من أسرار النجاح مردود العمل أو ما يعرف بالفاعلية

تصنيف وسطاء الفوركس 2020:
  • FinMaxFx
    FinMaxFx

    أفضل وسيط فوركس لعام 2020!
    الخيار الأمثل للمبتدئين!
    تدريب مجاني!
    حساب تجريبي مجاني!
    مكافأة على التسجيل!

شركة توب اوبشن | شركة اوبشن | الخيارات الثنائية

All posts for the month 24 مارس, 2020

أهم فترات التداول التي يعشها سوق الفوركس

كما ذكرنا في المقالات السابقة مرارا و تكرارا فإن أكثر ما يميز سوق الفوركس هو أنه يشتغل 24 ساعة على مدار 5 أيام في الأسبوع بدءاً من الساعة 21:00 GMT من يوم الأحد وانتهاءً بيوم الجمعة الساعة 21:00 GMT ,و هذا ما مكنه من أن يكون هو السوق المالي الأنشط و ذلك بحكم أنه متوفر على مدار 24 ساعة في جميع أنحاء العالم , حيث أن الأسعار في هذا السوق تتحرك في اتجاهات معينة إما صعوداً أو هبوطاً بحكم فترة التداول التي تم الدخول فيها لهذا السوق و السبب في ذالك هو إعتبار سوق الفوركس سوقا عالمي الأمر الذي جعله يشتغل وفق الفترات الزمنية متعددة و التي ستكون هي محور هذه المقالة :

هذه الفترة الزمنية محصورة بين الساعة 2:00 صباحاً و الساعة 12:00 مساءً حسب توقيت مكة المكرمة , حيث تعرف الساعة والنصف الأولى من هذه الفترة ذروة نشاط هي الفترة بعد دخول بورصة لندن , حيث تتميز بأنها الأكثر سيولة.

و هي التي تبدأ من الساعة 8:00 صباحاً إلى حدود الساعة 5:00 مساءً حسب توقيت مكة المكرمة , و مثلها مثل الفترة الأوروبية تتميز الساعات الأولى فيها بالنشاط المرتفع , حيث يرتفع نشاطها بشكل ملحوظ عند تداخلها مع الفترة الأوروبية.

محصورة بين الساعة 7:00 مساءً و الساعة 4:00 صباحاً حسب توقيت مكة المكرمة , حيث أن هذه الفترة تكون في ذروة نشاطها عند دخول بورصة طوكيو و ذلك في الساعات الأولى من إنطلاق هذه الفترة , إلا أن هذه الفترة تصنف الأقل نشاطاً مقارنة مع الفترتين الأوروبية والأمريكية.

فتعدد و إختلاف الفترات الزمنية يفرض علي المتداول البحت و معرفة قيمة هذه الفترات أثناء التداول مما يستوجب ضرورة تحديد الوقت المناسب , حيث علي سبيل المثال من الأحسن و الأنسب تداول الين الياباني أثناء وقت إفتتاح بورصة طوكيو أي في الفترة الأسيوية بحكم إرتفاع نشاط حركة الين في تلك الفترة , و خصوصا أثناء أوقات التداخل بين الفترات لأنها تعد الأكثر نشاطاً في سوق الفوركس لأن هذه الفترة تعرف حركة قوية لأسعار العملات.

Posted by arabtopoption on مارس 24, 2020

– علاقة علم النفس بعلم التداول

توجد إحصائية تقر بأن الأطباء النفسيون يتداولون بشكل أفضل في سوق تداول العملات الفوركس من الخبراء الاقتصاديون الامر الذي يدفعنا إلي طرح هذا السؤال الذي يتمثل في السبب الذي يرجح كفة الاطباء النفسين علي الخبراء الإقتصادين , لأننا نجد أن القادة الاقتصاديين والتجار المحنكين عبارة عن أنجح الاطباء النفسيون , إلا أننا لا يمكن إنكار أن الأطباء النفسيون يستطيعون فهم بعض الأمور التي يصعب علي الجميع فهمها , مما دفع البعض إلي القول أن بإمكان أي واحد أن يصبح ناجحا في حالة تمكن من فهم لكل ما يقع في سوق الفوركس و خصوصا ما يحدث في نفسية المستثمرين , لانه رغم أن العديد من المستثمرين المحترفين يملكون خبرتا كبيرة في مجال بيع و شراء العملات فإنهم يتعرضون إليحالات من إختلاط الأمور عليهم و من بين هذه الأمور التي يطالها البس نجد ما يلي :

  • في الواقع نجد أن أسعار الصرف لا تتعلق دائما بشكل مباشر مع الأحداث الاقتصادية التي تمر بهذه البلدان , فلا يمكن أن تجد مستثمرا يستطيع الإعتراف بأن التحليل الفني
  • الخاص بأزواج العملات يكتسي طابع الأهمية أكثر من التحليل الأساسي , مما يعني أن المستثمردائما ما يؤمن بأن هذا لا يمكن أن يقع مهما وقع بحكم معرفته بمعظم القواعد الاقتصادية , ولكن في سوق الفوركس يمكن أن تحدث مثل هذه الأحداث , ولكن يبقي السؤال هو يستطيع تاجر العملات معرفة تحركات السوق سواء في المنحي التصاعدي أو التنازلي حسب القواعد الاقتصادية , فالكل يعلم أن العملة تتناسب مع التغيرات الاقتصادية للبلد , و لكن الجميع لا يعرف كيف و متي , الامر الذي يدل علي
  • أن إعتبار المعرفة الأساسية هي كل شيء في سوق تداول العملات نظرية قابلة للتكذيب .
  • إن الأطباء النفسيون يستطيعون تحليل السلوك الجماعي إنطلاقا من السلوك الفردي و إنطلاقا من العوامل الخارجية التي تسلط عليهم , حيث يستطيع أي فرد دراسة أفكار المدرسة السلوكية التي تنتمي إلي علم النفس و إستعمالها في عالم الفوركس من أجل الوصول إلي التحركات الفردية في هذا السوق الشديد الحساسية .
  • يعرف المستمرون إنخفاضا في نسبة التحكم بالخوف النفسي التي تسفرها تلك التقلبات المستمرة التي يعرفها سوق تداول العملات مقارنة مع الاشخاص الذين يملكون دراية بعلم النفس و الذين يستطيعون السيطرة علي تلك المشاعر السلبية , بحكم درايتهم بسلوكيات العامة و بعض الأدوات التي يمكن أن تساهم في تخطيه .

Posted by arabtopoption on مارس 20, 2020

أهمية الافكار في تحديد استراتيجية التداول

كما أشرنا مرارا و تكرارا فإن الأفكار تلعب و تكتسي أهمية كبيرة جدا في عملية تحديد استراتيجية التداول المناسبة لنوع شخصية المتداول , حيث كما ذكرنا إذا كان الشخص غير صبور فعليك التداول بصفقات قصيرة المدى , أما في حالة كان المتداول بارد الأعصاب وصبور فإنه من الأفضل له يتداول في إطار زمني طويل المدى , الامر الذي يفرض علي المستثمر أن يقدام علي تحليل شخصيته و ذلك عن طريق بإتباع الخطوات التالية قبل الشروع في الإنطلاق في تجارة الفوركس :

تصنيف وسطاء الفوركس 2020:
  • FinMaxFx
    FinMaxFx

    أفضل وسيط فوركس لعام 2020!
    الخيار الأمثل للمبتدئين!
    تدريب مجاني!
    حساب تجريبي مجاني!
    مكافأة على التسجيل!

الخطوة الاولي هي القيام بإنشاء حساب فوركس تجريبي و الذي يمنح مجانا من طرف شركات الوساطة من اجل تداول عن طريقة حسب نوع شخصية المتداول , حيث أن المتداول الحيوي الذي يحب الإثارة والسرعة ولكن في المقابل لا يتوفر علي قدر مهم من الصبر , ففي هده لحلة فإن التداول اليومي أو نظام البيني هو المناسب , أمل إذا كنا المستثمر من النوعية المرتاح ولديه نظرة طويلة المدى في الحياة وعلى درجة عالية من الصبر فإن التداولات او ما يعرف بنظام قيمة الاستثمار هو الانسب له .

البدأ في صناعة المال الحقيقي

بعد التعرف علي شخصيتك يتم إختيار واحدة من بين طرق الرئيسية في التداول ثم إختيار الوقت المناسب للتداول , و لكن في الواقع فإن الامور المتعلقة بالتداول ليست بهذه البساطة , حيث أن المتداول الكفؤ يجب أن يتمكن من التداول بفعالية بأي اطار زمني وبأي رسم بياني كيفما كان نوعه و من تم تحديد النوع الذي يفضل من أجل أن يحصل علي كل ما يريده من هذا السوق الشديد التقلب و الحساسية المفرط .

