية والجماعية وفق نسق خاص يجمع بينهما ويحرص عليهما ما دام ذلك ممكناً إلاّ إذا تعارضتا فتقدم المصلحة الجماعية على المصلحة الفردية .

و الإسلام له منهجه الخاص في الحفاظ والتوفيق بين المصلحتين ويقوم هذا المنهج علي ثلاثة أركان أساسية:
الأول: أن مناط الإسلام هو المصلحة.
الثاني: التوفيق بين المصلحة الخاصة والمصلحة العامة في حالة التعارض.
الثالث: تقديم المصلحة العامة علي المصلحة الخاصة في حالة عدم امكانية التوفيق.
وهكذا يقوم النظام الإسلامي بريئاً من جميع العيوب المقصودة في الأنظمة الاقتصادية الاخرى، فلا فردية مطلقة تجعل مصلحة الفرد مقدمة على كل المصالح دون أي التزام نحو المجتمع ، وليست جماعية مطلقة تتجاهل ذاتية الفرد ولا تقيم لكيانه وزناً في تكوين المجتمع وخط سيره وتعامله كأنه جزء من آلة كبيرة لا حرية له ولا إرادة ، ولكن طريق الإسلام في ذلك وسط عدل موزون يعترف بذاتية الفرد ودوره المهم في تكوين المجتمع، ومن ثم يرتب على الفرد واجباً للمجتمع أن يكون في خدمته ، كما يقرر مسئولية المجتمع عن الفرد، فيترتب على المجتمع واجباً أن يرعي الفرد . وكل هذه الأوضاع تكون وفقاً للمصلحة العامة .
7:التوازن (القوامة) : كما رأينا في البنود السابقة فإن منهج الإسلام يقوم على أساس من التوازن في جميع الأمور فوفقاً لهذا المنهج يتحقق الانسجام بين مصالح الفرد والجماعة ، وبين متعة الدنيا وثواب الآخرة، وبين المتطلبات المادية والروحية ، فلا يطغى جانب من هذه الجوانب على الآخر لأنه يؤدي إلى الاختلال إفراطا وتفريطاً .
ونلحظ هذا المنهج واضحاً في كثير من المجالات في الحياة العملية ففي مجال الإنفاق مثلاً يضع الإسلام القاعدة المتوازنة يقول تعالى [ ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوماً محسورا ] (الإسراء:21)، ويقول أيضاً :[ والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما. ] (الفرقان:67).
وهذا المنهج الذي يحفظ التوازن في كل شيء هو(العدل) أو (القوامة) أي لا تقوم أمور الحياة بالصورة الصحيحة بدونه لأن اختلال التوازن يعني الإفراط في جانب على حساب التفريط في جانب آخر ، وهذا يتنافى مع العدل الذي قامت به السموات والأرض.
8:المرونة: لقد اقتضت مشيئة الله تعالى وهو العليم بالخير لعبادة أن يكون التشريع الإسلامي خاتم الرسالات ولذا فقد أحكم الله تعالى هذه الشريعة لأنه لن تأتي رسالة بعدها لتنسخها ، وحتى تظل هذه الشريعة صالحة على مدار الزمان ، ولعل من تمام الأحكام في هذه الشريعة أن جعل الله تعالى التعاليم الإسلامية المنظمة لهذه الحياة ذات طبيعة كلية وتوجيهات عامة غير مفصلة بل مجملة في كليات ، وهذا التعميم في نصوص الشريعة وعدم التفصيل في الجزئيات ـإلا في حالات معدودة ـ يعطي للأجيال المقبلة القدرة على تطويع هذه النصوص والأحكام الكلية ووضع التفاصيل الجزئية بما يتلاءم مع ظروف وأحوال كل عصر ، لأن كل عصر يقتبس ما يناسبه من أحكام بما يتلاءم مع ظروفه وفقاً لهذه القواعد والتوجيهات العامة وهذا من شأنه أن يوفر عنصر المرونة في تطبيق التشريع الإسلامي على مر الزمان ، بل على جميع الظروف والأمكنة لتواكب التطورات التي تطرأ على الحياة الإنسانية ، وهذا يتطلب استمرار عملية التفكير والاستنباط في الصيغ الموافقة لهذه التطورات وبما يتفق مع الأسس والمبادئ العامة التي جاء بها القرآن الكريم والسنة النبوية.
9:الواقعية : التشريع الإسلامي يتعامل مع الأمور كلها بواقعية تامة ،وبعيداً عن الخيال والمثالية ، والأمثلة في تشريعنا الإسلامي متعددة تدل على مدى واقعية هذا المنهج فتنفيذ وتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية لم يترك أمرها لإرادة الإنسان إن أراد الالتزام بها أم لا ، بل تعامل مع الموضوع بواقعية حيث لم يكتف الإسلام بإشعار الأفراد وتربيتهم على الالتزام بأحكام الشريعة بوازع الإيمان والتربية الإسلامية الصحيحة التي تدفع الإنسان إلى الالتزام بأوامر الشرع ، بل أسند إلى الدولة أمر تنفيذ هذه الأحكام بقوة وسلطة الشرع ، فليس كل الأفراد على مستوى واحد في التزامهم وقوة الوازع الديني بل متفاوتون في ذلك ، فإذا ترك هذا الأمر لإرادة الأفراد حدثت الفوضى وضيعت أحكام الدين.
وكذلك إذا نظرنا إلى الكيفية التي عالج بها التشريع الإسلامي الفقر عرفنا مدى الواقعية التي يتمتع بها، فهو لم يكتف بإشعار الأغنياء بواجبهم الشرعي تجاه الفقراء ، بل أوجد التشريع الإلزامي المتمثل بفريضة الزكاة باعتبارها حقاً معلوماً للفقير من واجب الدولة القيام لتحصيله من الأغنياء وتوزيعه على الفقراء ، وبالتالي لا يبقى الفقراء تحت رحمة الأغنياء .
المطلب الثاني: وظائف النظام المالي الإسلامي: تطورت المالية العامة من حيث الوظائف التي تؤديها، فقد اقتصرت وظائفها في البداية على تمويل وظائف الدولة الثلاث، وهي الدفاع والأمن والقضاء، وكان ذلك متلائماً مع فكرة الدولة الحارسة ، التي لا تتدخل في الاقتصاد. أما في القرن العشرين وخاصة منذ الأزمة الاقتصادية الكبرى في الثلاثينيات فقد تطورت وظائف المالية تطوراً واسعاً يتلاءم مع فكرة الدولة المتدخلة في الاقتصاد.
أولاً: وظيفة الضمان الاجتماعي ، ويظهر في هذه الوظيفة العناصر التالية :
1)ضمان حد أدنى من الدخل للذين عجزوا بوسائلهم الخاصة من حيث العمل والملكية عن توفير هذا الحد. وتظهر في
أ- أصحاب الحاجة من الفقراء والمساكين . وبالنسبة لهذه المجموعة يعمل الإسلام على توفير حد أدنى من الدخول لهذا النوع من أصحاب الحاجة .
ب- أصحاب الحاجة بسبب الرق ( عندما كان قائما ) ، ومن الفقهاء المحدثين من يرى أن سهم (( في الرقاب )) يمكن أن يصرف لأسرى المسلمين ، كما يمكن صرفه للأقليات الإسلامية ، التي تقع تحت حصار الأغلبية غير المسلمة ، التي تعيش معها .
جـ- الغارمون ومنهم الذين استدانوا لإصلاح ذات البين، فيعطون في إطار النظام المالي الإسلامي تشجيعاً لهذا النوع من الأعمال، الذي يحفظ الوئام للمجتمع الإسلامي.
د- مجموعة من العناصر الأخرى تظهر في هذه الحقيقة، ومنها الإعانة على التعليم، والإعانة على الزواج، وغير ذلك من الأعمال ذات الطابع الاجتماعي. ويمكن الوقوف على تفصيل ذلك بدراسة حالة المجتمع الإسلامي في عهد عمر بن عبد العزيز ، عندما جمعت الزكاة ولم يوجد مستحقين لها فوجهها عمر إلى إنفاقات جديدة .
2- يتضمن أداء هذه الوظيفة إحداث نوع من التوازن الاجتماعي والاقتصادي في المجتمع الإسلامي.
3- تمد مظلة التأمين في هذه الوظيفة فتشمل غير المسلمين، الذين يعيشون في ظل الدولة الإسلامية.
4- هذه هي الوظيفة الأولى للمالية الإسلامية ، والوظيفة التي تناظرها في المالية العامة ، هي وظيفة إعادة التوزيع ، ويتبين من مقارنة الوظيفتين أن الأداء الاجتماعي للوظيفة الإسلامية أكفأ ، وذلك من حيث العناصر التي تشملها ، إذ أنها تتضمن عناصر ليس لها نظير في المالية العامة ، في الاقتصاد الوضعي .
وتظهر كفاءة الوظيفة الإسلامية في الضمان الاجتماعي أيضاً من حيث إن مرتكزها يتحدد في علاج الحاجة ، بينما نظيرها في المالية العامة ، يدور حول فكرة إعادة توزيع الدخل والثروة ، وهي فكرة مرتبطة بالصراع كما أنها تتضمن الاعتداء على الملكية الخاصة .
ثانيا: وظيفة المصالح العامة : ويدخل في هذه الوظيفة كل ما يكون ضرورياً للمجتمع الإسلامي ، ومن ذلك ما يلزم للدفاع والأمن ، ويدخل أيضاً ما يلزم للتنمية ، إذا كان المجتمع الإسلامي في حالة تخلف .
ثالثا: وظيفة مواجهة الحالات الطارئة وغير العادية مثل المجاعات والحروب وغير ذلك مما ذكره الفقهاء . وتمول هذه الوظيفة في النظام المالي الإسلامي ، بما يكون موجوداً في بيت المال ، فإذا لم يكن به فللحاكم أن يوظف على الأغنياء بقدر ما يزيل الحاجة التي وظف لها ( التوظيف تناظره الضرائب في المالية العامة ) .
رابعا: وظيفة تحقيق التوازن والاستقرار بين أجيال الأمة الإسلامية . ومن الموارد التي استخدمت لأداء هذه الوظيفة أرض السواد ، وهو ما فعله عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه ، وكان من أقواله في ذلك : إذا وزعت هذه الأرض فماذا يبقى لمن يجيء بعدكم .
خامسا: وظيفة تخصيص الموارد الاقتصادية ؛ وهي وظيفة تبحث في توزيع الموارد الاقتصادية المتاحة في المجتمع على الأنشطة الاقتصادية ، التي تلزم له ، كما يدخل فيها أيضا توزيع الموارد بين القطاعين العام والخاص . وهذه الوظيفة ، عمل الإسلام على تأديتها بواسطة الأموال التي تمتلكها الدولة ، ومنها- :أرضى الحمى. – الأرض المفتوحة المناجم والمعادن .
– المرافق الأساسية الضرورية للمجتمع ، والتي يشير إليها حديث الرسول صلى الله عليه وسلم : (( الناس شركاء في ثلاثة ـ الماء والكلأ والنار.
وعند المقابلة بين هذه الوظيفة في النظام المالي الإسلامي ،وفي المالية العامة ، يتبين أن أداءها في الإسلام أكفأ لأن الدولة تؤديها من خلال ملكيتها ، بينما في المالية العامة في النظام الرأسمالي تحاول الدولة تأديتها بالتدخل في الأثمان ، وهذا النوع من التدخل قد يحقق هذه الوظيفة ، كما أنه قد لا يحققها .

لقد ارتضى المولى- عز وجل- للأمة الاسلامية الدين الإسلامي وأتم نعمته عليها بهذا الدين الحنيف،
فشرع القواعد ، والمبادئ العامة التي تسير على هداها البشرية، و ان التزام هاته الامة بدينها في كل جوانب الحياة خاصة بالنظام المالي الاسلامي هو طريقها لتحقيق التطور. خاصة أن هذا النظام قد سبق الأنظمة الوضعية بشوط كبير لما يتميز به من قدرة على حل المشاكل و المرونة مع ثبات القيم المستمدة من الشريعة الاسلامية و التي تبعث في الأفراد روح المسؤولية و الولاء و الإخلاص في تطبيقه، و جهلنا هو ما جعلنا نتخلى على ها النظام. لذا لابد لنا من مراجعة مواقفنا خصوصا في ضل ما نتخبط به من مشاكل بسبب الأنظمة الوضعية.
فالنظام الاسلامي يتميز بتنوع موارد و رشاد انفاقه لذا أصبح من اللزام تطبيق النظام الاسلامي عامة و في الجانب المالي خاصة للنهوض بالدولة الإسلامية و النجاح في تعبئة الموارد لتحقيق التنمية :

بحوث جاهزة

بحوث جاهزة و مذكرات يتم جمعها من مختلف المصادر و عرضها على الناس للاستفادة منها

Translate

الصفحات

السبت، 23 يونيو 2020

النظام المالي والاقتصادي في الاسلام

مـقدمة:
لا يقتصر الشرع الإسلامي الحنيف على النواحي العقادية والعبا دية والخلقية بل هو منهاج حياة يشمل النشاط السياسية والإداري والاجتماعي والاقتصادي للمجتمع ، وإذا كان عبادة الله تعالى هي الهدف الشريعة الإسلامية فإن اعمار الأرض وإقامة مجتمع الأتقياء القوى المعتمد على ذاته هو الهدف النظام الاقتصادي الإسلامي ، وإذا كانت غاية النظام الإسلامي تحقيق المقاصد الشرعية الخمس التي تتمثل في الحفاظ على الدين ، والنفس ، والمال ، والعرض ،والعقل ، فإن غاية النظام الاقتصادي تحرير الناس من العوز والحاجة بقضاء حاجاتهم المتعددة للأفراد في ظل ندرة الموارد المتاحة ، وهذا هو لب المشكلة الاقتصادية .
ويعني علم الاقتصاد بصفة عامة بوضع الحلول لهذه الحاجات المتعددة للأفراد في ظل ندرة الموارد ، ويقوم أي نظام اقتصادي على أمرين ،يتمثل أولهما في المذهب الذي يقوم عليه ، ويتمثل الأمر الثاني في التطبيق ، ونعني بالمذهب الاقتصادي الأساس الفلسفي الذي يقوم عليه هذا النظام ، أو بمعنى آخر ، مجموعة المبادئ والأصول التي يتكون منها هذا النظام الاقتصادي التي تعمل على حل المشكلة الاقتصادية أما الأمر الثاني المتعلق بالجانب التطبيقي للنظام الاقتصادي فيعني بوضع الطرق التنفيذية أو التطبيقي للمبادئ والأصول التي وردت بالمذهب وبمعنى أوضح فهو الجانب العملي للنظام الاقتصادي بما يشمله من أدوات وعلاقات الإنتاج وغيرها مما يلزم لحل المشكلة الاقتصادية والنهوض بالمجتمع ،هذا وقد وضعت الشريعة الإسلامية الغراء أصول ومبادئ النظام الاقتصادي دونما اهتمام بكل التفصيلات أو التطبيقات وذلك مراعاة الظروف المجتمع الإسلامي سواء تعلقت هذه الظروف بالتطور الزماني أو التغير المكاني باعتبار أن القواعد الشرع الحنيف مرنة تساير المكان والزمان فيما لا نص فيه .
كما وضعت الشريعة الغراء القواعد والأصول المالية التي تنظم الموارد والنفقات والموازنة العامة التي تقوم عليها خطة الدولة الإسلامية من حيث النشاط الاقتصادي والاجتماعي وغيرها من الأنشطة والوظائف التي تقوم بها الدولة وتحتاج لمخصصات مالية، وهناك علاقة وطيدة بين علم الإقتصاد والنظام المالي حيث يعني النظام المالي بدراسة اقتصاد الدولة من خلال الميزانية العامة التي يسعى من خلالها لتقدير أوجه الإنفاق العام والموارد المالية في كافة أنشطتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية وغيرها .