Posted by arabtopoption on مارس 10, 2020

من أسرار النجاح مردود العمل أو ما يعرف بالفاعلية

سنحاول قدر المستطاع في هذه المقالة أن نسبح قليل في بحر سوق تداول العملات بغرض محاول إكتشاف بعض الأسرار التي يمكن أن تكون الحجر الأساس للنجاح في هذا السوق , لأن أثاء البحت المعمق في هذا البحر نستطيع أن نستخلص مجموعة من الأسرار التي يمكن أن تجعل من تجارة المستثمر تجارة رابحة تتمتع بقدر كبير من الذكاء , فبحكم تعامل التاجر مع كم هائل من الأرقام والرسوم البيانية و مجموعة متنوعة من العلاقات التي جعلت من هذه التجارة صنفا من أصناف الفنون و ليس فقط صنف من العلوم , حيث نجد أن المستثمر الناجح هو من يستطيع تطوير مهارته عن طريق من الممارسة و الإستمرارية مع إجراء مهم رغم صعوبته و المتمثل في محاولة وضع الخوف والطمع خارج أسوار هذه التعاملات , و الذي يمكن أن يتاتي عن طريق إتباع هذه التعليمات :

– أولا وضع أهداف محددة مع تحديد نمط التداول المناسب و الذي يتماشى مع الأهداف , كما أنه من الضروري من التأكد من تناسبه مع الصفات الشخصية للمستثمر , و ذلك بوضع أهداف واضحة .

– السر الثاني يتمثل في عملية إختيار الوسيط المناسب و الذي يمكنه منح أكبر قدر من الراحة عن طريق توفير منصة التداول المناسب للأهداف و التطلعات , إضافة إلي ضرورة الأخد بعين الإعتبار سمعة الوسيط عن طريق التعرف على سياسته قبل فتح الحساب .

– السر الثالث و الذي يتمثل في وضع خطة عمل ممتازة و العمل علي تطويرها ليتم الإعتماد عليها في المستقبل , و هذا كي لا يتميز نشاط المستثمر بالعشوائية .

– السر الرابع هو وضع إطار زمني طويل و كذلك وضع إطار زمني قصير في نفس الوقت من أجل الدخول أو الخروج من هذا السوق.

– السر الخامس هو معاينة مردود إستراتيجية العمل و فاعليتها , حيث أن النقد الذاتي مهم في جل مجالات و أنشطة الإنسان , و يتم حساب هذه الفاعلية عن طريق هذه المعادلة:

د = [ 1 + ( أ / ب )] X ج – 1

أ = متوسط المكاسب التجارية

ب = متوسط ​​الخسائر التجارية

ج = النسبة المئوية للانتصارات

د = مردود إستراتيجية العمل أو الفاعلية

فبهذا الطريقة يمكن الوصول إلي فاعلية خطة العمل لمعرفة مدا نجاحها و هل تحتاج إلي تطوير أم لا , و إن من خلا هذه الأسرار يمكن للمستثمر أن يستمر في تجارته بشكل أمن يوفر له هامشا محترما من الامان كما أنها تمنحه مساحة واسعة للتطور و صقل مهاراته .

Щ„Ш§ЩЉЩ…ЩѓЩ† Ш§Щ„Ш№Ш«Щ€Ш± Ш№Щ„Щ‰ Ш§Щ„ШµЩЃШ­Ш© Ш§Щ„Щ…Ш·Щ„Щ€ШЁШ©.

Щ„Щ‚ШЇ Ш­ШЇШ« Ш®Ш·ШЈ ШЈШ«Щ†Ш§ШЎ Щ…Ш№Ш§Щ„Ш¬Ш© Ш·Щ„ШЁЩѓ.

Щ„Ш§ЩЉЩ…ЩѓЩ†Щѓ ШІЩЉШ§Ш±Ш© Щ‡Ш°Щ‡ Ш§Щ„ШµЩЃШ­Ш© ШЁШіШЁШЁ:

  • ШЈШ­ШЇ Ш№Щ†ШµШ± Ш§Щ„Щ…ЩЃШ¶Щ„Ш© ШЄШ§Ш±ЩЉШ®Щ‡ Щ…Щ†ШЄЩ‡Щ‰
  • Ш®Ш·ШЈ ЩЃЩЉ ЩѓШЄШ§ШЁШ© Ш§Щ„Ш№Щ†Щ€Ш§Щ†
  • ШЈШ­ШЇ Щ…Ш­Ш±ЩѓШ§ШЄ Ш§Щ„ШЁШ­Ш« ЩЉШ­ШЄЩ€ЩЉ Ш№Щ„Щ‰ Щ‚Ш§Ш¦Щ…Ш© Щ‚ШЇЩЉЩ…Ш© Щ„Щ‡Ш°Ш§ Ш§Щ„Щ…Щ€Щ‚Ш№.
  • Щ„ЩЉШі Щ„ШЇЩЉЩѓ ШµЩ„Ш§Ш­ЩЉШ© Ш§Щ„Щ€ШµЩ€Щ„ ШҐЩ„Щ‰ Щ‡Ш°Щ‡ Ш§Щ„ШµЩЃШ­Ш©.

Ш§Щ„Ш°Щ‡Ш§ШЁ ШҐЩ„Щ‰ Ш§Щ„ШµЩЃШ­Ш© Ш§Щ„Ш±Ш¦ЩЉШіЩЉШ©

ШҐШ°Ш§ ЩѓШ§Щ†ШЄ Щ‡Щ†Ш§Щѓ ШµШ№Щ€ШЁШ§ШЄ Щ…ШіШЄЩ…Ш±Ш©ШЊ ЩЉШ±Ш¬Щ‰ Ш§Щ„Ш§ШЄШµШ§Щ„ ШЁЩ…ШЇЩЉШ± Ш§Щ„Щ…Щ€Щ‚Ш№ Щ€ШҐШ№Щ„Ш§Щ…Щ‡ ШЁШ§Щ„Ш®Ш·ШЈ ШЈШЇЩ†Ш§Щ‡.

خصائص التصور الإسلامي

محتويات

كَلِمة فى المنْـهج

إن هذا القرآن يهدى للتى هى أقوم

تحديد خصائص التصور الإسلامى ومقوماته(1) . مسألة ضرورية ، لأسباب كثيرة :

ضرورية لأنه لابد للمسلم من تفسير شامل للوجود ، يتعامل على أساسه مع هذا الوجود.. لابد من تفسير يقرب لإدراكه طبيعة الحقائق الكبرى التى يتعامل معها ، وطبيعة العلاقات والارتباطات بين هذه الحقائق : حقيقة الألوهية ، وحقيقة العبودية (وهذه تشتمل على حقيقة الكون .. وحقيقة الحياة ، وحقيقة الإنسان) .. وما بينها جميعا من تعامل وارتباط .

وضرورية لأنه لابد للمسلم من معرفة حقيقة مركز الإنسان فى هذا الوجود الكونى ، وغاية وجوده الإنسانى .. فمن هذه المعرفة يتبين دور الإنسان فى الكون وحدود اختصاصاته كذلك ، وحدود علاقته بخالقه وخالق هذا الكون جميعا.

وضرورية لأنه بناء على ذلك التفسير الشامل ، وعلى معرفة حقيقة مركز الإنسان فى الوجود الكونى وغاية وجوده الإنسانى ، يتحدد منهج حياته ، ونوع النظام الذى يحقق هذا المنهج ، فنوع النظام الذى يحكم الحياة الإنسانية رهين بذلك التفسير الشامل ، ولابد من أن ينبثق منه انبثاقا ذاتيا

وإلا كان نظاما مفتعلا ، قريب الجذور ، سريع الذبول . والفترة التى يقدر له فيها البقاء ، وهى فترة شقاء للإنسان ، كما أنها فترة صدام بين هذا النظام وبين الفطرة البشرية ، وحاجات الإنسانالحقيقية ! الأمر الذى ينطبق اليوم على جميع الأنظمة فى الأرض كلها – بلا استثناء – وبخاصة فى الأمم التى تسمى متقدمة(2) !

وضرورية لأن هذا الدين جاء لينشئ أمة ذات طابع خاص متميز متفرد ، وهى فى الوقت ذاته أمة جاءت لقيادة البشرية ، وتحقيق منهج الله فى الأرض ، وإنقاذ البشرية مما كانت تعانيه من القيادات الضالة ، والمناهج الضالة ، والتصورات الضالة – وهو ما تعانى اليوم مثله مع اختلاف فى الصور والأشكال – وإدراك المسلم لطبيعة التصور الإسلامى ، وخصائصه ومقاومته ، هو الذى يكفل له أن يكون عنصرا صالحا فى بناء هذه الأمة ، ذات الطابع الخاص المتفرد المتميز ، وعنصرا قادرا على القيادة والإنقاذ ، فالتصور الاعتقادى هو أداة التوجيه الكبرى ، إلى جانب النظام الواقعى الذى ينبثق منه ، ويقوم على أساسه ، ويتناول النشاط الفردى كله ، والنشاط الجماعى كله ، فى شتى حقول النشاط الإنسانى .

ولقد كان القرآن الكريم قد قدم للناس هذا التفسير الشامل ، فى الصورة الكاملة ، التى تقابل كل عناصر الكينونة الإنسانية ، وتلبى كل جوانبها ، وتتعامل مع كل مقوماتها .. تتعامل مع الحس و الفكر و البديهة و البصيرة .. ومع سائر عناصر الإدراك البشرى ،، والكينونة البشرية بوجه عام – كما تتعامل مع الواقع المادى للإنسان ، هذا الواقع الذى ينشئه وضعه الكونى – فى الأسلوب الذى يخاطب ، ويوحى ، وبوجه كل عناصر هذه الكينونة متجمعة ، فى تناسق ، هو تناسق الفطرة كما خرجت من يد بارئها سبحانه ‍‍!