إشكالية البحث:
على ضوء هذا العرض يمكن صياغة وتحديد الإشكالية الرئيسية للبحث في السؤال التالي :
هل في تطبيق النظام المالي الإسلامي ازدهار وتنمية الإقتصاد وهل موارده كافية لإشباع كل حاجات المجتمع وتمويل النظام الاقتصادي وحل مختلف المشاكل في الدول ؟
وعليه سنحاول تفكيك هذه الإشكالية إلى الأسئلة الفرعية التالية :
– ماهي مفاهيم وأولويات ومبادئ النظام المالي والاقتصادي الإسلامي؟
– ماهي خصائص وأصول وقواعد النظام المالي والاقتصادي الإسلامي ؟
– ما هي موارد ونفقات هذا النظام وهل النظامين الاقتصادي والمالي متكاملان فيما بينهما ؟

فرضيات البحث:
للإجابة على الأسئلة السابقة الذكر قمنا بصياغة وبلورة الفرضيات التالية :
– ان جهل مفاهيم ومبادئ النظام المالي والإقتصادي الإسلامي والتخلي عنهما يؤدي الى ظهور النقائص في الأنظمة الإقتصادية .
– ان موارد الدولة الإسلامية ترتكز بشكل كبير على الزكاة
– ان النظامين المالي والإقتصادي يشكلان نظام متكامل وفعال .
أهمية البحث:
يعتبر البحث مهم وذلك من عدة أوجه منها أنه يساهم في اثراء المكتبة الاقتصادية بمعلومات قد تكون غير متوفرة في مراجع أخرى هذا من جهة ومن جهة أخرى قلة من يتطرق إلى هذا الموضوع.
أسباب اختيار الموضوع :
إن أهم الأسباب التي دفعتنا إلى اختيار الموضوع محل الدراسة هي :
– الحرص على تفعيل التراث الإسلامي في المجال المالي لإبراز أهم مزاياه
– باتباع النظام الإسلامي يتم تحقيق الازدهار الاقتصادي دون الأخذ بمبادئ الغرب ونظرياته ، بينما نجد اليوم المسلمين ينتهجون النظام المالي الغربي ويعيشون أزمة مالي بكل مظاهرها وآثارها .

أهداف البحث :
يرمي هذالبحث الى تحقيق جملة من الأهداف أهمها :
– التعرف على مختلف أنواع الموارد والنفقات التي شرعها الإسلام .
– تحديد معالم النظام المالي والإقتصادي في الإسلام .
– مدى مساهمة تكامل النظامين المالي والإقتصادي الإسلامي في دفع عملية التنمية .

منهج البحث : للإجابة على اشكالية البحث ومحاولة اختيار الفرضيات اعتمدنا على المنهج الوصفي والتحليلي معا حيث استعملنا الأول في تحديد التعاريف والمفاهيم المرتبطة بالموضوع ، أما المنهج الثاني فقد تم اعتماده في تحليل طبيعة العلاقة بين مختلف المفاهيم المتعلقة بالدراسة .
حدود وإطار البحث:
إن الدراسة المتناولة هي دراسة اقتصادية بالدرجة الأولى، تتعلق بمحاولة تقريب المفهوم النظام المالي والاقتصادي في الإسلام وتتحدد دراستنا للموضوع من جانبين الزماني والمكاني فالجانب المكاني يتمثل في الدول الإسلامية، حيث سنتعرض للنظام المالي الذي انتهجته الدولة الإسلامية.
أما الجانب الزماني فيمكن أن يحدد من عهد الرسول صلى الله عليه وسلم إلى عهد الخلفاء الراشدين
إلى الإئمة الفقهاء وصولا إلى العصر الحديث.

هيكل الدراسة :
لقد تناولنا دراسة الموضوع من خلال ثلاثة فصول حيث أن :
– الفصل الأول : خصص لدارسة الإقتصاد الإسلامي و أولويات التنمية في الإسلام و كان ذلك في إطار ثلاثة مباحث، إذ تعرضنا في المبحث الأول إلى ماهية الإقتصاد الإسلامي أما المبحث الثاني فتمثل في أولويات التنمية الإقتصادية و كان الثالث في مبادئ التنمية الإقتصادية في الإسلام.
الفصل الثاني: تناولنا من خلاله خصائص و أصول الإقتصاد الإسلامي و ضوابط المعاملات المالية بالتطرق إلى ثلاثة مباحث حيث ركزنا في المبحث الأول على خصائص الإقتصاد الإسلامي و الثاني على أصول الإقتصاد الإسلامي و كان الثالث على القواعد و الضوابط الفقهية في المعاملات المالية.
الفصل الثالث : ارتأينا تقسيمه إلى مبحثين حيث تطرقنا في الأول إلى الموارد و النفقات المالية و الموازنة العامة و في الثاني تكامل النظام المالي و الاقتصادي في الإسلامي.
و في الأخير نجد الخاتمة التي جاءت كتلخيص عام لما احتوته الدراسة التي خلصنا من خلالها إلى عدة نتائج مكنتنا من إبداء بعض التوصيات في هذا الموضوع مع طرح بعض الآفاق المستقبلية لفتح باب البحث من جديد.

الاقتصاد الإسلامي و أولويات التنمية في الإسلام .

لا يقتصر الشرع الإسلامي الحنيف على النواحي العقائدية و العبادة و الأخلاق بل هو منهاج حياة يشمل تنظيم النشاط السياسي و الإداري و الاقتصادي المجتمع وإذا كانت عبادة الله تعالى هي هدف الشريعة الإسلامية فان اعمار الأرض و إقامة مجتمع الأتقياء القوي المعتمد على ذاته هو هدفه النظام الإسلامي .
وإذا كانت غاية النظام الإسلامي تحقيق المقاصد الشرعية الخمس التي تتمثل في الحفاظ على الدين و النفس و المال و العرض و العقل فان غاية النظام الاقتصادي تحرير الناس من العوز والحاجة بقضاء حاجاتهم المتعددة في ضل ندرة الموارد المتاحة و يعنى علم الاقتصاد بصفة عامة بوضع الحلول بهذه الحاجات المعتمدة للأفراد1.
هذا و قد وضعت الشريعة الإسلامية أصول و مبادئ النظام الاقتصادي دونما اهتمام بكل التفصيلات أو التطبيقات و ذلك مراعاة لظروف المجتمع الإسلامي سواء تعلقت هذه الظروف بالتطور الزماني أو التغير المكاني باعتبار أن قواعد الشرع الحنيف مرنة تساير المكان و الزمان فيما لا نص فيه2.
كما وضعت الشريعة القواعد والأصول المالية التي تنظم الموارد والنفقات والموازنة العامة التي تقوم عليها خطة الدولة الإسلامية من حيث النشاط الاقتصادي والاجتماعي وغيرها من الأنشطة والوظائف التي تقوم بها الدولة وتحتاج لمخصصات مالية.
ووفقا لما تقدم سوف نقوم بدراسة الاقتصاد الإسلامي وأولويات التنمية في الإسلام من خلال المباحث التالية :
المبحث الأول : ماهية الاقتصاد الإسلامي
المبحث الثاني : أولويات التنمية الاقتصادية
المبحث الثالث: مبادئ التنمية الاقتصادية في الإسلام.

1 – إبراهيم القاسم رحاحة، مالية الدولة الإسلامية، مكتبة مدبولي، القاهرة، 1999ص12.
2 – حسين حامد محمود،النظام المالي والاقتصادي في الإسلام، دار النشر الدولي ، م ع السعودية،2000،ص5.
المبحث الأول : ماهية الاقتصاد الإسلامي
نبين في هذا المبحث محتوى وماهية الاقتصاد الإسلامي من حيث بيان مذهبه ونظامه ثم نميز بين الاقتصاد الإسلامي من الناحية النظرية وأخيرا نقارن من الناحية العملية أو التطبيقية بين الاقتصاد الإسلامي والاقتصاديات الوضعية .
المطلب الأول : الاقتصاد الإسلامي مذهبا ونظاما
قلنا أن الإسلام أسلوب حياة أي لا يقتصر على الناحية التعبدية بل يشمل كافة نواحي المعيشة سواء على مستوى الدولة أو الأفراد وسواء علاقات الأفراد ببعضهم البعض أو علاقاتهم بالدولة فهو شامل للنواحي السياسية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها .
ويعرف الاقتصاد الإسلامي بأنه ” ذلك الاقتصاد الذي تحكمه المبادئ والأسس الواردة بمصادر الشرع الإسلامي و اجتهادات الفقهاء والتي من خلالها يتم توجيه النشاط الاقتصادي لتحقيق صالح المجتمع الإسلامي .
– بناء على ذلك فإن الاقتصاد الإسلامي يعد مذهبا من حيث المبادئ والأسس التي تحكمه والواردة في القرآن الكريم والسنة النبوية ،وهذه المبادئ الاقتصادية التي وردت في القرآن والسنة على الرغم من قلتها ثابتة لا تقبل التغيير ومستمرة ما دامت الحياة مستمرة ويجب على المجتمع الإسلامي تطبيقها مهما تطورت سبل الاقتصاد وطرق إنتاجه1.
وتمثل المبادئ التي تكون المذهب الاقتصادي الإسلامي فيما يلي :
أ- المساواة بين الأفراد في الأصل والنشأة ، حيث يقول تعالى :( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً) *.
ب- التفاوت بين الأفراد في الرزق حيث يقول الله تعالى : (أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ) **.
ج- حق العمل وكفاية الإنسان حيث يقول تعالى : (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ )***.

* سورة النساء ، الآية 1. *** سورة الملك، الآية 15
** سورة الزخرف، الآية 32. 1 -ابن قدامة، المغني ، دار الحديث ، القاهرة ، 1996، ص 16.
وقوله : ( فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ )*. بالنسبة لمن يستطيع العمل الظروف معينة ولا يقدر على رزقه فإن له حد الكفاية1 وافعالة ممن لديهم قدرة على الإنفاق وسعة الرزق حيث يقول تعالى : (وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ) ** وقوله : (وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ) ***وبالإضافة لذلك فإن الله تعالى دعا للهجرة لطلب الرزق حيث يقول سبحانه : (وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً ) ****.
د- تعاون الأفراد دون تصارع الطبقات : حيث يقول الله تعالى : (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإثم وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) *****.
هـ – ملكية المال لله تعالى والإنسان مستخلف فيه : حيث يقول تعالى (وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ) قيل في تفسير هذه الآية ((يأمر تعالى عباده بالإيمان به وبرسوله،وبما جاء به،وبالنفقة في سبيله،من الأموال التي جعلها الله في أيديهم،واستخلفهم عليها،لينظر كيف يعملون)) و- المحافظة على المال حيث يقول تعالى (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ )******.
ز- ترشيد الإنفاق حيث يقول تعالى : (وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً)*******.
ح- الملكية في الإسلام ذات وظيفة اجتماعية وتعني أنها ملكية من أجل منفعة الفرد والمجتمع حيث يقول تعالى (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ)********.
ط- التوفيق بين مصالح الفرد ومصالح الجماعة حيث يقول تعالى في حق من يستخدم ماله استخداما غير سليم (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ،فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ)********* .ويقول صلى الله عليه وسلم (( لاضررولاضرار )) حديث شريف .
* سورة الجمعة، الآية 10.
1 -أبو عبيد القاسم ابن سلام ، كتب الأموال ، دار الفكر ، 1981، ص 55.
** سورة الذاريات الآية 19. *** سورة النور آية 33. **** سورة النساء الآية 100. ***** سورة المائدة، الآية 02.
****** سورة المائدة الآية 38. *******سورة الفرقان ، الآية 67. ******** سورة التوبة ، الآية 34.
********* سورة البقرة ، الآية 279.
ي – تقييد الحرية الاقتصادية بما ينفع الفرد ولا يضر بالآخرين حيث يقول تعالى: (وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ )* ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( لا يحتكر إلا خاطئ )) رواه مسلم وأبو داود وأحمد وابن ماجة والدرامي.
ك- الحث على التنمية وعدالة التوزيع حيث يقول الله تعالى : (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)** .
وبالنسبة لعدالة التوزيع يقول تعالى : ( أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ) ***.
ويعد الاقتصاد الإسلامي نظاما من حيث أوجه الحلول والتطبيقات المختلفة للمبادئ والأسس السابقة التي وردت بالمذهب الاقتصادي الإسلامي بحيث تتناسب مع ظروف المكان والزمان لكل مجتمع إسلامي وهذه الحلول والتطبيقات الاقتصادية يرجع في شأنها لآراء المجتهدين الإسلاميين وهي قابلة للتغيير في إطار المبادئ التي جاء بها الإسلام ومثال ذلك تحديد المعاملات المستجدة التي تدخل في الربا ، ومعرفة حد الكفاية وكيفية تحديد العدالة الاجتماعية من الناحية الاقتصادية وغيرها من النواحي التطبيقية أو العملية الاقتصادية.
والحقيقة أن النظام الاقتصادي الإسلامي يحكمه المبدآن التاليين :
أ- تحقق المصلحة العامة يعني تحقق شرع الله تعالى:
الشريعة الإسلامي وضعت لمصلحة العباد، فالشريعة مبناها وأساسها على الحكم مصالح العباد في المعاش، وهي عدل كلها ورحمة كلها وحكمة كلها1.
ومن ثم فالعباد مأمورون بعبادة الله تعالى سبحانه وإلى ذلك فإن العباد مطالبون بالعمل الصالح لنفع أنفسهم والتكاليف الشرعية كلها راجعة لمصالح العباد في دنياهم وأخراهم والله غني عن عباده ولا تنفعه طاعة الطائعين ولا تضره معصية العاصين فالأصل في المنافع الإباحة وفي المفاسد المنع ، والخلاصة أن غاية الشرع هي المصلحة وحيثما وجدت المصلحة فثم شرع الله في حدود الشرع وضوابطه أي إذا كانت المصلحة تخالف الشرع فعندئذ لا تتحقق القاعدة ، وأن السبيل إلى تحقيقها هو اجتهاد الرأي في إطار تعاليم الدين الحنيف .