وبهذا التصور المستمد مباشرة من القرآن ، تكيفت الجماعة المسلمة الأولى ، تكيفت ذلك التكيف الفريد .. وتسلمت قيادة البشرية ، وقادتها تلك القياد الفريدة التى لم تعرف لها البشرية من قبل ولا من بعد – نظير . وحققت فى حياة البشرية – سواء فى عالم الضمير والشعور ، أو فى عالم الحركة والواقع – ذلك النموذج الفذ الذى لم يعهده التاريخ ، وكان القرآن هو المرجع الأول لتلك الجماعة ، فمنه انبثقت هى ذاتها .. وكانت أعجب ظاهرة فى تاريخ الحياة البشرية : ظاهرة انبثاق أمة من خلال نصوص كتاب ‍! وبه عاشت . وعليه اعتمدت فى الدرجة الأولى باعتبار أن السنة ليست شيئا آخر سوى الثمرة الكاملة النموذجية للتوجيه القرآنى .. كما لخصتها عائشة – رضى الله عنها -وهى تسأل عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم – فتجيب تلك الإجابة الجامعة الصادقة العميقة : كان خلقه القرآن .. (خرجه النسائى) .

ولكن الناس بعدوا عن القرآن ، وعن أسلوبه الخاص ، وعن الحياة فى ظلاله ، عن ملابسة الأحداث والمقومات التى يشابه جوها الجو الذى تنزل فيه القرآن .. وملابسة هذه الأحداث والمقومات ، وتنسم جوها الواقعى ، هو وحده الذى يجعل هذا القرآن مدركا وموحيا كذلك ، فالقرآن لا يدركه حق إدراكه من يعيش خالى البال من مكان الجهد والجهاد لاستئناف حياة إسلامية حقيقية ، ومن معاناة هذا الأمر العسير الشاق وجرائره وتضحياته وآلامه ، ومعاناة المشاعر المختلفة التى تصاحب تلك المكابدة فى عالم الواقع ، فى مواجهة الجاهلية فى أى زمان !

إن المسألة – فى إدراك مدلولات هذا القرآن وإيحاءاته – ليست هى فهم ألفاظه وعباراته ، ليست هى تفسير القرآن – كما اعتدنا أن نقول ! المسألة ليست هذه إنما هى استعداد النفس برصيد من المشاعر والمدركات والتجارب ، تشابه المشاعر والمدركات والتجارب التى صاحبت نزوله، وصحبت حياة الجماعة المسلمة وهى تتلقاه فى خضم المعترك .. معترك الجهاد .. جهاد النفس وجهاد الناس ، جهاد الشهوات وجهات الأعداء . والبذل والتضحية . والخوف والرجاء . والضعف والقوة . والعثرة والنهوض .. جو مكة ، والدعوة الناشئة ، والقلة والضعف ، والغربة بين الناس .. جو الشعب والحصار ، والجوع والخوف ، والاضطهاد والمطاردة والانقطاع إلا عن الله .. ثم جو المدينة : جو النشأة الأولى للمجتمع المسلم ، بين الكيد والنفاق ، والتنظيم والكفاح .. جو بدر و أحد و الخندق و الحديبية وجو الفتح و حنين و تبوك .. جو نشأة الأمة المسلمة ونشأة نظامها الاجتماعي والاحتكاك الحي بين المشاعر والمصالح والمبادئ فى ثنايا النشأة وفى خلال التنظيم .

فى هذا الجو الذى تنزلت فيه آيات القرآن حية نابضة واقعية .. كان للكلمات وللعبارات دلالاتها وإيحائاتها .. وفى هذا الجو الذى يصاحب محاولة استئناف الحياة الإسلامية من جديد يفتح القرآن كنوزه للقلوب ، ويمنح أسراره ، ويشيع عطره ، ويكون فيه هدى ونور قد كانوا يومئذ يدركون حقيقة قول الله لهم :

يمنون عليك أن أسلموا . قل : لا تمنوا على إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين (الحجرات : 17)

وحقيقة قول الله لهم :

يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ(24) وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ(25)وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمْ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (الأنفال : 24 : 26)

وحقيقة قول الله لهم :

ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون .

وحقيقة قول الله لهم :

||وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ(139)إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ(140) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ(141)أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمْ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ(142)وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَتَمَنَّوْن الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ.

(آل عمران : 139-143)

وحقيقة قول الله لهم :

لَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمْ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ(25)ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ . (التوبة : 25 – 26 )

وحقيقة قول الله لهم :

لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنْ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ . (آل عمران : 186)

كانوا يدركون حقيقة قول الله لهم فى هذا كله ، لأنه كان يحدثهم عن واقعيات فى حياتهم عاشوها ، وعن ذكريات فى نفوسهم لم تغب معالمها ، وعن ملابسات لم يبعد بها الزمن ، فهى تعيش فى ذات الجيل ..

والذين يعانون اليوم وغدا مثل هذه الملابسات ، هم الذين يدركون معانى القرآن وإيحاءاته ، وهم الذين يتذوقون حقائق التصور الإسلامى كما جاء بها القرآن ، لأن لها رصيدا حاضرا فى مشاعرهم وفى تجاربهم ، يتلقونها به ، ويدركونها على ضوئه .. وهم قليل ..

ومن ثم لم يكن بد – وقد بعد الناس عن القرآن ببعدهم عن الحياة الواقعية فى مثل جوه – أن نقدم لهم حقائق : التصور الإسلامى عن الله والكون والحياة والإنسان من خلال النصوص القرآنية ، مصحوبة بالشرح والتوجيه ، والتجميع والتبويب ، لا ليغنى هذا غناء القرآن فى مخاطبة القلوب والعقول ، ولكن ليصل الناس بالقرآن – على قدر الإمكان – وليساعدهم على أن يتذوقوه ، ويلتمسوا فيه بأنفسهم حقائق التصور الإسلامى الكبير !

على أننا نحب أن ننبه هنا إلى حقيقة أساسية كبيرة .. إننا لا نبغي بالتماس حقائق التصور الإسلامي ، مجرد المعرفة الثقافية . لا نبغى إنشاء فصل فى المكتبة الإسلامية، يضاف إلى ما عرف من قبل باسم الفلسفة الإسلامية . كلا ! إننا لا نهدف إلى مجرد المعرفة الباردة ، التى تتعامل مع الأذهان ، وتحسب فى رصيد الثقافة ! إن هذا الهدف فى اعتبارنا لا يستحق عناء الجهد فيه! إنه هدف تافه رخيص ! إنما نحن نبتغى الحركة من وراء المعرفة .

نبتغى أن تستحيل هذه المعرفة قوة دافعة ، لتحقيق مدلولها فى عالم الواقع . نبتغى استجاشة ضمير الإنسان لتحقيق غاية وجوده الإنسانى ، كما يرسمها هذا التصور الربانى ، نبتغى أن ترجع البشرية إلى ربها ، وإلى منهجه الذى أراده لها ، وإلى الحياة الكريمة الرفيعة التى تتفق مع الكرامة التى كتبها الله للإنسان ، والتى تحققت فى فترة من فترات التاريخ ، على ضوء هذا التصور ، عندما استحال واقعا فى الأرض ، يتمثل فى أمة ، تقود البشرية إلى الخير والصلاح والنماء .

ولقد وقع – فى طور من أطوار التاريخ الإسلامى – أن احتكت الحياة الإسلامية الأصلية ، المنبثقة من التصور الإسلامى الصحيح ، بألوان الحياة الأخرى التى وجدها الإسلام فى البلاد المفتوحة ، وفيما وراءها كذلك ، ثم بالثقافات السائدة فى تلك البلاد .

واشتغل الناس فى الرقعة الإسلامية – وقد خلت حياتهم من هموم الجهاد ، واستسلموا لموجات الرخاء .. وجدت فى الوقت ذاته من جراء الأحداث السياسية وغيرها مشكلات للتفكير والرأى والمذهبية – كان بعضها فى وقت مبكر منذ الخلاف المشهور بين على ومعاوية – اشتغل الناس بالفلسفة الإغريقية وبالمباحث الللاهوتية التى تجمعت حول المسيحية ، والتى ترجمت إلى اللغة العربية .. ونشأ عن هذا الاشتغال الذى لا يخلو من طابع الترف العقلى فى عهد العباسيين وفى الأندلس أيضا، انحرافات واتجاهات غريبة على التصور الإسلامى الأصيل ، التصور الذى جاء ابتداء لإنقاذ البشرية من مثل هذه الانحرافات ، ومن مثل هذه الاتجاهات ، وردها إلى التصور الإسلامى الإيجابى الواقعى ، الذى يدفع بالطاقة كلها إلى مجال الحياة ، للبناء والتعمير ، والارتفاع والتطهير ، ويصون الطاقة أن تنفق فى الثرثرة كما يصون الإدراك البشرى أن يطوح به فى التيه بلا دليل .