* سورة البقرة، الآية188. *** سورة الزخرف، الآية 32.
** سورة الجمعة ، الآية 10.
1 -ابن القيم الجوزية ، المسائل الفقهية اختيارات شيخ الإسلام ابن تيمية ، دار الصفا القاهرة بدون سنة النشر ، ص 35.
ب- تغيير الأحكام بتغير الأزمنة والأمكنة:
يقول ابن القيم الجوزية في هذا الباب ” باب عظيم وقع بسبب الجهل به غلط عظيم على الشريعة1 أوجب من الحرج المشقة وتكلف ملا سبيل إليه ، ما يعلم أن الشريعة الباهرة التي في أعلى رتب المصالح لاتأتي به فإن الشريعة مبناها وأساسها صالح العباد في المعاش والمعاد وهي عدل كلها ومصالح كلها ،والأدلة في هذا الباب كثيرة تأخذ منها قوله تعالى : (وما جعل عليكم في الدين من حرج)*، وقوله (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر )**،وقوله صلى الله عليه وسلم : يسرو ولا تعسروا واسكنوا ولا تنفروا ،وما خير الرسول بين شيئين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما .

المطلب الثاني : التمييز بين علم الاقتصاد الإسلامي 2
علم الاقتصاد ، كما يعرفه الاقتصاديون هو العلم الاجتماعي الذي يبحث دراسة المشكلة الاقتصادية من خلال تعرضه للأفراد في علاقتهم الاجتماعية المرتبطة بهذه المشكلة حيث يهدف النشاط الاقتصادي إلى إشباع حاجات الأفراد المتعددة في ظل الموارد النادرة عن طريق القوانين أو النظم الاقتصادية التي تحكمه كنظام ” تناقص المنفعة ” وتزايد الغلة والعرض والطلب وأقل تكلفة وغيرها من النظم التي تحكم هذا العلم . فعلم فاقتصاد الوضعي يدرس ما هو قائم لإيجاد الحلول للمشكلة الاقتصادية وعلى هذا فهو علم نظري يحوي عدة نظريات والنظرية تعني بدراسة ما هو قائم دون أن تتطرق للتطبيق .
وعلى النقيض من ذلك فقد جاء الاقتصاد الإسلامي في إطار منظومة متكاملة أو هو جزء من كل3 متماسك ومتناسق وهذه المنظومة ترتكز على عدة مبادئ ، وهي مبادئ المذهب الاقتصادي الإسلامي وهي تهدف في النهاية إلى تحقيق شرع الله ومصلحة المجتمع أما المذاهب الأخرى كالمذهب الرأسمالي أو الاشتراكي فشعارها صالح الفرد والجماعة مع اختلاف التفسير إلا أنها شعارات تعثرت تطبيقاتها وحادت عن تحقيق أهدافها وسنبين ذلك التفرقة بين الاقتصاد الإسلامي والاقتصاديات الوضعية .

1 -علي زغدود ، المالية العامة ، ديوان المطبوعات الجامعية ، بن عكنون ، 2005، ص109.
* سورة الحج ،الآية 78. ** سورة البقرة ، الآية 185.
2 -عبد المجيد مزيان ، النظريات الاقتصادية ، ديوان المطبوعات الجامعية ، الجزائر ، 1988، ص 86.
3 -عبد الله ، مصارف الزكاة في الشريعة الاسلامية ، مؤسسة الرسالة ، بيروت ، 1983، ص123.
المطلب الثالث: التفرقة بين الاقتصاد الإسلامي والاقتصاديات الوضعية 1
إن التطبيقات الاقتصادية تختلف باختلاف المبادئ والأصول التي يعتنقها كل مذهب وقلنا أن المذاهب متعددة فمنها المذهب الرأسمالي والمذهب الاشتراكي فما مبادئ هذان المذهبان في مجال النشاط الاقتصادي وما موقف الإسلام منهما ؟
يقوم المذهب الرأسمالي على أساس حرية الفرد المطلقة فيما يصنع وما يدع ولانشأة للدولة به إلا في حالة الإخلال بالأمن والدفاع عن البلاد حيث يردع ويمنع في حالة الاعتداء وبناءا على ذلك فإن وظائف الدولة في النظام أو المذهب الرأسمالي هي المحافظة على الأمن الداخلي والخارجي والقيام بالقضاء وما عدا ذلك لا دخل للدولة في ذلك والملكية الخاصة أو ملكية الأفراد هي السائدة سواء تمثلت هذه الملكية في الملكية الزراعية أو العقارية أو الصناعية أو التجارة ويرى الباحث الرأسمالي في هذا النظام أنه مبني على قواعد غير محددة تحديدا دقيقا بالزمان والمكان ،بل يراه نظاما عالميا أكثر مما هو محصور في قارة ما فليست أوروبا وأمريكا هي البلاد الوحيدة التي يمكن أن تنفرد بالنظام الرأسمالي ،ويتأثر هذا النظام العمال نتيجة لتحكم أصحاب الملكيات ورأس المال فيهم مما ينعكس على أجورهم ومستوياتهم المعيشية فغاية الاقتصاد الرأسمالي هو تحقيق أكبر عائد أو أعلى كسب مادي لأصحاب رأس المال من خلال نظامه الاقتصادي الذي يقوم على أساس قوى السوق القائمة على حرية العرض والطلب ومن ثم يتحدد السعر ،والمقابل للنظام السابق المذهب أو النظم الاشتراكي والذي يقوم على أساس التخطيط المركزي للنشاط الاقتصادي مستهدفا مصلحة الجماعة ومن ثم فهو ينظر للملكية الجماعية أو العامة إن صح التعبير مع تهميش ملكية الفرد وتشمل هذه الملكية العامة ملكية الدولة لوسائل الإنتاج والتجارة والمصانع والزراعة وتحدد أجور العمال الثابتة نتيجة لمشاركتهم في هذا النشاط الاقتصادي2 .ومبادئ المذهبين السابقين وإن اختلفا على نحو ما سبق إلا أنهما يشتركان في قيامها على فلسفة واحدة ألا وهي النظرة المادية للأشياء فكلاهما ينظر ، للكسب المادي البحت سواء على المستوى الفرد أو الجماعة ، فالمادية مطلوبة لذاتها دون النظر للأخلاق أو المثل أو القيم أو المبادئ أو الضمير كما يسميه مفكرو الغرب ، وتترتب عليهما علاقات مادية بحتة دون روابط مثالية أوأخلاقية.

1 -فوزي عطية، الإقتصاد و المال في التشريع الإسلامي و النظم الوضعية، دار الفكر العربي، بيروت، 1988، ص111.
2 -كامل موسى، المدخل إلى التشريع الإسلامي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ،1989،ص203.
وعلى العكس من ذلك فإن النموذج الإسلامي يسعى للتوفيق بين الفكر والعمل في ظل ظروف المجتمع حيث يربط بين الجانب المادي والجوانب الروحية والأخلاقية أي بين سلوك الفرد وعقيدته وبين الدنيا والآخرة .
وحيث يجب ممارسة المجال الاقتصادي على أوفي إطار ما شرعه الله من حلال فنقوم به ومن حرام فنجتنبه وذلك لتحقيق صالح الأفراد بتمام الكفاية حاجات الأفراد المشروعة ومن ثم تتوافر الحياة الآمنة الكريمة في ظل القيم والمبادئ الإسلامية 1
وهذه المبادئ الإسلامية انعكست على شتى مناحي الإقتصاد الإسلامي فالملكية في الإسلام لله، وأن الإنسان مستخلف فيها ومن ثم فإن الملكية لم تعد على النهج الرأسمالي في أن الفرد حر فيها بل لها وظيفة اجتماعية وأن كلا من الملكية الخاصة والعامة أمانة ومسؤولية في يد المستخلف عليها يجب أن يراعى فيها أوامر الله تعالى التي تنتهي للنفع العام وخدمة المجتمع . كما أن أساس الرزق في الإسلام هو العمل لقوله تعالى :
(فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)* ، ومن لم يستطع العمل لمرض أو هرم فله الكفاية على من لديه المال والقدرة وهذا كله من أجل تحقيق النفع والخير العام .

1- محمد عبد المولى، أنظمة المجتمع و الدولة في الإسلام، الشركة التونسية، 1973،ص66.
* سورة الجمعة، الأية10.

المبحث الثاني: أولويات التنمية الاقتصادية

تعتبر التنمية الاقتصادية من أهم أولويات الإقتصاد الإسلامي للنموذج في هذا المبحث أولويات التنمية الاقتصادية، أهداف التنمية الاقتصادية ويلي ذلك حتمية الأخذ بنظام تنموي إسلامي .

المطلب الأول: أهداف التنمية الشاملة
تهدف التنمية الاقتصادية الشاملة إلى إجراء تغييرات جذرية أكثر جوانب الحياة المختلفة في المجتمع بصفة عامة بحيث لايقتصر النمو الحارث على جزئية واحدة من هذه الجوانب أو مجال معين دون غيره من المجالات فمثلا إذا قام المجتمع بإحداث نمو في النشاط الاقتصادي فقط وذلك بتحقيق طفرة في كمية ونوعية الإنتاج فيكون قد حقق هدفا واحدا من عملية التنمية الحقيقية الشاملة وتكون التنمية حينئذ اقتصادية ولا غير وأيضا إذا كان هذا التغيير في المجال الاجتماعي كزيادة فرص التعليم أو كان التغير سياسيا كتغيير أسلوب الحكم فإن المجتمع يكون قد حقق هدفا اجتماعيا أو سياسيا من عملية التنمية دون غيرها 1.
بينما إذ تحققت التنمية في كل من أوجه النشاط الاقتصادي والاجتماعي والسياسي على السواء عبر فترة زمنية معينة عندئذ نقول بأن هذا المجتمع قد تمكن من تحقيق أهداف خطة تنموية حقيقية شاملة ، لا تقتصر على الجوانب الاقتصادية فقط ولكنها تتضمن جوانب أخرى تعتبر ضرورية لحياة الإنسان كفرد من جهة وعاملا من أهم عوامل النهوض بالمجتمع إلى حياة أفضل ومستوى أعلى من الرفاه الاقتصادي من الجهة الأخرى.2
ولكي تتحقق تلك الحياة الفضلى للأفراد وذلك الرفاه الاقتصادي للمجتمع لابد من وجود ثلاث أهداف أساسية يقصد المنضمون تحقيقها من عملية التنمية وهذه التنمية وهذه الأهداف هي :
1- ضمان استمرارية الحياة . 2- احترام النفس . 3 – الحرية الاقتصادية

1 -فكري نعمان، النظرية الاقتصادية في الإسلام، دار القلم، دبي، 1985،ص99.
2 -كريمة كريم، الإقتصاد المصري، كلية التجارة، جامعة الأزهر،1997،ص169.
ويشير الهدف الأول إلى وظيفة النشاط الاقتصادي في المجتمع التي يجب أن تنحصر في توفير الحاجات الضرورية للإنسان وتلبيه المتطلبات الأساسية كالمأكل والمشرب والملبس والمأوى حيث يمكن التغلب على مظاهر الفقر والجوع والفاقة الناتجة عدم تحقيق الإشباع لتلك الحاجات ، كما يهدف إلى تحسين فرص العمل وتقليل عدد العاطلين وتحقيق عدالة التوزيع للدخول سواء بين الأفراد أو بين المناطق المختلفة في المجتمع ، كأن يتم تنمية إقليم على حساب إقليم آخر . أما الهدف الثاني الخاصة باحترام النفس. فإنه يعني تأمين الحياة الكريمة لجميع أفراد المجتمع ، عن طريق تلبية الحاجات غير الاقتصادية كالحاجة إلى التعليم والثقافة والصحة والأمن وسهولة الحصول على الخدمات المتنوعة وغيرها وهذا يؤدي إلى اكتساب القيم والأخلاق الحميدة واحترام النفس والاعتزاز بالذات والإحساس بالكرامة وذلك باعتبار أن الفرد هو العنصر الهام في عناصر التغيير الاجتماعي ، لأن البناء الثقة في نفوس الأفراد والجماعات تساعد كثيرا على مواجهة التحديات التي تواجه عمليات التنمية الشاملة في مراحلها الأولى غالبا بينما الهدف الثالث المتعلق بمفهوم الحرية الاقتصادية فإن ذلك ليس له علاقة بالحرية السياسية وإنما المقصود منه تحرر الأفراد من العبودية الاقتصادية كالفقر والحاجة كالجهل والمرض حيث أن تنمية قدرات الإنسان المادية والفكرية تسمح له بتحقيق طموحاته وتساعده على تقوية اعتماده على النفس وتمكنه من المشاركة في إبداء الرأي بقوة وصراحة وتفسح المجال أمام المساهمة الفعالة في اتخاذ القرارات البناءة في المجتمع . دون خوف من الفشل أو تردد في الرأي خشية التعرض للأنظمة والإجراءات المعوقة في طريق التنمية 1.
الفرع الأول : أولويات التنمية الشاملة في الإسلام 2
ينحصر الهدف النهائي لكل عملية تنموية في توفير الحاجات الضرورية لجميع الأفراد في المجتمع وبما أن أي عملية تنموية لا تستطيع تلبية جميع الحاجات دفعة واحدة مهما كانت قدرتها على الانطلاق نحو التقدم والتطور ولأن تلك الحاجات ليست جميعها على درجة واحدة من الأهمية للأفراد لذا فإنه كان من الضروري ترتيب هذه الحاجات ووضعها ضمن سلم تفضيل وجدول أولويات وأسبقية أهداف يتم العمل على تحقيقها في مراحل التنمية المختلفة وفق هذا الترتيب بحيث يتمشى ذلك الترتيب مع الظروف الاقتصادية السائدة في المجتمع .

1-محمد البشير فرحان، الحاجات البشرية، دار البحوث للدراسات الإسلامية، إمارات دبي، 2001،ص167.
2 -محمد عباس محرزي، الإقتصادية في المالية العامة، ديوان المطبوعات الجامعية، بن عكنون، 2003،ص89.
وانطلاقا من هذا المبدأ فقد قام النسق الإسلامي على أساس ضرورة الالتزام بأولويات التنمية الاقتصادية الشاملة التي جعل ترتيبها على النحو التالي :
أولا: الحاجات الضرورية
يجب على التنمية الاقتصادية الشاملة في المجتمع الإسلامي الذي يعاني من التخلف الاقتصادي أن تهتم أولا بإشباع جميع الحاجات الأساسية للسكان من مأكل ومشرب وملبس ومسكن، ما لم تكن هذه الحاجات قد أشبعت من قبل.
ووفقا لتلك الأولويات فإنه يجب أن تشمل التنمية الشاملة جميع السلع والخدمات التي يحتاجها الأفراد ويتعين على المجتمع توفيرها لهم في المقام الأول وتوجيه معظم الطاقات الإنتاجية نحو تحقيقها وتتمثل تلك الأولوية في توفير المنتجات الغذائية لضمان حياة الإنسان ويتبع ذلك تجهيز كل ما يلزم من أجل تطوير تلك الصناعة ونموها كالنهوض بالإنتاج الزراعي والحيواني وتطوير الناتج وتحسين السلالات الحيوانية وغيرها .
ويلي ذلك تطوير صناعة الملبوسات وكل ما يتعلق بها من الحرف الإنتاجية وتوفير المساكن الصحيحة المناسبة للظروف البيئية والإنتاجية لكل فرد وما يرتبط بها من أثاث وأدوات بحيث تتوفى فيها كل أسباب الراحة للإنسان وحفظ الكيان الاجتماعي للأسرة1.
ومن الحاجات الضرورية في هذه المرحلة أيضا الاهتمام بالمرافق العامة لتوفير المياه الصالحة للشرب والكهرباء ووسائل الاتصال والخدمات الصحية والتعليم والتربية البدنية والخلقية وغرس القيم والمبادئ الإسلامية في النفوس حتى يقدم الأفراد على العمل في مشاريع التنمية بجد وإخلاص2 .
ومن الضرورات الهامة كذلك تأمين الدعوة الإسلامية وتحقيق الأمن لجميع الأفراد في كافة الظروف ويتحقق ذلك بتخصيص جانب من الطاقة الإنتاجية في تجهيز الجيوش للدفاع عن الوطن ورفع دعائم الإسلام .

1 -د.يوسف القرضاوي،فقه الزكاة،مكتبة وهبة ،القاهرة،1986،ص168.
2 -محمود عطية ،موجز المالية العامة،دار المعارف،الاسكندرية،1969ص49.
ثانيا : الحاجات الكمالية
تأتي الحاجات الكمالية في المرتبة الثانية من مراتب أولويات التنمية الشاملة ، وتتمثل في كافة السلع والخدمات المتطورة الحديثة فتعمل على تحسين الظروف المعيشة للأفراد ويتحقق ذلك في توفير المرافق العامة الحديثة واستخدام وسائل التكنولوجيا ونشر العلوم والمعارف بصورة أشمل وأوسع مما كانت عليه في المرحلة السابقة.
ومن المهم أن لا يتم الانتقال من المرحلة الأولى إلى الثانية إلا بعد التأكد من تمام الكفاية لجميع الأفراد من حاجاتهم الأساسية الضرورية .

ثالثا: الحاجات الترفيهية أو التحسينية
في هذه المرحلة تكون عملية التنمية قد وصلت إلى أبعد مدى يمكن أن تبلغه وأخذت تسعى بأهدافها إلى تحقيق الزيادة وتحسين مستوى المعيشة في المجتمع والارتقاء به إلى أقصى درجات الرفاه الاقتصادي1 .

الفرع الثاني :أهمية تحديد أولويات التنمية
إن تحديد أولويات عملية التنمية كما في الترتيب السابق وتصنيف السلع بين ضرورية وكمالية وترفيهية يعتبر ترجمة حقيقية لمراحل التطور الاقتصادي في المجتمع ، وتستخدم دلالة للتعبير عن مستوى الاقتصادي سواء انتعاشه أو ركوده وتفسير ذلك أنه في المراحل الأولى لعمليات التطور يكون المجتمع مشغولا بتوفير السلع الضرورية للأفراد بينما تكون بعض المنتجات في عداد السلع الكمالية وتكون متنحية عن مجال الاهتمام ولكن تظل هكذا إلى حين حتى إذا ما تم توفير كل ما هو ضروري وتم تحقيق الوصول إلى المرحلة التالية من التطور انتقلت السلع الكمالية كانت مؤجلة من قبل ، لتصبح من عداد السلع الضرورية وفي نفس الوقت تظهر في الأسواق السلع الترفيهية2 ، فلا يتمكن المجتمع من تلبية حاجات أفراده منها إلا بتمام عملية التنمية الشاملة وفق الأولويات المحددة من قبل على الوجه الأكمل .

1 -عبد المجيد مزيان ،مرجع سابق ص93.
2 -موفق محمد عبده،الموارد المالية العامة،دار حامد عمان 2004،ص39.
وتظهر أهمية تحديد الأولويات في عملية التنمية الشاملة على النحو السابق في النقاط التالية :
1 – إن تحديد هذه الأولويات يتمشى مع ما أوجبه الإسلام على الدولة الإسلامية ، في توفير فرص الكفاية لإشباع الحاجات الضرورية لمعظم الأفراد ومنحهم جميع حقوقهم للعيش في حياة كريمة خاصة في المراحل الأولى لعملية التنمية إذ لا يجوز أن يجوع مسلم أو يعرى بينما يكون غيره منعما في الحياة، وذلك بسبب إحداث تنمية اقتصادية تعمل على توفير الكماليات أو السلع الترفيهية قبل الضروريات. فإن الإسلام أوجب على الدولة إعطاء كل فرد حقه من المأكل والملبس والعيش في مسكن يليق به، وتوفير فرص التعليم والعمل له. والتمتع بالخدمات الصحية والشعور بالأمن والطمأنينة في وطنه وذلك بأن تحمي الدولة دم المسلم وماله وعرضه فإذا توفرت هذه الحقوق الأساسية للجميع، انتقلت الأهداف التنموية تلقائيا إلى المراحل التالية من عمليات التطور1.
2 – إن تحقيق الإشباعات الضرورية لحاجات الأفراد في المراحل الأولى لعملية التنمية ، يعتبر دافعا لهم إلى بذل المزيد من الجهد وحافزا على العمل ويكون سببا في زيادة حرصهم عليها لأنه من الطبيعي إذا حدثت استثمارات تنموية وكان يقصد بها إشباع النواحي الكمالية لفئة معينة قبل أن تكون حاجات الكفاف لجميع الأفراد قد أشبعت تماما ، فإن ذلك ينشئ شعورا بعدم الاطمئنان لدى أصحاب هذه الحاجات غير المشبعة فيؤدي هذا الإحساس إلى تزعزع الثقة لديهم
3 – إن التوزيع العادل لثمار التنمية الاقتصادية على أفراد المجتمع ، لا يتحقق في المراحل الأولى لتلك العمليات ، إلا في صورة سلع أو خدمات يتم توزيعها على كافة الشعب ، وبذلك يشعر الأفراد بأن بؤرة الجهود التنموية وهدف الدولة من هذه التنمية هو الإنسان نفسه ، فتزداد ثقتهم في المشاريع القائمة ويتولد الإحساس لديهم بضمان الحقوق في ثمارها ، فلا تستكمل المراحل الأخرى لعملية التنمية بالشكل الجدي المرتقب 2.
4 – إن توفير الصناعات الحربية وتجهيز الجيوش في المراحل الأولى من عمليات التنمية الاقتصادية الشاملة ، يؤدي إلى تأكيد الشعور بالأمن والاطمئنان لدى الأفراد .

1 -محمود عطية،مرجع سابق ص50.
2 – منذر قحف،السياسات المالية،دار الفكر ،بيروت،1999،ص،43،42.
وتتحقق للمجتمع القوة الحربية اللازمة لحماية مكاسب عملياته التنموية من الاعتداءات الخارجية المحتملة أو من الاضطرابات الداخلية المتوقعة والتي تعتبر من أسوأ المعوقات التي تتعرض طريق تقدم المجتمعات وتطورها ، فتعمل مراحل التنمية الباقية وفق الخطط المرسومة لها .
5 – إن تأمين الضرورات المادية لإشباع الحاجات البشرية وتحقيق المستوى الثقافي الملائم للأفراد، وتوفير الخدمات الصحية بدرجة كافية في المجتمع كما هو مقرر في المراحل الأولى لعملية التنمية الاقتصادية الشاملة، تكون من نتائجه:
القضاء على مظاهر الفقر والجهل والمرض وزيادة الدخل القومي ورفع مستوى المعيشة للأفراد وتحقيق الرفاه في المجتمع ، كل ذلك يجعل المجتمع مهيئا لاستقبال المراحل التالية من عمليات التنمية لتوقعه الحصول على المزيد من المكاسب كتلك التي حصل عليها من قبل .
المطلب الثاني : حتمية الأخذ بنظام تنموي إسلامي
إن نشأة النظريات العلمية في مجال العلوم الاجتماعية ، تعتبر نتاجا أمينا وتعبيرا صادقا عن خبرة واضعيها لأنه من الطبيعي أن يتأثر واضعوا تلك النظريات وعلى الأخص في المجال الاقتصادي بواقع الحياة الاجتماعية التي نشأوا فيها وأن تتشبع أفكارهم بالمبادئ والقيم والأخلاقيات التي تفرض عليهم البيئة التي يعيشون فيها فلا ينبغي تجريد أي نظرية عن واقعها الاجتماعي الذي نشأت فيه لأن أي مجتمع له قيمه وعاداته وتقاليده بل ظروفه السياسية والاقتصادية التي تختلف كثيرا عن غيرها في المجتمعات الأخرى ، الأمر الذي لا يصح معه استيراد فكر مذهبي دخيل ومحاولة تطبيقه في أرضية مغايرة عن الأرضية التي نشأ بها ، فيصبح الإنسان مقلدا للأفكار التي صاغها تجارب غيره وخبراته ، لذا فقد أصبح من الضروري البحث عن نظرية تنموية اقتصادية تتمشى مع الظروف البيئية والاجتماعية للمجتمع المسلم وتنبثق من التشريعات الدينية لهذا المجتمع1 .
مع نبذ كل ما هو مستورد أو دخيل على القيم الإسلامية ليس ثقليلا من أهمية العلم ولكن لأنه لا يصح الفهم أن يخلو الإسلام من كل شؤون الإقتصاد ، مادمنا نؤمن بالرسالة الخاتمة وبأنها جاءت بدين قويم كامل.

1 -اميرة عبد اللطيف مشهور ،دوافع الاستثمار في الاقتصار الاسلامي،رسالة دكتوراه ،كلية الاقتصاد،القاهرة،1995،ص65.
وبذلك تتأكد حتمية الأخذ بنظام تنموي إسلامي مستقل عن غيره من سائر الأنظمة للأسباب التالية1 :
1 – إن الدين الإسلامي له أسلوبه الخاص في تنمية شخصية الإنسان المسلم كفرد وتكوين صفات المجتمع الإسلامي ككل فيكون ذلك عاملا قويا وسببا أكيدا لإمكانية الوقوف أمام كل المشكلات التي تطرأ خلال تطبيق عمليات التنمية ، و لا يمكن تحقيق ذلك إلا من خلال التعاليم الإسلامية الخالصة .
2 – إن المجتمع الإسلامي له صفاته وخصائصه التي تميزه عن المجتمعات الأخرى الأمر الذي يتطلب معه أن تكون خططه التنموية نابعة عن هذه الخصائص ومنبثقة من تلك الصفات متمشية مع التعاليم والمبادئ الإسلامية .
3 – إن من أهم شروط التنمية السليمة توفر الحرية الاقتصادية ولذلك فإنه عند استيراد أي نمط اقتصادي من الأنظمة الأجنبية يجب أن ينتفي شرط التبعية الاقتصادية حيث لا يتصور إلا فيما ندر أن يرتبط اقتصاد ما باقتصاد آخر إلا إذا كان ذلك نتيجة ضغط سياسي بوسيلة أو بأخرى .