ووجد جماعة من علماء المسلمين أن لابد من مواجهة آثار هذا الاحتكاك ، وهذا الانحراف ، بردود إيضاحات وجدل حول ذات الله – سبحانه – وصفاته . وحول القضاء والقدر وحول عمل الإنسان وجزائه ، وحول المعصية والتوبة .. إلى آخر المباحث التى ثار حولها الجدل فى تاريخ الفكر الإسلامى ! ووجدت الفرق المختلفة خوارج وشيعة ومرجئة ، قدرية وجبرية ، سنية ومعتزلة .. إلى آخر هذه الأسماء .

كذلك وجد بين المفكرين المسلمين من فتن بالفلسفة الإغريقية – وبخاصة شروح فلسلفة أرسطو – أو المعلم الأول كما كانوا يسمونه – وبالمباحث اللاهوتية- الميتافيزيقية – وظنوا أن الفكر الإسلامى لا يستكمل مظاهر نضوجه واكتماله ، أو مظاهر أبهته وعظمته ، إلا إذا ارتدى هذا الزى – زى التفلسف والفلسفة – وكانت له فيها مؤلفات ! وكما يفتن منا اليوم ناس بأزياء التفكير الغربية . فكذلك كانت فتنتهم بتلك الأزياء وقتها . فحاولوا إنشاء فلسفة إسلامية كالفلسفة الإغريقية . وحاولوا إنشاء علم الكلام على نسق المباحث اللاهوتية مبنية على منطق أرسطو !

وبدلا من صياغة التصور الإسلامى فى قالب ذاتى مستقل ، وفق طبيعته الكلية ، التى تخاطب الكينونة البشرية جملة ، بكل مقوماتها طاقتها ولا تخاطب الفكر البشرى وحده خطابا باردا مصبوبا فى قالب المنطق الذهنى .. بدلا من هذا فإنهم استعاروا القالب الفلسفى ليصبوا فيه التصور الإسلامى ، كما استعاروا بعض التصورات الفلسفية ذاتها ، وحاولوا أن يوفقوا بينها وبين التصور الإسلامى أما المصطلحات فقد كادت تكون كلها مستعارة !

ولما كانت هناك جفوة أصلية بين منهج الفلسفة ومنهج العقيدة ، وبين أسلوب الفلسفة وأسلوب العقيدة ، وبين الحقائق الإيمانية الإسلامية وتلك المحاولات الصغيرة المضطربة المفتعلة التى تتضمنها الفلسفات والمباحث اللاهوتية البشرية.. فقد بدت الفلسفة الإسلامية – كما سميت – نشازا كاملا فى لحن العقيدة المتناسق ! ونشأ من هذه المحاولات تخليط كثير ، شاب صفاء التصور الإسلامى، وصغر مساحته ، وأصابه بالسطحية .

ذلك مع التعقيد والجفاف والتخليط . مما جعل تلك الفلسفة الإسلامية ومعها مباحث علم الكلام غريبة غربة كاملة على الإسلام . وطبيعته وحقيقته ومنهجه ، وأسلوبة !

وأنا أعلم أن هذا الكلام سيقابل بالدهشة – على الأقل ! – سواء من كثير من المشتغلين عندنا بما يسمى الفلسفة الإسلامية أو من المشتغلين بالمباحث الفلسفية بصفة عامة .. ولكنى أقرره ، وأنا على يقين جازم بأن التصور الإسلامى لن يخلص من التشويه والانحراف والمسخ ، إلا حين نلقى عنه جملة بكل ما أطلق عليه اسم الفلسفة الإسلامية وبكل مباحث علم الكلام وبكل ما ثار من الجدل بين الفرق الإسلامية المختلفة فى شتى العصور أيضا ! ثم نعود إلى القرآن الكريم ، نستمد منه مباشرة مقومات التصور الإسلامى ، مع بيان خصائصه التى تفرده من بين سائر التصورات ، ولا بأس من بعض الموازنات – التى توضح هذه الخصائص – مع التصورات الأخرى – أما مقومات هذا التصور فيجب أن تستقى من القرآن مباشرة ، وتصاغ صياغة مستقلة .. تماما .

ولعله مما يحتم هذا المنهج الذى أشرنا إليه أن ندرك ثلاث حقائق هامة :

أن أول ما وصل إلى العالم الإسلامى من مخلفات الفلسفة الإغريقية واللاهوت المسيحى ، وكان له أثر فى توجيه الجدل بين الفرق المختلفة وتلوينه ، لم يكن سوى شروح متأخرة للفلسفة الإغريقية ، منقولة نقلا مشوها مضطربا فى لغة سقيمة . مما ينشأ عنه اضطراب كثير فى نقل هذه الشروح !

أن عملية التوفيق بين شروح الفلسفة الإغريقية والتصور الإسلامى كانت تنم عن سذاجة كبيرة ، وجهل بطبيعة الفلسفة الإغريقية ، وعناصرها الوثنية العميقة ، وعدم استقامتها على نظام فكرى واحد ، وأساس منهجى واحد .. مما يخالف النظرة الإسلامية ومنابعها الأصيلة .. فالفلسفة الإغريقية نشأت فى وسط وثنى مشحون بالأساطير ، واستمدت جذورها من هذه الوثنية ومن هذه الأساطير ، ولم تخل من العناصر الوثنية الأسطورية قط ، فمن السذاجة والعبث – كان – محاولة التوفيق بينها وبين التصور الإسلامى القائم على أساس التوحيد المطلق العميق التجريد .. ولكن المشتغلين بالفلسفة والجدل من المسلمين ، فهموا – خطأ – تحت تأثير ما نقل إليهم من الشروح المتأخرة المتأثرة بالمسيحية أن الحكماء – وهم فلاسفة الإغريق – لا يمكن أن يكونوا وثنين ، ولا يمكن أن يحيدوا عن التوحيد ! ومن ثم التزموا عمليه توفيق متعسفة بين كلام الحكماء وبين العقيدة الإسلامية . ومن هذه المحاولة كان ما يسمى الفلسفة الإسلامية !

أن المشكلات الواقعية فى العالم الإسلامى – تلك التى أثارت ذلك الجدل منذ مقتل عثمان – رضى الله عنه – قد انحرفت بتأويلات النصوص القرآنية ، وبالأفهام والمفهومات انحرافا شديدا . فلما بدأت المباحث لتأييد وجهات النظر المختلفة ، كانت تبحث عما يؤيدها من الفلسفات والمباحث اللاهوتية ، بحثا مغرضا فى الغالب ومن ثم لم تعد تلك المصادر – فى ظل تلك الخلافات – تصلح أساسا للتفكير الإسلامى الخالص ، الذى ينبغى أن يتلقى مقوماته ومفهوماته من النص القرآنى الثابت ، فى جو خالص من عقابيل تلك الخلافات التاريخية ، ومن ثم يحسن عزل ذلك التراث جملة ! عن مفهومنا الأصيل للإسلام ، ودراسته دراسة تاريخية بحتة ، لبيان زوايا الانحراف فيه ، وأسباب هذا الانحراف ، وتجنب نظائرها فيما نصوغه اليوم من مفهوم التصور الإسلامى ومن أوضاع وأشكال ومقومات النظام الإسلامى أيضا ..

ولقد سارت مناهج الفكر الغربى فى طريقها الخاص ، مستمدة ابتداء من الفكر الإغريقى وما فيه من لوثة الوثنية ، ثم مستمدة أخيرا من عدائها للكنيسة ، وللتفكير الكنسى فى الغالب !

وكان الطابع العام لهذا الفكر منذ عصر النهضة ، وهو معارضة الكنيسة الكاثوليكية وتصوراتها – ثم فيما بعد – معارضة الكنيسة إطلاقا ، ومعارضة التصور الدينى جملة .. والتصورات الكنسية – بصفة عامة – لم تكن فى يوم من الأيام تمثل النصرانية الحقيقية . فإن الملابسات التى صاحبت نشأة النصرانية فى ظل الدولة الرومانية الوثنية . ثم التى صاحبت دخول الدولة الرومانية فى النصرانية قد جنت على النصرانية الحقة جناية كبرى ، وحرفتها تحريفا شديدا ، حرفتها ابتداء بما أدخلت فيها من رواسب الوثنية الرومانية ، ثم بما أضافته الكنيسة والمجامع بعد ذلك من التأويلات والإضافات التى ضمت – مع الأسف – إلى الأصل الإلهى فى النصرانية ، لمجاراة الأحداث السياسية ،والاختلافات المذهبية، ولمحاولة تجميع المذاهب وتجميع القطاعات المتعارضة فى الدولة الرومانية فى مذهب واحد يرضى عنه الجميع (1) ! مما جعل النصرانية !مما جعل النصرانية تعبيرا عن التصور الكنسى أكثر مما هى تعبير عن الديانة النصرانية المنزلة من عند الله .