1 – محمد احمد ثابت عريضة،الاسلام و وضع الاسس الحديثة الغربية،مصر ،1960،ص73.
المبحث الثالث: مبادئ التنمية الاقتصادية في الإسلام.
إن خلو التشريع الإسلامي من المصطلحات الاقتصادية لا يعني خلوه من المبادئ الكلية المؤدية إلى مفهومها الحديث ، كما لا يعني رفضه التام لبعض المبادئ والقواعد والأحكام التي تهدف إلى تحقيق مستوى لائق من المعيشة بكل مسلم وتعمل على محاربة الفقر والجهل ونشر العلم وتنادي بتحقيق العدالة في التوزيع للدخول والمكاسب وما هذه العبارات إلا الجوهر الحقيقي والدعامة الرئيسية التي قامت عليها نظريات التنمية الاقتصادية بمسمياتها الحديثة .
وبناءا على ذلك من خلال التعاليم الشرعية يمكن اشتقاق بعض المبادئ التي يرتكز عليها مضمون التنمية الاقتصادية في الإسلام وصياغتها في خمسة مبادئ أساسية على النحو التالي:

المطلب الأول: التهيئة النفسية للأفراد وتعبئة الموارد الطبيعية1

أولا – التهيئة النفسية للأفراد :

قبل أن يبدأ الإسلام في تشريع معين فإنه يمهد لهذا النوع من التكليف ويهيأ له الأفراد نفسيا أولا من أجل التحول عن المفاهيم القديمة إلى قلب ما هو جديد نافع والأخذ بهذا المبدأ يضمن شيئين هامين .
أ- الاستيعاب الكامل لهذا التكليف بحيث يتحول التشريع إلى عقيدة أو مبدأ.
ب- ترجمة هذا الاستيعاب التام إلى أنماط سلوكية تؤثر في حركة الحياة وتدفع بها إلى الأمام

ثانيا – تعبئة الموارد الطبيعية :
حيث تشكل الموارد الطبيعية الجانب المادي من عمليات التنمية بصفة عامة وهي تشمل جميع الموارد المادية التي خلقها الله للإنسان وسخرها له وذللها له من أجل منفعته فأورد القرآن معظم هذه العناصر في عدة آيات من سورة واحدة ليلفت إليها أنظار البشر ويحث بها الناس في آخر كل آية على التفكر والتدبر والتأمل في خلق الله .

1 – محمد البشير فرحان ،مرجع سابق،ص181.
حيث يقول تعالى (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ ،يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ، وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ، وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ ، وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)*.
المطلب الثالث: تنظيم الموارد المالية للدولة والتشغيل الكامل للعمالة
أولا – تنظيم الموارد المالية للدولة .
إذ يعتبر النظام المالي انعكاسا صادقا لكل من النظام السياسي والاجتماعي والاقتصادي في المجتمع ، والنظام المالي في الإسلام له من الخصائص والصفات العامة ما تميزه بها عن غيره من النظم المالية الأخرى ، إذ أنه يعكس تأثير التعاليم الدينية على جميع المعاملات فيه ويوضح آثار انعكاس تلك التعاليم عليه الأمر الذي يفر السبب الحقيقي في حدوث ذلك التقدم السريع والتطور الحاصل في الدولة الإسلامية في العهد النبوي وعصر الخلفاء الراشدين مما يؤكد على أن أدوات النظام المالي في الإسلام قد حققت جميع أهدافها وأدت كل وظائفها على أكمل وجه في كل من الإيرادات العامة والنفقات العامة للدولة على النحو التالي :
1 – فمن حيث الإيرادات العامة :
فقد حققت الدولة الإسلامية حصيلة ضخمة من الأموال نتيجة تعدد مصادر التمويل التي شرعها الإسلام التي من بينها الزكاة والغنائم والفيء والجزية كما قررت بعض الإعفاءات المتنوعة لكل من العاجزين والمساكين .
2 – أما من حيث النفقات العامة:
فقد ساعدت سياسة الإنفاق في الدولة الإسلامية على تأمين حاجات الفقراء الضرورية ، ورفع مستوى معيشتهم والقضاء على مظاهر الفقر في المجتمع الإسلامي وتحقيق مبدأ التكافل الاجتماعي في الدولة المسلمة فكان ذلك سببا في تهيئة المناخ النفسي السليم للأفراد وتحقيق الاستقرار السياسي في المجتمع وهما من أهم مقومات عملية التنمية الاقتصادية1 .

* سورة النحل، أية 10-14.
1 – موفق محمد عبده ،مرجع سابق ص94.
ثانيا-التشغيل الكامل للعمالة .
وهو رابع المبادئ الإسلامية الهادفة إلى تحقيق التنمية الاقتصادية في الإسلام حيث إن العمل هو الوسيلة الوحيدة للإفادة من موارد الطبيعة التي خلقها الله لعباده ،فالعمل يساهم في زيادة الإنتاج ويعمل على جلب الثروات فيؤدي ذلك إلى رفع مستوى المعيشة للأفراد وتحقيق الرفاه الاقتصادي في المجتمع المسلم .وتعددت وسائل الإسلام في محاربة البطالة والقضاء على كافة البواعث النفسية التي تقلل من فاعلية الإنسان وتقعده عن العمل ومن تلك الوسائل ما يلي1:
1 – عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:( و الذي نفسي بيده لأن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب على ظهره خير له من أن يأتي رجلا فيسأله أعطاه أو منعه) البخاري.
2 – نبذ الإسلام الإعراض عن العمل بدعوى التوكل على الله.
3 – حث الإسلام على العمل في أي مكان على وجه الأرض فمن ضاق به العيش في مكان إقامته، هاجر إلى مكان آخر سعيا في طلب الرزق .
4 – أجبر الإسلام العامل المتخصص على أداء العمال التي لا يتوفر لها عدد من القائمين عليها، حتى يتم تلبية جميع الحاجات اللازمة للناس من إنتاج هذا العمل فمثلا:
إذا كان الناس يحتاجون إلى فلاحة قوم ولا يجدون من يؤديها ويقوم بها صارت هذه الأعمال مستحقة على الجميع فيجبر ولي الأمر القادرين عليها للقيام بها ولا يجعلهم يطالبون الناس بزيادة عن هذا العرض ،
5 – حث الإسلام جميع العاملين على إتقان العمل المباح وطلب منهم مراعاة الجانب الأخلاقي في أعمالهم2 .
المطلب الثالث: تحقيق العدالة في التوزيع.
وهو المبدأ الأخير من المبادئ الإسلامية في إقامة دعائم التنمية الاقتصادية في الدولة المسلمة ، حيث يهدف الإسلام إلى تحقيق عدالة التوزيع ، لأن المشكلة التي تواجه العالم اليوم ، ليست مشكلة إنتاج بقدر ماهية مشكلة توزيع ، فان ما يتم إنتاجه في الوقت الحاضر أو مستقبلا يكفي حاجات الناس ومع هذا فإن المشكلة الاقتصادية تزداد حدة يوما بعد يوم3.

1 – احمد محمد المصري ، الإدارة في الإسلام،مؤسسة شباب الجامعة،الإسكندرية،2003ص82.
2- احمد يوسف ،المال،في الإسلام،القاهرة،1991،ص46. 3- محمد احمد ثابت ،مرجع سابق ص95.
وقد حدد الإسلام أحكاما خاصة من أجل تحقيق عدالة التوزيع والتملك منها على سبيل المثال ما يلي1:
1 – ألغى الإسلام الحمى، وبذلك يكون قد نفى مبدأ السيطرة على الأرض وحمايتها بالقوة.
2 – منع تملك المياه المكشوفة الطبيعية كالبحار والأنهار قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (المسلمون شركاء في ثلاث : في الماء والكلأ و النار وثمنه حرام )قال أبو سعيد الماء الجاري
3 -قرر بأن العمل هم أساس التملك للثروات الطبيعية وأصدر عدة أحكام توضح ذلك منها:
أ – أنه من أحيا أرضا ميتة فهي له، ومن حفر على معدن حتى يكشفه فله أن يتملك الكمية التي كشفت عنها الحفرة فقط.
ب- للفرد أن يتملك أي مصدر من مصادر الثروة الطبيعية بالحيازة كأن يحصل على الحيوان بالصيد والخشب بالاحتطاب والماء من النهر بوضعه في إناء والحجر الطبيعي بحمله.

1 -إبراهيم قاسم رحاحة،مرجع سابق ،ص115.

وبتطبيق هذه المبادئ الإسلامية تتحقق أهداف التنمية الاقتصادية الشاملة والتي تنحصر أهدافها في تحقيق الإشباعات القصوى لجميع الحاجات ولكل الأفراد في المجتمع وتحقيق عدالة التوزيع لجميع العوائد من هذه العمليات التنموية بصورة سليمة .
كما وضعت الشريعة القواعد والأصول المالية التي تنظم الموارد والنفقات والموازنة العامة التي تقوم عليها خطة الدولة الإسلامية من حيث النشاط الاقتصادي والاجتماعي وغيرها من الأنشطة والوظائف التي تقوم بها الدولة وتحتاج لمخصصات مالية.

خصائص و أصول الاقتصاد الإسلامي وضوابط المعاملات المالية

سوف نخصص هذا الفصل لدراسة خصائص وأصول الإقتصاد الإسلامي وضوابط المعاملات المالية وذلك من حيث صفات وخصائص طبيعة المال والملكية في الإسلام والقيود الواردة عليهما والتوازن الاجتماعي والاقتصادي الذي يسعى لتحقيق صالح الفرد والجماعة في إطار مبادئ الشرع الحنيف .
هذا وتتمثل خصائص الإقتصاد الإسلامي في بيان طابعه التعبدي وكونه يجمع بين الثبات والتطور وأنه يفي بالحاجات المادية والروحية للإنسان وأنه يجمع بين صالح الفرد وصالح الجماعة .
أما أصول الإقتصاد الإسلامي فنحاول أن نعرف من خلالها موقف الشريعة الغراء من المال والملكية بوصفها ملك لله وأن الإنسان أو المجتمع مستخلف عليهما ونعالج مدى تدخل الدولة في حرية الفرد الاقتصادية لتطبيق شرع الله من ناحية ومن ناحية أخرى لتحقيق التوازن الاجتماعي والاقتصادي اللذين حرصت عليهما تعاليم الشرع الحنيف .
أما الشطر الثالث فسنحاول معرفة ماهية القواعد والضوابط الفقهية في المعاملات المالية .
وسندرس هذه الضوابط بالتفصيل ونأخذ على ذلك أمثلة من الواقع .
ويشمل هذا الفصل مايلي :
المبحث الأول : خصائص الاقتصاد الإسلامي
المبحث الثاني : أصول الاقتصاد الإسلامي .
المبحث الثالث: القواعد و الضوابط الفقهية قي المعاملات المالية.

المبحث الأول : خصائص الاقتصاد الإسلامي
تنوعت خصائص الإقتصاد الإسلامي إذ أن هذا الاقتصاد جزء من كل ، أي جزء من الشرع الحنيف ، ومن ثم تأثر هذا الاقتصاد بالنواحي التعبدية الواردة بالدين كما أن الشرع الإسلامي لم يبين كل التفصيلات الخاصة بالاقتصاد بل أورد المبادئ الكلية وترك التطبيق والتفصيل ليناسب مع كل وقت ومكان وأن الطابع التعبدي لا يعني اقتصار الشرع على الناحية الروحية بل حمل في طياته بعض النواحي المادية المنظمة ، والتي تهدف في النهاية لتحقيق صالح الفرد والجماعة1 .
المطلب الأول : الطابع التعبدي للاقتصاد الإسلامي2 .
قلنا فيما سبق أن المذهبين الرأسمالي والاشتراكي يقومان على فلسفة مادية بحتة، سواء بنظرتهما للنشاط الاقتصادي أم للإنسان القائم عليه. وكان من آثار ذلك هدفها يتعلق بالكسب المادي سواء للفرد أو للجماعة وأنهما ينظران الى أن خضوع الفرد للعقيدة يؤدي لعرقلة نشاطه وحريته مما يترتب عليه عدم تواجد الجوانب الروحية والأخلاقية التي تحفز الفرد على مواصلة مجهوده من ناحية وفساد الأخلاق والقيم من ناحية أخرى .
وما سبق يناقض ما جاءت به الشريعة الإسلامية حيث أن الهدف مما جاءت به الشريعة هو عبادة الله ومراقبته والخوف منه، وأن القاعدة الأساسية في دراسة النظام الاقتصادي عدم فصله عن العقيدة بوصفها ركيزة السلوك الإنساني في شتى الأمور ، بوصفها أيضا أنها جزء من كل متماسك ومتناسق ، الأمر الذي انعكس على النشاط الاقتصادي ذاته الذي يجب أن يمارس في دائرة الحلال والحرام. وفي ذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم ” إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصا وابتغى به وجه الله ” وهذا العمل الذي يقصد به وجه الله تعالى والقيام بحق الناس استجابة لطلبه تعالى ومرضاته كإصلاح الأرض و اعمارها ومنع الفساد فيها يعد عبادة مستمرة وصدقة ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” ما من مسلم يزرع زرعا أو غرس غرسا فأكل منه إنسان أو طير أو بهيمة إلا كان له به صدقة ” ومصدر التزام المسلم بحدود الله السابقة راجع لذاته لأنه جزء من إيمانه وعقيدته.

1 – مصطفى عبد الحميد درويش ،الملكية في القانون والاسلام،مجلة مجلس الدولة،مصر ،1962،ص143.
2 – حسين محمود،مرجع سابق،ص64.
خاصة في ظل رقابة الله تعالى لكافة ما يقوم به الفرد ومحاسبته عليه حيث يقول تعالى ” وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً، اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً )* ، ويضاف لذلك المصدر الذاتي للالتزام مصدرا خارجي لامح للإنسان فيه وهو قوة الشرع الإسلامي الذي يحدد السلوك الإنساني وخاصة في المجال أو النشاط الاقتصادي وضوابطه في إطار الحلال والحرام وذلك لتصحيح مساره كلما حاد عن تعاليم الله ومن ذلك النص على منع أنشطة معينة كالربا من أجل صلاح الأفراد والمجتمع .
المطلب الثاني: الاقتصاد الإسلامي يجمع بين الثبات و التطور .
لقد جاء الإسلام بمبادئ وقواعد كلية عامة تنظم المجال الاقتصادي وإنه ترك التفصيلات والنواحي العملية لاجتهادات وآراء الفقهاء في ضوء هذه المبادئ والقواعد من خلال ظروف كل مجتمع سواء كانت ظروفا مكانية أو زمنية وأن هذه المبادئ والقواعد الواردة بالقرآن والسنة ثابتة لا تتغير ولا يجوز الخلاف حولها مهما تغيرت الظروف وتطورت الأمور لأنها تتعلق بالحاجات الأساسية اللازمة لكل من الفرد والمجتمع .
ولتوضيح ذلك ذهب بعض الفقهاء إلى أن مصادر التشريع الإسلامي مرنة فيما لا نص فيه وساير مصالح الناس وتطورهم ، فنصوص القرآن فيها ، ولا تتطور أحكامها يتطور البيئات وتطور المصالح ، أما تشريع الأحكام العملية كالأحكام المدنية الاقتصادية مما تختلف باختلاف البيئات وتطور المصالح فلم تتعرض نصوص القرآن لها بالتفصيل حيث اقتصرت على الأحكام الرئيسية والمبادئ العامة التي لا خلاف عليها وترك لكل أمة اجتهادها ففي مجال الإقتصاد ، اقتصرت على بيان حق الفقير وبعض الأمور الأخرى مما يدل على مرونتها1 .
وبناء عليه فإن نظم الحكم الإسلامي صالح لكل عصر في حدود تفكيره . محققا في نفس الوقت للمبادئ التي وضعها أساسا للحضارة الإنسانية لا يحيد عنها . ولا يجري على نقيضها حيث لن يتعرض أحد فيقول : إن مراعاة التطور الفكري والعلمي الذي انتهى الناس إليه والملائمة بينه وبين النظام الإسلامي للحكم ،فيها ما يخالف هذه المبادئ وما دام النظام نفسه يقوم في حدود هذه المبادئ .

* سورة الإسراء ،اية13-14.
1 – عبد المجيد مزيان ،مرجع سابق،ص156.
ويضيف الفقهاء إلى هذا قولهم : أن القواعد العامة الواردة بالقرآن قليلة وأنها تتناول التفاصيل إلا في أمور محصورة وانه في مجال المبادئ الاقتصادية الواردة لا ترضى عن الفردية المطلقة الواردة بالمذهب الاقتصادي الرأسمالي القائمة على أساس من الأنانية الذاتية التي لا حد لها ، بل على العكس من ذلك فإن مبادئ القرآن تحث على تضامن الجماعة وتدعو إلى مبادئ الرحمة الإنسانية التي تعبر في الإسلام قاعدة مقررة وأنه على الأمة الإسلامية أن تعبر في طريق التطور الطبيعي للحياة الإنسانية والحقيقة أن الإسلام وضع لنظام الحكم في مجال السياسة والاقتصاد مبادئ عامة وترك التنفيذ لظروف كل مجتمع وفي هذه المبادئ وخاصة المبادئ الاقتصادية مبدأ الشورى حيث وردت آيات من القرآن الكريم تشير له بصفة عامة دون التعرض للتفصيل حيث يقول تعالى حاثا رسوله صلى الله عليه وسلم على الشورى :( فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ .)*. وقوله أيضا ( وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ)**.
وغيرهم من الآيات التي تدل على المبادئ دون أن نشير لكيفية التطبيق حيث تختلف طرائق تحقهها باختلاف الأمم من غير إهمال لمعناها ومن ثم فالإسلام وضع المبادئ العادلة في مجال السياسة والاقتصاد وفي أن الناس سواء وأنه يجب تهيئة الفرص لكل القوى لكي تظهر الطاقات المختلفة المتفاوتة وتوسد كل طائفة ما تهيئه له طاقتها بحسب ظروف الزمان والمكان ومادامت تحقق في النهاية الصالح العام.
المطلب الثالث: الاقتصاد الإسلامي يجمع بين المصالح المادية و الحاجات الروحية .
إن نشاط الاقتصادي في المذاهب الوضعية ( الرأسمالي والاشتراكي ) يقتصر على تحقيق المصالح المادية وهذه المصالح تسعى لربح الأفراد في المذهب الرأسمالي وتمثل إشباع الحاجات العامة وتحقيق الرخاء المادي في المذهب الاشتراكي ولأن هذه الأهداف مادية في ذاتها فهي مهددة بالفشل أو الصراع بين الأفراد وها هو الاقتصاد في الدول الاشتراكية مثل روسيا قد فشل واعترته النكبات والأزمات وبالنسبة للدول الرأسمالية فإن الصراع فيما بينها وبين الدول الأخرى على أشده .

* سورة آل عمران ،أية 159.
** سورة الشورى،آية 38.
وعلى النقيض من ذلك فان النشاط الإنساني في النظام الإسلامي يجمع بين المصلحة المادية والطابع الديني ، وهذه المصلحة المادية في الشرع الحنيف ليست مطلوبة لذاته وإنما هي وسيلة لتحقيق صالح البشر و اعمار الأرض ومن ثم تحقيق شرع الله والجزاء عنه في الآخرة ..
وهذا وقد ذهب بعض الفقهاء إلى أن معنى الوسطية في الإسلام عند المفسرين هي وسط بين الروحانية والمادية أي أنها لم تهمل الروح وتهذيب النفس وتربية الوجدان وهي تنظر للأمور المادية ، فهي نظام مثالي ، لأنها تجمع بين المادة والروح وهذا نابع من كونها شريعة الفطرة لا تعاندها ولا تقاومها ، وهي شريعة الروح لأنها ترفع الإنسان وتهذب النفس وبمعنى آخر فإن الوسطية لم تهمل جانبا على حساب آخر والدليل على ذلك منها التجرد في العبادة فقط والانقطاع عن الناس وذلك لأن العبادات تصلح المجتمع وتهذيب النفس وتربي الضمير .
المطلب الرابع : الاقتصاد الإسلامي يجمع بين مصلحة الفرد ومصلحة الجماعة.
يهتم المذهب الرأسمالي بصالح الفرد ويقدمه على صالح الجماعة وعلى العكس منه فإن المذهب الاشتراكي يهدف لصالح الجماعة ن وقد انعكس ذلك على النشاط الاقتصادي حيث يؤمن المذهب الأول بمبادئ الحرية الفردية الكاملة ونظام السوق وحق الملكية المطلقة وأنه يجب على الدولة أن لا تتدخل في النشاط الاقتصادي وتبقى على حيادها بين الأفراد ويفسرون ذلك بأن تدخلها يعوق المجرى الطبيعي المفيد للفرد والمجتمع وقد ظلت هذه الفلسفة مسيطرة على الفكر الرأسمالي حتى ظهرت عيوب مبادئه ، وهو الأمر الذي وجه أصحاب المذهب الاشتراكي إلى الأخذ بمبادئ ملكية الدولة لوسائل الإنتاج وتحديد الأجور وإتباع سياسة التخطيط المركزي ، ومع مرور السنين رأينا انهيار النظام الاقتصادي الروسي كأحد النماذج التي تطبق مبادئ المذهب الاشتراكي وفي ذات الوقت هناك الصراع القائم بين الدول الرأسمالية والذي حاولوا إنهاءه باتفاقيات التجارة الدولية (الجات ) . 1 . أما الشرع الإسلامي فهو الوسط في كل ذلك حيث راعى ذاتية الفرد وكيان الجماعة لا من ناحية المادية فقط بل النواحي الإنسانية المختلفة حيث لم ينكر حق الإنسان في التملك وحمايته بشرط عدم إضراره بالجماعة وحيث رتب الإسلام على أصحابها حقوق كالزكاة ، وهذا الاشتراك في مال الأغنياء في صورة تعبدية مثله كمثل باقي الفروض كالصلاة والصوم .

1 – محمد القنجري،المذهب الاقتصادي في الإسلام،مصر،1976،ص49.
وخلاصة الشرع الإسلامي في مجال النشاط الاقتصادي الأمور الثلاثة التالية 1 :
أ- أن الشرع مناط التشريع الإسلامي في مجال الاقتصاد هو المصلحة التي تختلف باختلاف الزمن والمكان .
ب- أن السياسة الاقتصادية في الإسلام تقوم على الموازنة والتوفيق بين صالح الفرد وصالح الجماعة.
ج – أنه في الظروف التي يختل فيها التوزيع ولا يتوافر حد الكفاية فإنه لا تحترم الملكية الخاصة ويضحي بالمصلحة الفردية لتحقيق صالح الجماعة .

1 -بقاش شهيرة، رسالة ماجستار،الضريبة في النظام المالي الإسلامي،جامعة الجزائر،2006-2007.

المبحث الثاني : أصول الاقتصاد الإسلامي .

ندرس أصول الاقتصاد الإسلامي من خلال موضوعات يتعلق أولها بالمال في الإسلام ونخص ثانيها بالقيود التي تفرضها الدولة الإسلامية على النشاط الاقتصادي وتدخلها فيه ، أما الموضوع الثالث فيتعلق بازدواج الملكية في الإسلام وتنتهي بإيضاح التوازن الاجتماعي كأحد الأصول التي يقوم عليها الاقتصاد الإسلامي .
المطلب الأول: المال في الإسلام 1
يتطلب موضوع المال في الإسلام تعريفه وبيان خصائصه ثم تقسيماته ثم توضيح مفهومه لدى الاقتصاديين مع تمييزه عن مفهومه في الإسلام وأخيرا نبين توجهات الإسلام بالنسبة للمال.
أولا: تعريف المال .
هو اسم للقليل والكثير من المقتنيات فهو اسم للأرض التي غرست نخلا أو ما يملك من الذهب والفضة وما يمكن ادخاره للانتفاع به وقت الحاجة والتصرف فيه على وجه الاختيار
ثانيا: خصائص المال في الإسلام .
من التعريفات السابقة للمال يمكن إبراز الخصائص التالية :
1- أن المال يميل إليه الإنسان كالذهب والفضة والأرض والثمار وغيرها على ما هو دونه فلا يقبل عليه كالتراب وغيره.
2- أن يكون غير آدمي فالإنسان لا يصلح أن يكون محلا للمال .
3- أن يكون محرزا فعلا أو يمكن إحرازه أي يكون في مكنة وسيطرة مالكه
4- أن يتحقق منه النفع وقت الحاجة إليه كالثمار والذهب وغيرها .
5- أن يكون مما يجري فيه البذل والمنع أي يعتبره المجتمع شيئا ذا قيمة أو منفعة الأمر الذي يؤدي إلى حمايته والمحافظة عليه وأنه في حالة إتلافه يضمه متلفه أي يطلب العوض عنه .

1 – صالح مفتاح ،الموارد المالية للدولة في الاقتصاد الإسلامي،رسالة ماجستار،جامعة الجزائر،1994 ،ص79.
ثالثا : المال والثروة بين الإقتصاد الوضعي والإسلام .
1- يقسم الاقتصاديون المال إلى أموال مباشرة أو استهلاكية وأموال إنتاج ويقصدون بالأموال المباشر أو الاستهلاكية الأموال ذات المنفعة المباشرة للإنسان أو هي الأموال المعدة لإشباع حاجات الأفراد كالغذاء والوقود والسكن.
أما أموال الإنتاج فتشمل موارد الطبيعة كالأرض والآبار والحيوانات والموارد الأولية وأدوات الإنتاج كالآلات والمنشآت ولهذا تسمى الأموال غير مباشرة وهي تستخدم لإنتاج أموال اقتصادية جديدة .
2- يفهم الاقتصاديون الثروة على أنها الأشياء التي تشبع حاجة الإنسان بصفة مباشرة أو غير مباشرة أيضا الثروة هي المخزون من السلع الاقتصادية التي تشبع الحاجات والموجودة في وقت معين وتنقسم إلى ثروة الفرد وثروة الدولة.
ومن ثم فالثروة أموال ذات شروط معينة تتمثل فيما يلي1 :
أ – أن يكون قابلة للتملك بعكس الهواء أو الحرارة الشمس رغم أهميتها.
ب – أن تكون محددة الكمية بالنسبة للأشياء التي تشبع الحاجات أي يتوافر شرط الندرة.
ج – أن تكون ذات قيمة تجارية أي قابلة للتصرف فيها مقابل مال .
3- يعرف الاقتصاديون المنفعة بأنها الأشياء والخدمات التي تشبع حاجات الإنسان ويقسمون المنفعة إلى منفعة شكلية ومنفعة زمنية وخدمات شخصية ويقصدون بالمنفعة الشكلية تحويل المادة الاقتصادية كالدقيق إلى الخبز وبالنسبة للمنفعة المكانية فهي تقل السلع الاقتصادية من مكان إلى آخر أما المنفعة الزمانية فهي تخزين السلع إلى وقت طلبها وأخيرا يقصدون بالخدمات الشخصية التي تؤدي إلى إشباع الحاجة كعلاج الطبيب وعمل المهندس أو المدرس وغيرهم .
4- الثروة والمنفعة لدى الفقه الإسلامي .
أ-تعد الثروة عند الفقه الإسلامي مالا إذا توفرت فيها الشروط التالية:
– أن يقبل فيها التصرف .- أن يضمن من يقوم بإتلافها .- أن تكون مما يبيح التصرف فيها