ثم كان من جراء احتضان الكنيسة لهذه التصورات المنحرفة ، ومن جراء احتضانها كذلك لكثير من المعلومات الخاطئة أو الناقصة عن الكون – مما هو من شأن البحوث والدراسات والتجارب البشرية – أن وقفت موقفا عدائيا خشنا من العلماء الطبيعين حين قاموا يصححون هذه المعلومات البشرية الخاطئة أو الناقصة ، ولم تكتف بالهجوم الفكرى عليهم ، بل استخدمت سلطانهم المادى ببشاعة فى التنكيل بكل المخالفين لتوراتها الدينية والعلمية على السواء !

ومنذ ذلك التاريخ ، وإلى اليوم اتخذ الفكر الأوربى موقفا عدائيا لا من الأفكار والتصورات الكنسية التى كانت سائدة يومذاك ، بل من الأفكار والتصورات الدينية على الإطلاق ، بل تجاوز العداء الأفكار والتصورات الدينية إلى منهج التفكير الدينى بجملته ! واتجه الفكر الأوربى إلى ابتداع مناهج ومذاهب للتفكير ، الغرض الأساسى منها هو معارضة منهج الفكر الدينى ، والتخلص من سلطان الكنيسة ، بالتخلص من إله الكنيسة ! ومن كل ما يتعلق به من أفكار ومن مناهج للتفكير أيضا وكمن العداء للدين وللمنهج الدينى ، لا فى الموضوعات والفلسفات والمذاهب التى أنشأها الفكر الأوربى ، بل فى صميم هذا الفكر ، وفى صميم المناهج التى يتخذها للمعرفة .

ومن ثم لم يعد من نتاج الفكر الأوربى ، ولا مناهج التفكير الأوربية تصلح لأن تتخذ أساسا للفكر الإسلامى ، ولا لتجديد هذا الفكر – كما يعبر بعض المفكرين المسلمين أنفسهم .. وسيرى قارئ هذا البحث – بعد الفراغ منه – أنه لا سبيل لاستعارة مناهج الفكر الغربى ، ولا استعارة نتاج هذا الفكر الذى قام على أساس هذه المناهج ، للفكر الإسلامى !

منهجنا إذن فى هذا البحث عن : خصائص التصور الإسلامى ومقوماته أن نستلهم القرآن الكريم مباشرة – بعد الحياة فى ظلال القرآن طويلا – وأن نستحضر – بقدر الإمكان – الجو الذى تنزلت فيه كلمات الله للبشر ، والملابسات الاعتقادية والاجتماعية والسياسية التى كانت البشرية تتيه فيها وقت أن جاءها هذا الهدى ، ثم التيه الذى ضلت فيه بعد انحرافها عد الهدى الإلهى !

ومنهجنا فى استلهام القرآن الكريم ، ألا نواجهه بمقررات سابقة إطلاقا ، لا مقررات عقلية ولا مقررات شعورية – من رواسب الثقافات التى لم نستقها من القرآن ذاته – نحاكم إليها نصوصه ، أو نستلهم معانى هذه النصوص وفق تلك المقررات السابقة .

لقد جاء النص القرآنى – ابتداء – لينشئ المقررات الصحيحة التى يريد الله أن تقوم عليها تصورات البشر ، وأن تقوم عليها حياتهم ، وأقل ما يستحقه هذا التفضل من العلى الكبير ، وهذه الرعاية من الله ذى الجلال – وهو الغنى عن العالمين – أن يتلقوها وقد فرغوا لها قلوبهم وعقولهم من كل غبش دخيل ، ليقوم تصورهم الجديد نظيفا من كل رواسب الجاهليات – قديمها وحديثها على السواء – مستمدا من تعليم الله وحده ، لا من ظنون البشر ، التى لا تغنى من الحق شيئا!

ليست هناك إذن مقررات سابقة نحاكم إليها كتاب الله تعالى ، إنما نحن نستمد مقرراتنا من هذا الكتاب ابتداء ، ونقيم على هذه المقررات تصوراتنا ومقرراتنا ! وهذا – وحده – هو المنهج الصحيح ، فى مواجهة القرآن الكريم ، وفى استلهامه خصائص التصور الإسلامى ومقوماته .

ثم إننا لا نحاول استعارة القالب الفلسفى فى عرض حقائق التصور الإسلامى اقتناعا منا بأن هناك ارتباطا وثيقا بين طبيعة الموضوع وطبيعة القالب وأن الموضوع يتأثر بالقالب ، وقد تتغير طبيعته ويلحقها التشويه ، إذا عرض فى قالب ، فى طبيعته وفى تاريخه عداء وجفوة وغربة عن طبيعته ! الأمر المتحقق فى موضوع التصور الإسلامى والقلب الفلسفى . والذى يدركه من يتذوق حقيقة هذا التصور كما هى فى النص القرآنى !

نحن نخالف إقبال فى محاولته صياغة التصور الإسلامى فى قالب فلسفى ، مستعار من القوالب المعروفة عند هيجل من العقليين المثاليين وعند أوجست كونت من الوضعيين الحسيين .

إن العقيدة – إطلاقا – والعقيدة الإسلامية – بوجه خاص – تخاطب الكينونة الإنسانية بأسلوبها الخاص ، وهو أسلوب يمتاز بالحيوية والإيقاع واللمسة المباشرة والإيحاء . والإيحاء بالحقائق الكبيرة ، التى لا تتمثل كلها فى العبارة ، ولكن توحى بها العبارة ، كما يمتاز بمخاطبة الكينونة الإنسانية بكل جوانبها وطاقاتها ومنافذ المعرفة فيها . ولا يخاطب الفكر وحده فى الكائن البشرى .. أما الفلسفة فلها أسلوب آخر . إذ هى تحاول أن تحصر الحقيقة فى العبارة . ولما كان نوع الحقائق التى تتصدى لها يستحيل أن ينحصر فى منطوق العبارة – فضلا عن أن جوانب أساسية من هذه الحقائق هى بطبيعتها أكبر من المجال الذى يعمل فيه الفكر البشرى (1) – فإن الفلسفة تنتهى حتما إلى التعقيد والتخليط والجفاف ، كلما حاولت أن تتناول مسائل العقيدة ‍!

ومن ثم لم يكن للفلسفة دور يذكر فى الحياة البشرية العامة ، ولم تدفع بالبشرية إلى الأمام شيئا مما دفعتها العقيدة ، التى تقدمت البشرية على حدائها فى تيه الزمن ، وظلام الطريق .

لابد أن تعرض العقيدة بأسلوب العقيدة ، إذ أن محاولة عرضها بأسلوب الفلسفة يقتلها ، ويطفئ إشعاعها وإيجاءها ، ويقصرها على جانب واحد من جوانب الكينونة الإنسانية الكثيرة .

ومن هنا يبدو التعقيد والجفاف والنقص والانحراف فى كل المباحث لتى تحاول عرض العقيدة بهذا الأسلوب الغريب على طبيعتها ، وفى هذا القالب الذى يضيق عنها .

ولسنا حريصين على أن تكون هناك فلسفة الإسلامية‍ ! لسنا حريصين على أن يوجد هذا الفصل فى الفكر الإسلامى ، ولا أن يوجد هذا القالب فى قوالب الأداء الإسلامية ! فهذا لا ينقص الإسلام شيئا فى نظرنا ، ولا ينقص الفكر الإسلامى بل يدل دلالة قوية على أصالته ونقائه وتميزه !

وكلمة أخرى فى المنهج الذى نتوخاه فى هذا البحث أيضا ..

إننا لا نستحضر أمامنا انحرافا معينا من انحرافات الفكر الإسلامى ، أو الواقع الإسلامى ، ثم ندعه يستغرق اهتمامنا كله . بحيث يصبح الرد عليه وتصحيحه هو المحرك الكلى لنا فيما نبذله من جهد فى تقرير

( خصائص التصور الإسلامي ومقوماته ) .. إنما نحن نحاول تقرير حقائق هذا التصور- فى ذاتها – كما جاء بها القرآن الكريم ، كاملة شاملة ، متوازنة متناسقة تناسق هذا الكون وتوازنه ، وتناسق هذه الفطرة وتوازنها .

ذلك أن استحضار انحراف معين ، أو نقص معين ، والاستغراق فى دفعه ، وصياغة حقائق التصور الإسلامى للرد عليه .. منهج شديد الخطر ، وله معقباته فى إنشاء انحراف جديد فى التصور الإسلام لدفع انحراف قديم .. والانحراف انحراف على كل حال ! ! !

ونحن نجد نماذج من هذا الخطر فى البحوث التى تكتب بقصد الدفاع عن الإسلام فى وجه المهاجمين له ، الطاعنين فيه ، من المستشرقين والملحدين قديما وحديثا ، كما نجد نماذج منه في البحوث التي تكتب للرد على انحراف معين ، فى بيئة معينة ، فى زمان معين !

يتعمد بعض الصليبيين والصهيونيين مثلا أن يتهم الإسلام بأنه دين السيف ، وأنه انتشر بحد السيف .. فيقوم منا مدافعون عن الإسلام يدفعون عنه هذا الاتهام! وبينما هم مشتطون فى حماسة الدفاع يسقطون قيمة الجهاد فى الإسلام، ويضيقون نطاقه ويعتذرون عن كل حركة من حركاته، بأنها كانت لمجرد الدفاع ! – بمعناه الاصطلاحي الحاضر الضيق ! – وينسون أن للإسلام- بوصفه المنهج الإلهى الأخير للبشرية – حقه الأصيل فى أن يقيم نظامه الخاص فى الأرض ، لتستمتع البشرية كلها بخيرات هذا النظام .. ويستمتع كل فرد – فى داخل هذا النظام – بحرية العقيدة التى يختارها ، حيث لا إكراه فى الدين من ناحية العقيدة .. أما إقامة النظام الإسلامى ليظلل البشرية كلها ممن يعتنقون عقيدة الإسلام وممن لا يعتنقونها ، فتقتضى الجهاد لإنشاء هذا النظام وصيانته ، وترك الناس أحرارا فى عقائدهم الخاصة فى نطاقه . ولا يتم ذلك إلا بإقامة سلطان خير وقانون خير ونظام خير يحسب حسابه كل من يفكر فى الاعتداء على حرية الدعوة وحرية الاعتقاد فى الأرض !

وليس هذا إلا نموذجا واحدا من التشويه للتصور الإسلامى ، فى حماسه الدفاع عنه ضد هجوم ماكر ، على جانب من جوانبه !

أما البحوث التى كتبت للرد على انحراف معين ، فأنشأت هى بدورها انحرافا ، فأقرب ما نتمثل به فى هذا الخصوص ، توجيهات الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده ومحاضرات إقبال فى موضوع تحديد الفكر الدينى فى الإسلام(1) .

لقد واجه الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده ، بيئة فكرية جامدة ، أغلقت باب الاجتهاد وأنكرت على العقل دوره فى فهم شريعة الله واستنباط الأحكام منها ، واكتفت بالكتب التى ألفها المتأخرون فى عصور الجمود العقلى وهى – فى الوقت ذاته – تعتمد على الخرافات والتصورات الدينية العامية! كما واجه فترة كان العقل فيها يعبد فى أوربا ويتخذه أهلها إلها ، وخاصة بعد الفتوحات العلمية التى حصل فيها العلم على انتصارات عظيمة ، وبعد فترة كذلك من سيادة الفلسفة العقلية التى تؤله العقل ! وذلك مع هجوم من المستشرقين على التصور الإسلامى ، وعقيدة القضاء والقدر فيه ، وتعطيل العقل البشرى والجهد البشرى عن الإيجابية فى الحياة بسبب هذه العقيدة .. الخ .

فلما أراد أن يواجه هذه البيئة الخاصة ، بإثبات قيمة العقل تجاه النص . وإحياء فكرة الاجتهاد ومحاربة الخرافة والجهل والعامية فى الفكر الإسلامى . . ثم إثبات أن الإسلام جعل للعقل قيمته وعمله فى الدين والحياة ، وليس – كما يزعم الإفرنج أنه قضى على المسلمين بالجبر المطلق وفقدان الاختيار .. لما أراد أن يواجه الجمود العقلى فى الشرق ، والفتنة بالعقل فى الغرب ، جعل العقل البشرى ندا للوحى فى هداية الإنسان ، ولم يقف به عند أن يكون جهازا – من أجهزة – فى الكائن البشرى ، يتلقى الوحى ، ومنع أن يقع خلاف ما بين مفهوم العقل وما يجئ به الوحى . ولم يقف بالعقل عند أن يدرك ما يدركه ، ويسلم بما هو فوق إدراكه ، بما أنه – هو والكينونة الإنسانية بجملتها – غير كلى ولا مطلق ، ومحدود بحدود الزمان والمكان ، بينما الوحى يتناول حقائق مطلقة فى بعض الأحيان كحقيقة الألوهية ، وكيفية تعلق الإرادة الإلهية بخلق الحوادث .. وليس على العقل إلا التسليم بهذه الكليات المطلقة، التى لا سبيل له إلى إدراكها (1) !…وساق حجة تبدو منطقية ، ولكنها من فعل الرغبة فى تقويم ذلك الانحراف البيئى الخاص الذى يحتقر العقل ويهمل دوره .. قال رحمه الله فى رسالة التوحيد:

فالوحى بالرسالة الإلهية أثر من أثار الله .. والعقل الإنسانى أثر أيضا من أثار الله فى الوجود ، وأثار الله يجب أن ينسجم بعضها مع بعض ، ولا يعارض بعضها بعضا .

وهذا صحيح فى عمومه .. ولكن يبقى أن الوحى والعقل ليسا ندين . فأحدهما أكبر من الآخر وأشمل . وأحدهما جاء ليكون هو الأصل الذى يرجع إليها الآخر .

والميزان الذى يختبر الآخر عنده مقرراته ومفهوماته وتصوراته ، ويصحح به اختلالاته وانحرافاته . فبينهما – ولا شك – توافق وانسجام ، ولكن على هذا الأساس . لا على أساس أنهما ندان متعادلان ، وكفو أحدهما تماما للآخر ! فضلا على أن العقل المبرأ من النقص والهوى لا وجود له فى دنيا الواقع، وإنما هو مثال !

وقد تأثر تفسير الأستاذ الإمام لجزء عم بهذه النظرة تأثرا واضحا . وتفسير تلميذه المرحوم الشيخ رشيد رضا وتفسير تلميذه الشيخ المغربى لجزء تبارك حتى صرح مرات بوجوب تأويل النص ليوافق مفهوم العقل ! وهو مبدأ خطر . فإطلاق كلمة العقل يرد الأمر إلى شئ غير واقعى ! – كما قلنا – فهناك عقلى وعقلك وعقل فلان وعقل علان .. وليس هنالك عقل مطلق لا يتناوبه النقص والهوى والشهوة والجهل يحاكم النص القرآن إلى مقرراته . وإذا أوجبنا التأويل ليوافق النص هذه العقول الكثيرة ، فإننا ننتهى إلى فوضى !

وقد نشأ هذا كله من الاستغراق فى مواجهة انحراف معين .. ولو أخذ الأمر – فى ذاته – لعرف للعقل مكانه ومجال عمله بدون غلو ولا إفراط ، وبدون تقصير ولا تفريط كذلك وعرف للوحي مجاله . وحفظت النسبة بينهما فى مكانها الصحيح ..

إن العقل ليس منفيا ولا مطرودا ولا مهملا فى مجال التلقى عن الوحى ، وفهم ما يتلقى وإدراك ما من شأنه أن يدركه ، مع التسليم بما هو خارج عن مجاله ، ولكنه كذلك ليس هو الحكم الأخير . وما دام النص محكما ، فالمدلول الصريح للنص من غير تأويل هو الحكم ، وعلى العقل أن يتلقى مقرراته هو من مدلول هذا النص الصريح . ويقيم منهجه على أساسه (وفى صلب هذا البحث تفصيل واف للحد المأمون والمنهج الإسلامى المستقيم) .

ولقد واجه إقبال فى العالم الشرقى بيئة فكرية تائهة ! فى غيبوبة إشراقات التصوف العجمى كما يسميه ! .. فراعه هذا الفناء الذى لا وجود فيه للذاتية الإنسانية . كما راعته السلبية التى لا عمل معها للإنسان ولا أثر فى هذه الأرض – وليس هذا هو الإسلام بطبيعة الحال – كما واجه من ناحية التفكير الحسى فى المذهب الوضعى ، ومذهب التجريبيين فى العالم الغربى ، كذلك واجه ما أعلنه نيتشه فى هكذا قال زرادشت عن مولد الإنسان الأعلى السوبرمتان وموت الإله ! وذلك فى تخبطات الصرع التى كتبها نيتشه وسماها بعضهم فلسفة !

وأراد أن ينفض عن الفكر الإسلامى وعن الحياة الإسلامية ذلك الضياع والفناء والسلبية ، كما أراد أن يثبت للفكر الإسلام واقعية التجربة التى يعتمد عليها المذهب التجريبى ثم المذهب الوضعى !

ولكن النتيجة كانت جموحا فى إبراز الذاتية الإنسانية ، اضطر معه إلى تأويل بعض النصوص القرآنية تأويلا تأباه طبيعتها ، كما تأباه طبيعة التصور الإسلامى . لإثبات أن الموت ليس نهاية للتجربة ولا حتى القيامة ، فالتجربة والنمو فى الذات الإنسانية مستمران أيضا – عند إقبال – بعد الجنة والنار . مع أن التصور الإسلامى حاسم فى أن الدنيا دار ابتلاء وعمل ، وأن الآخرة دار حساب وجزاء ، وليست هنالك فرصة للنفس البشرية للعمل إلا فى هذه الدار ، كما أنه لا مجال لعمل جديد فى الدار الآخرة بعد الحساب والجزاء .. لكن هذا الغلو إنما جاء من الرغبة الجارفة فى إثبات وجود الذاتية ، واستمرارها ، أو الـأنا كما استعار إقبال اصطلاحات هيجل الفلسفية .

ومن ناحية أخرى اضطر إلى إعطاء اصطلاح التجربة مدلولا أوسع مما هو فى الفكر الغربىوفى تاريخ هذا الفكر . لكى يمد مجاله إلى التجربة الروحية التى يزاولها المسلم ويتذوق بها الحقيقة الكبرى فالتجربة بمعناها الاصطلاحى الفلسفى الغربى ، لا يمكن أن تشمل الجانب الروحى أصلا ! لأنها نشأت ابتداء لنبذ كل وسائل المعرفة التى لا تعتمد على التجربة الحسية .

ومحاولة استعارة الاصطلاح الغربى ، هى التى قادت إلى هذه المحاولة . التى يتضح فيها الشد والجذب والجفاف أيضا ، حتى مع شاعرية إقبال الحية المتحركة الرفافة !

ولست أبتغى أن أنقص من قدر تلك الجهود العظيمة المثمرة فى إحياء الفكر الإسلامى وإنهاضه التى بذلها الأستاذ الإمام وتلاميذه ، والتى بذلها إقبال .. رحمهم الله رحمة واسعة .. وإنما فقط التنبيه إلى أن دفعة الحماسة لمقاومة انحراف معين ، قد تنشئ هى انحرافا آخر ، وأن الأولى فى منهج البحث الإسلامى ، هو عرض حقائق التصور الإسلامى فى تكاملها الشامل ، وفى تناسقها الهادئ ، ووفق طبيعتها الخاصة وأسلوبها الخاص .

وأخيرا فإن هذا البحث ليس كتابا فى الفلسفة ولا كتابا فى اللاهوت ولا كتابا فى الميتافيزيقا .. إنه عمل يمليه الواقع . وهو يخاطب الواقع أيضا ..

لقد جاء الإسلام لينقذ البشرية كلها من الركام الذى كان ينوء بأفكارها وحياتها ويثقلها . ومن التيه الذى كانت أفكارها وحياتها شاردة فيه .. ولينشئ لها تصورا خاصا متميزا متفردا . . وحياة أخرى تسير وفق منهج الله القويم .. فإذا بالبشرية كلها اليوم ترتكس إلى التيه وإلى الركام الكريه !

ولقد جاء الإسلام لينشئ أمة ، يسلمها قيادة البشرية ، لتنأى بها عن التيه وعن الركام .. فإذا هذه الأمة اليوم تترك مكان القيادة ، وتترك منهج القيادة ، وتلهث وراء الأمم الضاربة فى التيه ، وفى الركام الكريه !

هذا الكتاب محاولة لتحديد خصائص التصور الإسلامى ومقوماته ، التى ينبثق منها منهج الحياة الواقعى – كما أراده الله – ودستور النشاط الفكرى والعلمى والفنى ، الذى لابد أن يستمد من التفسير الشامل الذى يقدمه ذلك التصور الأصيل . وكل بحث فى جانب من جوانب الفكرة الإسلامية أو النظام الإسلامى ، لابد له من أن يرتكن أولا إلى فكرة الإسلام .

والحاجة إلى جلاء تلك الفكرة هى حاجة العقل والقلب . وحاجة الحياة والواقع . وحاجة الأمة المسلمة والبشرية كلها على السواء .

وهذا القسم الأول من البحث يتناول خصائص التصور الإسلامى وسيتناول القسم الثانى : مقومات التصور الإسلامى

تِيْـه وَركَـام

أفمن يمشى مكبا على وجهه أهدى أم من يمشى سويا على صراط مستقيم؟

جاء الإسلام ، وفى العالم ركام هائل ، من العقائد والتصورات ، والفلسفات ، والأساطير والأفكار والأوهام والشعائر والتقاليد والأوضاع والأحوال ..

يختلط فيها الحق بالباطل ، والصحيح بالزائف ، والدين بالخرافة والفلسفة بالأسطورة .. والضمير البشرى – تحت هذا الركام الهائل – يتخبط في ظلمات وظنون لا يستقر منها على يقين والحياة الإنسانية بتأثير هذا الركام الهائل تتخبط في فساد وانحلال وفى ظلم وذل وفى شقاء وتعاسة ، لا تليق بالإنسان ، بل لا تليق بقطيع من الحيوان !

وكان التيه الذى لا دليل فيه ، ولا هدى ولا نور ولا قرار ولا يقين .. هو ذلك التيه الذى يحيط بتصور البشرية لإلهها وصفاته ، وعلاقته بالكون وعلاقة الكون به ، وحقيقة الإنسان ، ومركزه في هذا الكون وغاية وجوده الإنسانى ، ومنهج تحقيقه لهذه الغاية .. ونوع الصلة بين الله والإنسان على وجه الخصوص .. ومن هذا التيه ومن ذلك الركام كان ينبعث الشر كله فى الحياة الإنسانية ، وفى الأنظمة التى تقوم عليها .

ولم يكن مستطاعا أن يستقر الضمير البشرى على قرار فى أمر هذا الكون ، وفى أمر نفسه ، وفى غاية وجوده وفى منهج حياته ، وفى الارتباطات التى تقوم بين الإنسان والكون ن والتى تقوم بين أفراده هو وتجمعاته .. لم يكن مستطاعا أن يستقر الضمير البشرى على قرار فى شئ من هذا كله ، قبل أن يستقر على قرار فى أمر عقيدته ، وفى أمر تصوره لإلهه ، وقبل أن ينتهى إلى يقين واضح ، فى وسط هذا العماء الطاخى ، وهذا التيه المضل ، وهذا الركام الثقيل .

ولم يكن الأمر كذلك لأن التفكير الدينى كان هو طابع القرون الوسطى – كما يقول مفكروا الغرب ، فيتلقف قولتهم هذه ببغاوات الشرق ! – كلا .. إنما كان الأمر كذلك لأن هناك حقيقتين أساسيتين ، ملازمتين للحياة البشرية ، وللنفس البشرية ، على كل حال ، وفى كل زمان :

الحقيقة الأولى : أن هذا الإنسان – بفطرته – لا يملك أن يستقر فى هذا الكون الهائل ذرة تائهة مفلتة ضائعة . فلابد له من رباط معين بهذا الكون ، يضمن له الاستقرار فيه ، ومعرفة مكانه فى هذا الكون الذى يستقر فيه . فلابد له إذن من عقيدة تفسر له ما حوله ، وتفسر له مكانه فيما حوله ، فهى ضرورة فطرية شعورية ، لا علاقة لها بملابسات العصر والبيئة .. وسنرى حين يتقدم بنا هذا البحث كم كان شقاء الإنسان وحيرته وضلاله حين أخطأ حقيقة هذا الارتباط ، وحقيقة هذا التفسير.

والحقيقة الأخرى : هى أن هناك تلازما وثيقا بين طبيعة التصور الاعتقادى ، وطبيعة النظام الاجتماعى .. تلازما لا ينفصل ، ولا يتعلق بملابسات العصر والبيئة .. بل إن هناك ما هو أكثر من التلازم .. هناك الانبثاق الذاتى .. فالنظام الاجتماعى هو فرع عن التفسير الشامل لهذا الوجود ، ولمركز الإنسان فيه ووظيفته ، وغاية وجوده الإنسانى . وكل نظام اجتماعى لا يقوم على أساس هذا التفسير ، هو نظام مصطنع ، لا يعيش .. وإذا عاش فترة شقى به الإنسان ووقع التصادم بينه وبين الفطرة الإنسانية حتما .. فهى ضرورة تنظيمية ، كما أنها ضرورة شعورية.

ولقد كان الرسل – عليهم الصلاة والسلام – من لدن نوح إلى عيسى .. قد بينوا للناس هذه الحقيقة ، وعرفوهم بإلههم تعريفا صحيحا ، وأوضحوا لهم مركز الإنسان فى الكون ، وغاية وجوده .. ولكن الانجرافات الدائمة عن هذه الحقيقة تحت ضغط الظروف السياسية والشهوات البشرية ، والضعف الإنسانى ، كانت قد غشت تلك الحقيقة ، وأضلت البشرية عنها ، وأهالت عليها ركاما ثقيلا يصعب رفعة بغير رسالة جديدة كاملة شاملة ، ترفع هذا الركام ، وتبدد هذا الظلام ، وتنير هذا التيه ، وتقر التصور الإعتقادى على أساس من الحق الخالص ، وتقيم الحياة الإنسانية على أساس مستقر من ذلك التصور الصحيح ، وما كان يمكن أن ينصرف أصحاب التصورات المنحرفة فى الأرض كلها ، وأن ينفكوا عما هم فيه ، إلا بهذه الرسالة ، وإلا بهذا الرسول .. وصدق الله العظيم :

لم يكن الذين كفروا – من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة، رسول من الله يتلو صحفا مطهرة . (البينة : 1-2)

ولا يدرك الإنسان ضرورة هذه الرسالة ، وضرورة هذا الانفكاك عن الضلالات التى كانت البشرية تائهة فى ظلماتها وضرورة الاستقرار على يقين واضح فى أمر العقيدة .. حتى يطلع على ضخامة ذلك الركام ، وحتى يرتاد ذلك التيه ، من العقائد والتصورات ، والفلسفات والأساطير ، والأفكار والأوهام ، والشعائر والتقاليد والأوضاع والأحوال التي جاء الإسلام فوجدها ترين على الضمير البشري في كل مكان ، وحتى يدرك حقيقة البلبلة والتخليط والتعقيد.. التى كانت تتخبط فيها بقايا العقائد السماوية ، التى دخلها التحريف والتأويل ، والإضافات البشرية إلى المصادر الإلهية ، والتى التبست بالفلسفات والوثنيات والأساطير سواء !

ولما لم يكن قصدنا – فى هذا البحث – هو عرض هذه التصورات ، إنما هو عرض التصور الإسلامى ، وخصائصه ومقوماته .. فإننا نكتفى بعرض بعض النماذج من التصورات الدينية فى اليهودية والمسيحية – كما وصلت إلى عرب الجزيرة – وبعض النماذج من التصورات الجاهلية العربية التى جاء الإسلام فواجهها هناك .

لقد حفلت ديانة بنى إسرائيل – اليهودية – بالتصورات الوثنية ، وباللوثة القومية على السواء ، فبنو إسرائيل – وهو يعقوب بن اسحاق بن إبراهيم عليهم السلام – جاءتهم رسلهم – وفى أولهم أبوهم إسرائيل – بالتوحيد الخالص ، الذى علمهم إياه أبوهم إبراهيم ، ثم جاءهم نبيهم الأكبر موسى – عليه السلام – بدعوة التوحيد أيضا مع الشريعة الموسوية المبنية على أساسه . ولكنهم انحرفوا على مدى الزمن ، وهبطوا فى تصوراتهم إلى الوثنيات ، وأثبتوا فى كتبهم المقدسة! وفى صلب العهد القديم أساطير وتصورات عن الله – سبحانه – لا ترتفع عن أحط التصورات الوثنية للإغريق وغيرهم من الوثنيين ، الذين لم يتلقوا رسالة سماوية ، ولا كان لهم من عند الله كتاب ..

ولقد كانت عقيدة التوحيد التى أسسها جدهم إبراهيم – عليه السلام – عقيدة خالصة ناصعة شاملة متكاملة واجه بها الوثنية مواجهة حاسمة كما صورها القرآن الكريم ، ووصى بها إبراهيم بنيه كما وصى بها يعقوب بنيه قبل أن يموت :

وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ(69)إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ(70)قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ(71)قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ(72)أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ(73)قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ(74)قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ(75) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ الْأَقْدَمُونَ(76)فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ(77)الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِي(78)وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِي(79)وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِي(80)وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ(81)وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ(82)رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ(83)وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ(84)وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ(85)وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنْ الضَّالِّينَ(86) وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ(87)يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ(88)إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ .

وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدْ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنْ الصَّالِحِينَ(130)إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ(131) وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمْ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ(132)أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ .

ومن هذا التوحيد الخالص ، وهذه العقيدة الناصعة ، وهذا الاعتقاد فى الآخرة انتكس الأحفاد. وظلوا فى انتكاسهم حتى جاءهم موسى عليه السلام بعقيدة التوحيد والتنزية من جديد .. والقرآن الكريم يذكر أصول هذه العقيدة التى جاء بها موسى – عليه السلام – لبنى إسرائيل ، ويذكر تراجعهم عنها :

وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ(83)وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ(84)ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاء تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَتَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ …

وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمْ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ(92) وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمْ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمْ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ .

ولقد بدأ انحرافهم ، وموسى عليه السلام بين أظهرهم .. من ذلك عبادتهم للعجل الذى صنعه لهم السامرى ، من الذهب الذى حملوه معهم من حلى نساء المصريين . وهو العجل الذى أشير إليه فى الآيات السابقة .. وقبل ذلك كانوا مروا عقب خروجهم من مصر ، على قوم يعبدون الأصنام ، فطلبوا إلى موسى عليه السلام أن يقيم لهم صنما يعبدونه!

وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَامُوسَى اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ(138)إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ .

وكذلك حكى القرآن الكثير عن انحرافهم وسوء تصورهم لله سبحانه وشركهم ووثنيتهم :

وقالت اليهود عزيز ابن الله

وقالت اليهود : يد الله مغلولة : غُلت أيديهم ولُعنوا بما قالوا : بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء ..

لقد سمع الله قول الذين قالوا : إن الله فقير ونحن أغنياء . سنكتب ما قالوا وقتلهم الأنبياء بغير حق . ويقول ذوقوا عذاب الحريق ..

وإذ قلتم : يا موسى : لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ، فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون .

ومن لوثة القومية واعتقادهم أن إلههم إله قومى ! لا يحاسبهم بقانون الأخلاق إلا فى سلوكهم مع بعضهم البعض . أما الغرباء – غير اليهود – فهو لا يحاسبهم معهم على سلوك معيب ! .. من هذه اللوثة كان قولهم الذى حكاه القرآن الكريم :

ومنهم من تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما . ذلك بأنهم قالوا ليس علينا فى الأميين سبيل . ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون .

وقد تضمنت كتبهم المحرفة أوصافا لإلههم لا ترتفع كثيرا على أوصاف الإغريق فى وثنيتهم لألهتهم :

جاء فى الإصحاح الثالث من سفر التكوين : (بعد ارتكاب آدم لخطيئة الأكل من الشجرة . وهى كما يقول كاتب الإصحاح : شجرة معرفة الخير والشر)

وسمعنا صوت الرب الإله ماشيا فى الجنة عند هبوب ريح النهار . فاختبأ آدم وامرأته من وجه الرب الإله ، فى وسط شجر الجنة . فنادى الرب الإله آدم . وقال له : أين أنت ؟ فقال : سمعت صوتك فى الجنة ،فخشيت لأنى عريان ، فاختبأت . فقال من أعلمك أنك عريان ؟ هل أكلت من الشجرة التى أوصيتك ألا تأكل منها ؟ …

وقال الرب الإله : هو ذا الإنسان قد صار كواحد منا ، عارفا الخير والشر ، والآن لعله يمد يده ويأخذ من شجرة الحياة أيضا ! ويأكل ويحيا إلى الأبد .. فأخرجه الرب الإله من جنة عدن ، ليعمل فى الأرض التى أخذ منها . فطرد الإنسان . وأقام شرقى جنة عدن الكروبيم ولهيب سيف متقلب ، لحراسة شجرة الحياة! .

وعن سبب الطوفان جاء فى هذا السفر نفسه :

وحدث لما ابتدأ الناس يكثرون على الأرض ، وولد لهم بنات ، أن أبناء الله رأوا بنات الناس أنهن حسنات . فاتخذوا لأنفسهم نساء من كل ما اختاروا .. فقال الرب : لا يدين روحى فى الإنسان إلى الأبد . لزيغانه . هو بشر . وتكون أيامه مئة وعشرين سنة .. كان فى الأرض طغاة فى تلك الأيام .. وبعد ذلك أيضا . إذ دخل بنو الله على بنات الناس وولدن أولادا . هؤلاء هم الجبابرة ، الذين منذ الدهر ذوو اسم .

ورأى الرب أن شر الإنسان قد كثر فى الأرض . وأن كل تصور أفكار قلبه إنما هو شرير كل يوم . فحزن الرب أنه عمل الإنسان فى الأرض . ونأسف فى قلبه . فقال الرب أمحو عن وجه الأرض الإنسان الذى خلفته . الإنسان مع بهائم ودبابات وطيور السماء . لأنى حزنت أنى عملتهم. وأما نوح فوجد نعمة فى عينى الرب .

وجاء فى الإصحاح الحادى عشر من سفر التكوين (بعد ما عمرت الأرض بذرية نوح) :

وكانت الأرض كلها لسانا واحدا ولغة واحدة . وحدث فى ارتحالهم شرقا أنهم وجدوا نعمة فى أرض شنعار ، وسكنوا هناك . وقال بعضهم لبعض . هلم نصنع لبنا ونشويه شيا ، فكان لهم اللبن مكان الحجر . وكان لهم الحمر مكان الطين . وقالوا : هلم نبن لأنفسنا مدينة وبرجا رأسه بالسماء . ونصنع لأنفسنا اسما لئلا نتبدد على وجه كل الأرض .. فنزل الرب المدينة والبرج اللذين كان بنو آدم يبنونهما . وقال الرب : هو ذا شعب واحد ولسان واحد لجميعهم ، وهذا ابتلاؤهم بالعمل. والآن لا يمتنع عليهم كل ما ينوون أن يعملوه . هلم ننزل ونبلبل هناك لسانهم ، حتى لا يسمع بعضهم لسان بعض ، فبددهم الرب من هناك على وجه كل الأرض ، فكفوا عن بنيان المدينة . لذلك دعى اسمها (بابل) لأن الرب هناك بلبل لسان كل الأرض ومن هناك بددهم الرب على وجه كل الأرض .

وجاء فى سفر صموئيل الثانى : الإصحاح الرابع والعشرين : فجعل الرب وباء فى إسرائيل من الصباح إلى الميعاد ، فمات من الشعب – من دان إلى بئر سبع – سبعون ألف رجل . وبسط الملاك يده على أورشليم ليهلكها . فندم الرب عن الشر . فقال للملاك المهلك الشعب : كفى الآن رويدك! ..

ولم تكن الحال مع النصرانية خيرا مما كانت مع