1 -أميرة مشهور، مرجع سابق،ص81.
ب – المنفعة لدى الفقه الإسلامي :
هي الفائدة المقصودة من الأشياء والأعيان المالية مما يمكن حيازته بنفسه كالسكن وقراءة الكتب، ويلزم لديها شروط هي:
– أن يكون مشرعة ومن ثم فالخمر لا يتحقق فيها المنفعة.
– أن يرجع في مالية الشيء أو نفعه للعرف الجاري
– أن تشبع حاجة الإنسان .
رابعا : تنبيهات الشرع الإسلامي بالنسبة للمال .
المال في الإسلام له وظيفة اجتماعية فهو ليس لمصلحة صاحبه فقط ولكن مخصص أيضا لصالح الجماعة ومن ثم يلزم على صاحب المال أن ينميه لسد حاجته وحاجات من حوله بما لا يتعارض مع تعاليم الشرع الحنيف.
وتنمية المال إلى تكامل الدورة الاقتصادية له وبما يعود بالخير على المجتمع ككل وذلك بسبب إقامة فرص العمل لأفراد المجتمع وبتسهيل حاجات الأفراد منه.
وبناء على ما سبق فالفرد ملتزم بالتوجيهات التي قررها الشرع بالنسبة للمال سواء في الحصول عليه أو كيفية إنفاقه واستثماره وتتمثل هذه التوجيهات فيما يلي:
1- عدم استغلال الفرد لأخيه بسبب المال أو إهدار كرامته.
2- عدم حبس المال عن التداول بين الناس أو اكتنازه بين أشخاص معينين.
3- استخدام الفائض عن حاجة الفرد في خدمة المجتمع .
المطلب الثاني: تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي.
إن المذاهب الوضعية التي يسير عليها النشاط الاقتصادي في بعض الدول تتمثل في المذهب أو النظام الرأسمالي والنظام الاشتراكي وقلنا سابقا أن النظام الرأسمالي يأخذ بالحرية الفردية المطلقة أي حرية الأفراد في ملكيتهم الخاصة وأنشطتهم الاقتصادية وعلى هذا الأساس يقوم النشاط الاقتصادي للدولة ومن ثم يأتي تدخل الدولة على سبيل الاستثناء وبهذا الكيفية فإن النشاط الاقتصادي يصبح بعيدا عن القيم المرتبطة بمبادئ العدالة والخلاق وأن الهدف العام هو الكسب المادي ومن ثم توجد المعاملات الربوية والإنتاج أو الصناعات المحرمة 1.

1 – محمد أمان زكي،موجز المالية العامة،دار حامد،عمان1996،ص123.
أما بالنسبة للنظام الاشتراكي فإن الأساس هو تدخل الدولة في كافة الأنشطة الاقتصادية وفقا للخطة القومية وأن الأساس الملكية هو الملكية العامة مما يترتب عليه قلة النشاط الاقتصادي الخاص.
ورأينا أن الإقتصاد الإسلامي يضع للمشروعية أي للأفراد الحرية في النشاط الاقتصادي ولكن في دائرة الحلال وبعيد عن الأنشطة المحرمة مع الحث على مشروعية الحصول على المال واستثماره تحقيقا للخير العام . وحول موضوع تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي وحرية الأفراد الاقتصادية نبحث موضوعين :

أولا : حدود النشاط الاقتصادي بين الأفراد والدولة .
يحكم هذا الموضوع قاعدتين :
القاعدة الأولى : الحرية الاقتصادية للأفراد .
تقوم مبادئ الشرع الحنيف على أساس حرية الأفراد في نشاطهم الاقتصادي وملكيتهم الخاصة ما دامت تقوم على أسبابها المشروعة ولم تحقق ضررا للأفراد .
والنشاط الاقتصادي يقوم على حق تملك الأموال الاقتصادية سواء تمثلت هذه الأموال في أموال استهلاكية أم أموال مباشرة تشبع حاجات الأفراد وتحقق النفع المباشرة لهم أم تمثلت في أموال انتاجية تتعلق بالعقارات والآلات التي يقوم عليها هذا النشاط وهذه الحرية أو هذا الحق السابق مباح ومصون في الإسلام من خلال أدلة الشرع حيث يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ” لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفسه” كما صانت مبادئ الإسلام هذه الحرية أو هذا الحق عن طريق وضع ضوابط وشرط لكيفية تدخل الدولة سواء لتحقيق سلامة المعاملات أو تحقيق شرعيتها وكيفية اخذ الحقوق والواجبات وسنوضح ذلك في القاعدة الثانية.
القاعدة الثانية: حق الدولة في التدخل في النشاط الاقتصادي.و تقوم على ثلاثة أمور .
-الأمر الأول: التدخل المباشر للدولة في النشاط الاقتصادي.
-الأمر الثاني: التدخل غير المباشر للدولة في النشاط الاقتصادي.
-الأمر الثالث: توجيه النشاط الاقتصادي.

1 – محمد أمان زكي،مرجع سابق،ص139.
-الأمر الأول: التدخل المباشر للدولة في النشاط الاقتصادي :
قلنا إن الأصل هو قيام الأفراد بالنشاط الاقتصادي ولكن هناك من الأمور التي يجب على الدولة أن تقوم بها منها المرافق العامة والصناعات البترولية والثقيلة والتعليم والصحة إلى غير ذلك من إقامة الجسور والهواتف والسكك الحديدية وهذا التدخل من قبل الدولة هو تدخل تكاملي أو تعاوني يقوم إلى جانب النشاط الاقتصادي الخاص بالأفراد وذلك بغرض تحقيق الصالح العام
-الأمر الثاني: التدخل غير المباشر للدولة .
وهي مجموعة الإجراءات الرامية لتحقيق مقاصد الشرع في الجانب الاقتصادي لنشاط المجتمع والتي يجب على ولاة الأمور القيام به لتحقيق صالح المسلمين .وهذه السياسة في شقها الاقتصادي تتمثل في مراقبة الأسواق من حيث مشروعيتها والقيام على تنظيمها أو بمتابعتها.
وتتمثل مجالات تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي فيما يلي1 :
1- تحقيق سلامة ومشروعية هذا النشاط كمنع الربا والمعاملات غير المشروعة أو الاحتكار .
2- حماية النشاط الاقتصادي من العدوان والسرقة وغيرها .
3- أخذ الحقوق والواجبات التي تتعلق بهذا النشاط كالزكاة .
4- نزع الملكية الخاصة لبعض أدوات الإنتاج للنفع العام .
-الأمر الثالث: توجيه النشاط الاقتصادي ( التخطيط الاقتصادي )2
إن تركيب الدولة في العصور المتقدمة وكبر تعدادها وكبر حجم أنشطتها وبخاصة النشاط الاقتصادي يتطلب توجيها واعيا لكافة أنشطتها وبخاصة النشاط الاقتصادي حتى تتحقق التنمية الاقتصادية الشاملة ويمكن إشباع حاجات الأفراد لتحقيق الصالح العام والتقدم الاقتصادي المنشود .ويتمثل هذا التوجيه الواعي فيما يسمى التخطيط العام للأهداف الدولة المراد تحقيقها سواء على مدار الزمن الطويل أم القصير ويتمثل التخطيط العام لأنشطة الدولة في طياته النشاط الاقتصادي . ويعد التخطيط مطلبا شرعيا يقوم على اعتبارات موضوعية قوامها معايير محسوبة واضحة لتحقيق الأهداف المرجوة بأقل وقت وهو من فروض الكفاية على كل من الأفراد والدولة.

1 – عبد المجيد هيكل ،التخطيط الاقتصادي واستغلال العمالة،دار النهضة،القاهرة،1988،ص90-91.
ثانيا : نهج الدولة الإسلامية في الملكية الخاصة والحرية الاقتصادية:
نبين في هذا المجال أربعة أمور أساسية :
أ- نهج الدولة في مجال استخدام المال :
حثت نصوص القرآن والسنة الشريفة الدولة على رقابة طرق استخدام المال عند صاحبه منه وتعامله مع الآخرين مع تدخلها في حالة المعاملات غير المشروعة أو صرف المال على غير مقتضى المصلحة أو الإسراف والتبذير فيه أو الإضرار بالغير طبقا لما يلي :
– منع المعاملات غير المشروعة كالربا وتجارة الخمر وغيرها:
– فبالنسبة للربا:
يقول تعالى ( وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)*. والأدلة على ذلك كثيرة .
– وبالنسبة لعدم أكل أموال الناس بالباطل :
يقول تعالى : ( وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بالإثم وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ )** .
– امابالنسبة للتجارة غير المشروعة : سواء في جنس العمل أو كون التجارة مشروعة وما يترتب عليها غير مشروع ، فبالنسبة للتجارة غير المشروعة كبيع الخمر واللحم الخنزير إلى غير ذلك أما بالنسبة للتجارة المشروعة وما يقوم عليها من عمل غير مشروع كالتطفيف في الميزان .
– وبالنسبة لمنع الإسراف أو التبذير : يقول تعالى ( يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ الأعراف وقوله ” إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً الإسراء )***.
– وبالنسبة لمنع الاحتكار : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” من احتكر فهو خاطئ ” صحيح مسلم ، ولهذا يحق لولي الأمر أن يحدد سعر البيع ويكره المحتكر على طاعته .
– بالنسبة لمنع الأضرار بالغير : منعت الشريعة الإضرار بالغير نتيجة قيام الأفراد بأنشطتهم الاقتصادية بل ان الشرع بلغ في منع الإضرار بالغير حد نزع الملكية من صاحبه على الرغم من أنها تدر دخلا ونفعا لصاحبها .

* سورة البقرة اية285. ** سورة البقرة آية 188. *** سورة الإسراء آية 27.
ب- عدم تعطيل المال عن النماء :
جاءت الآيات والأحاديث في عدم كنز المال أو تعطيله بما يعوق نماءه أو استثماره ويؤدي لفوات مصلحة على المجتمع أو أفراده ومن ثم يحق للدولة التدخل لإعادة الأمور إلى نصابها .
ج – منع تركيز الثروة في يد فئة معينة :
تعد ملكية المال في يد صاحبه على سبيل الاستخلاف لأن الملك والمال لله1 ، وكما سنوضح في دراسة الملكة المزدوجة على أن على المستخلف مراعاة حق الله فيهما كما يحدثنا التاريخ أيضا أنه في عصر الدولة الإسلامية بالأندلس انتزعت الأراضي الزراعية من ملاكها الكبار ووزعت على الفلاحين البسطاء .
د- نزع الملكية في صالح نفع المسلمين :
يحق للدولة أن تنزع الملكية الخاصة ، لصالح نفع المسلمين2 وأساس ذلك الرسول صلى الله عليه وسلم حمى النقيع وهو موضع معروف بالمدينة لخيل المسلمين ومنع ملكيتها الخاصة وجعلها لعامة المسلمين والأمثلة في هذا الباب كثيرة حتى في عهد عمر ابن الخطاب رضي الله عنه حيث قال لأصحاب الأرض عندما طلبوها: المال مال الله وعباده،والله لولا ما أحمل في سبيل الله ما حميت من الأرض شبرا في شبر.
المطلب الثالث: الملكية المزدوجة والتوازن الاجتماعي

الفرع الأول : الملكية المزدوجة :
تعتبر الملكية بصفة عامة سلطة على مال يستخلف فيه الفرد لمدة من الزمن قد تطول أو تقصر ويقصد بالملكية المزدوجة الملكية الخاصة والعامة ، وسوف نرى في هذا المطلب معنى الملكية ومفهوم الملكية في النظام الوضعي وطبيعة الملكية في الإسلام ومضمون الاستخلاف ونطاقه وحماية حق الملكية والواجبات الواردة في حق الملكية والآثار الواردة على حق الملكية .

1 ،2 – الشيخ محمد أبو زهرة ،مرجع سابق ص71.

أولا: معنى الملكية:
الملك احتواء الشيء والقدرة على الاستبداد به ، وملك أي شيء يملكه ، ليس له ملك أي ليس شيء يملكه له 1 والملكية في الإصلاح الفقهي هو ” الملك هو الاختصاص بالأشياء ، الحاجز للغير عنها شرعا ، الذي به تكون القدرة على التصرف في الأشياء ابتداء ، إلا لمانع يتعلق بأهلية الشخص

ثانيا : الملكية في النظام الوضعي : (الرأسمالي والاشتراكي ) :
يقوم النظام الرأسمالي الذي يأخذ بمبادئ المذهب الفردي الذي يهتم بالفرد على أساس حرية التملك للأموال سواء كانت عقارية أو منقولة أو تمثلت في وسائل الإنتاج منشآت وآلات وغيرها ويترتب على ذلك عدم تدخل الدولة في حق الملكية إلا في أضيق الحدود ومن ثم فإن نطاقه الملك الخاص والمشروعات الخاصة التي يقوم عليها النشاط الاقتصادي ، والحقيقة أن الملكية في هذا النظام حق مطلق لصاحبها يفعل كما يشاء ، وحق دائم أي مرتبطة بصاحبها .

أما النظام الاشتراكي فينظر للفرد على أنه كائن اجتماعي تتأسس حقوقه من خلال المجتمع المتضامن إذ أن لكل فرد وظيفة اجتماعية تهدف للصلح العام أو صالح الجماعة ، ومن ثم فإن الأساس هو من ملكية الجماعة أو ملكية الدولة لكافة وسائل الإنتاج بمعنى أن الملكية الجماعية هي أساس النشاط الاقتصادي للدولة ، ومن ثم يضيق نطاق الملكية الخاصة في هذا النظام على العكس ما رأينا في النظام الرأسمالي الذي يعد الملكية الخاصة للنشاط الاقتصادي2 .

وفي المقابل لنظامين السابقين فإن الإسلامي يزاوج بين الاتجاه الفردي الوارد بالنظام الرأسمالي كأساس لملكية النشاط الاقتصادي وبين الاتجاه الجماعي الاشتراكي فأساس للنشاط الاقتصادي، ولكن بمفهومه ومبادئه الواردة بالشرع الحنيف.

1 – مصطفى درويش،مرجع سابق،ص142.
2 – احمد أبو إسماعيل،أصول الاقتصاد،دار النهضة العربية،مصر،1993،ص93-94.

ثالثا: طبيعة الملكية في الإسلام 1: تقوم الملكية في الإسلام على الحقائق التالية :

الحقيقة الأولى: أن كل ما في الوجود ملك لله.
الحقيقة الثانية : أن نعم الله مسخرة للناس .
الحقيقة الثالثة: الدولة والفرد خلفاء على حق الملكية.
الحقيقة الرابعة: تكامل الملكيتين الخاصة والعامة.

الفرع الثاني : التوازن الاجتماعي

أشرنا إلى أن المال أو الملك في يد صاحبه على سبيل الاستخلاف أو الإبانة ، وأن هذا يعني أن المال أمانة ومسؤولية يجب أن تراعي الشروط والضوابط التي وضعها الله تعالى ومنها تحقيق التوازن الاجتماعي وهو أهم الأهداف التي من أجلها جاءت المبادئ الشرعية التي نظمت النشاط الاقتصادي والملي في الإسلام .
وهذا يهدف إلى تحقيق العدالة الاجتماعية ووسيلته في ذلك التوازن الاجتماعي فالإسلام يستهدف بكافة مبادئ الاقتصادية والمالية إقامة العدالة الاجتماعية بأن يضمن لكل فرد العيش الكريم أو حد الكفاية 2 حيث يقول تعالى:( يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ) *

1 – محمد شوقي،مرجع سابق،ص68.
2 – بقاش شهيرة، ،مرجع سابق،ص125.
* – سورة الأعراف أية 31-32.
المبحث الثالث : القواعد والضوابط الفقهية في المعاملات المالية :

هناك خمس قواعد كبرى في الإسلام وهي:
المطلب الأول: الأمور بمقاصدها1.
تعتبر هذه القاعدة من القواعد الخمس الكبرى التي ذكرها العلماء في كتب القواعد حيث اعتبروها القاعدة الأولى ، وذلك لأنها تحدد صحة عمل العبد من فساده ، والأساس لفعل الأحكام الشرعية .
الفرع الأول: معنى القاعدة .
هذه القاعدة بينة المعنى واضحة العبارة، فهي تعني أن النية معتبرة في كل عمل يقوم به المكلف ، ويدور العمل مع النية ، فتجعل الشيء حلالا أو حراما ، وصحيحا أو فاسدا ، أو صحيحا من وجه ، فاسدا من وجه آخر .
الفرع الثاني : أدلة القاعدة
أولا : الأدلة من القرآن .
1- قوله تعالى : (..وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحاً وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ .)* .
2- قوله تعالى :( . وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لِتَعْتَدُوا. )**.
وجه الدلالة : أن الله تعالى نص على أن الرجعة إنما تثبت لمن قصد الصلاح ، وأما من قصد الضرار فلا تجوز له الرجعة.
3- قوله تعالى: (الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ )***.
وجه الدلالة: بين الله أن الخلع المأذون فيه، إنما يباح إذا ضنا أن يقيما حدود الله.

1 – ابراهيم علي الشال نالقواعد والضوابط الفقهية عند ابن تيمية ،دار النفائس،الاردن،2002،ص116.
* سورة البقرة،اية228.
** سورة البقرة،اية231.
*** سورة البقرة،اية229.
ثانيا: الأدلة من السنة النبوية:
عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم ” إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى. ”
وجه الدلالة: بين النبي صلى الله عليه وسلم أن الأعمال بحسب النيات، وأن الذي يقرر صحة العمل من فساده هو النية، وهذا علم في جميع الأعمال سواء كانت عبادات أو عادات.
الفرع الثالث: الفروع الفقهية لهذه القاعدة
يندرج تحت هذه القاعدة ما لا يحصى من المسائل الجزئية إلا أننا سوف نقتصر على ذكر المسائل الخاصة في المعاملات المالية:
أ- بيع العينة:
وهو أن يبيع سلعة بثمن مؤجل ثم يشتريها منه بأقل من الثمن حلاً.
وصورة هذه المسألة: أن يكون شخص محتاجا لمال فيذهب إلى صاحب محل فيشتري منه مثلا جهاز تكييف (1500) درهم مؤجلة، ثم يشتري البائع من المشتري الجهاز بألف درهم نقدا حالا أي يسدد فورا، فيكون المشتري قد أخذ ألف درهم نقدا ويرد للبائع (1500)درهم إلى أجل ويكون هذا هو الربا.
ب- بيع التورق:
وهو أن يشتري سلعة بثمن مؤجل ثم يبيعها لغير البائع بأقل من قيمتها من أجل النقد.
وبيع التورق شبيه ببيع العينة في أن المتباعيين محتاجان إلى النقد، إلا أن في بيع التورق يبيع السلعة لغير البائع، وفي بيع العينة يبيعها للبائع.

المطلب الثاني: اليقين لا يزول بالشك 1
الفرع الأول: معنى القاعدة
تعريف اليقين لغة:
هو العلم وإزاحة الشك وتحقيق الأمر، وهو نقيض الشك.
وفي الاصطلاح:
هو اعتقاد الشيء بأنه كذا، مع اعتقاد أن لا يكون إلا كذا مطابقا للواقع، غير ممكن للزوال.

1 – ابراهيم الشال، مرجع سابق،ص121.
فالقيد الأول (اعتقاد الشيء بأنه كذا) جنس يشتمل على الظن أيضاً.
القيد الثاني (مع اعتقاد ألا يكون إلا كذا): يخرج الظن
القيد الثالث( مطابقا للواقع): يخرج الجهل.
القيد الرابع (غير ممكن الزوال): يخرج اعتقاد المقلد المصيب.
تعريف الشك لغة:
جمعه شكوك، وهو نقيض اليقين، وهو التردد بين شيئين، سواء استوى طرفه أو رجح أحدهما على الآخر.
إذا فيكون معنى القاعدة، أن الإنسان إذا تيقن من فعل الشيء، أو عدم فعله، ثم طرأ على هذا اليقين شك، فإن هذا الشك يكون غير معتبر، ولا يجوز للمكلف أن يلتفت إليه.
الفرع الثاني: أدلة القاعدة:
يمكن الاستدلال لهذه القاعدة بعدة أدلة منها:
1- عن أبي هريرة رضي الله عنه – قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” إذا وجد أحدكم في بطنه شيئا فأشكل عليه أخرج منه شيئا أم لا، فلا يخرجن من المسجد حتى يسمع صوتا أو يجد ريحاً”
2- عن عبد الله بن زيد – رضي الله عنه – قال: شكي إلى النبي صلى عليه وسلم الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة، فقال” لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحاً.”
وجه الدلالة:
بين النبي صلى عليه وسلم في هذين الحديثين أن الأصل في الإنسان المتوضئ أن يكون على طهارة، ولا يصرف عن هذا الأصل بمجرد الشك أو الظن، فيبقى الإنسان على يقينه وهو الطهارة، ولا يخرج من هذا، ولا يخرج من هذا الأصل إلا إذا تيقن الحدث، كأن يسمع صوتا، أو يجد ريحاً.
الفرع الثالث: الفروع الفقهية للقاعدة:
الأصل في العادات العفو والإباحة، ولا يحظر منها إلا ما حظره الشارع، وإلا دخلنا في معنى قوله تعالى:( قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَاماً وَحَلالاً قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ )*.

* سورة يونس الآية 59.
ولهذا ذم الله المشركين الذين شرعوا ما لم يأذن به الله في سورة الأنعام حيث قال جلا و علا: ( وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها وَأَنْعَامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ)*.
المطلب الثالث: المشقة تجلب التيسير
الفرع الأول : معنى القاعدة
هذه القاعدة واضحة بينة المعنى، ففي تعني بمعناها العام أن الأحكام التي تترتب على تطبيقها مشقة وعناء على المكلف،فإن الشريعة تخففها عليه وتيسر له حتى يستطيع القيام به.
الفرع الثاني: أدلة القاعدة:
أدلة هذه القاعدة كثيرة من الكتاب والسنة، نذكر بعضا منها:
أولاً: الأدلة من الكتاب
1- قوله تعالى:( يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً )**. قوله تعالى: ( شهر رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)***.
2- ثانياً: الأدلة من السنة:
1- عن أبي ذر الغفاري – رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” إن الله تجاوز من أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه.”
2- عن أبي هريرة رضي لله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ” إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه”.
الفرع الثالث: الفروع الفقهية للقاعدة
1- مفسدة الغرر أقل من الزنا، لذلك رخص الشارع فيما تدعو إليه الحاجة، وذلك لأن تحريمه أقل ضرراً من ضرر الربا، وذلك مثل بيع الحيوان الحامل أو المرضع، وإن لم يعلم مقدار الحمل أو اللبن ”
2- جواز بيع الحب والثمر في قشرة كالباقلاء، و الجوز والحب في سنبله، وبيع المغيبات في الأرض، وذلك لأنه مما تدعو إليه الحاجة.
* سورة الانعام،اية138.
** سورة النساء اية 28. *** سورة البقرة اية 185.
المطلب الرابع: لاضرر ولا ضرار1
الفرع الأول: معنى القاعدة:
هذه القاعدة تنص على منع الضرر وتحريمه مطلقا، ويشمل ذلك الضرر العام والخاص، وتمنع وقوع الضرر قبل وقوعه بطرق الوقاية الممكنة، ورفع الضرر عند وقوعه بما يمكن من التدابير التي تزيل آثاره، وتمنع تكراره.
الفرع الثاني: أدلة القاعدة
لهذه القاعدة أدلة كثيرة من الكتاب والسنة، منها:
قوله تعالى:( وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُواً وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ )*.
بين الله في هذه الآية عدم جواز الإضرار بالزوجات، ولا يجوز للزوج أن يمسك للزوجة من أجل أن يدخل الضرر عليها، فهو إما أن يمسك زوجته بالمعروف، ويحسن عشرتها، أو يطلقها إذا كرهها، أو إذا كانت العشرة بينهما مستحيلة.
الفرع الثالث: الفروع الفقهية للقاعدة :
1 – لا يجوز تلقي السلع قبل أن تجيء إلى السوق، وذلك لأن البائع قبل أن يهبط السوق يكون جاهلاً بقيمة السلع، فيغره المشتري فيشتري من السلعة دون قيمتها، لذلك أثبت البائع الخيار، وذلك لدفع الضرر عنه.
2 – لا يجوز غبن المسترسل، وهو الذي لا يماكس، بل الذي يقول: خذ وأعطني، ويكون جاهلاً بقيمة المبيع، فيبيع السلعة أكثر من ثمنها بكثير، فهذا المسترسل يثبت له الخيار لدفع الضرر عنه.
المطلب الخامس: العادة محكمة2
الفرع الأول: معنى القاعدة
أي تحكيم العرف في أمور المسلمين،حيث وضع العلماء شروطاً للعمل بالعرف، حتى يكون حجة للعمل به.

* سورة البقرة اية 231. 1-2 احمد الشال مرجع سابق ص156.
و هذه الشروط:
1- أن تكون العادة والعرف مطردة أو غالبة.
2- ألا يخالف العرف نصا شرعياً من كتاب أو سنة، وذلك لأن الأصل في العرف أنه لا يعمل به إلا إذا تعذر نص شرعي في المسألة، فإذا لم يوجد النص عمل بالعرف، ولا شك أن يكون هذا العرف موافقا للأحكام الشرعية، غير مخالف لها، فإذا تعارف الناس مثلاً على شرب الخمر، أو لعب الميسر أو خروج النساء عاريات، أو القيام بالبدع، فإن هذا العرف غير مقبول.
ولا يجوز العمل به، أمل إذا لم يخالف الأحكام الشرعية، وكان موافقا للأصول العامة جاز العمل به.
الفرع الثاني: أدلة القاعدة
أولا: الأدلة من القرآن
1- قوله تعالى: ( وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ )*.
2- قوله تعالى( وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ )**.
ثانياً الأدلة من السنة:
عن عائشة رضي الله عنها قالت: جاءت هند بنت عتبة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل شحيح، وليس يعطيني ما يكفي وولدي إلا ما أخذت منه وهو لا يعلم، فقال (خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف)
فهذا الحديث بين لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتبر العرف في نفقة المرأة، حيث لم يحدد لها شيئا معينا، بل أن تأخذ من مال زوجها بقدر حاجتها بالحسنى وهذا لا يعرف إلا بالعرف.

الفرع الثالث: الفروع الفقهية للقاعدة:
1- الإذن العرفي في الإباحة أو التمليك أو التصرف بطريق الوكالة، كالإذن اللفظي.
2- إذا كان رجل متحدثاً لأمير في تحصيل أمواله ذ، وكان العلاف يقتضي أن يكون له العشر، فله أن يأخذ العشر، بإذنه أو بغير إذنه.

* سورة البقرة اية 228.
** سورة البقرة اية 233.

إن ما شرعه الله فيه صلاح الدنيا والآخرة وكذلك فان الشريعة ليست تطهير الروح فقط وان كان ذلك مهم ولكنها أيضا غاية في اصلاح الجماعة الانسانية وتطهيرها من شهواة البشر.
لا يعني اقتصار الشرع على الناحية الروحية بل حمل في طياته بعض النواحي المادية المنظمة ، والتي تهدف في النهاية لتحقيق صالح الفرد والجماعة.

النظام المالي للجمعيات التعاونية الغير هادفة للربح

Consulting Group for Development, CGD

Published on Nov 12, 2009

Financial Operational Guides for Non-Profit Cooperatives in Palestine

تصنيف وسطاء الفوركس 2020:
  • FinMaxFx
    FinMaxFx

    أفضل وسيط فوركس لعام 2020!
    الخيار الأمثل للمبتدئين!
    تدريب مجاني!
    حساب تجريبي مجاني!
    مكافأة على التسجيل!

Like this post? Please share to your friends:
الاستثمار في التداول
Leave a Reply

;-) :| :x :twisted: :smile: :shock: :sad: :roll: :razz: :oops: :o :mrgreen: :lol: :idea: :grin: :evil: :cry: :cool: :arrow: :???: :?: :!: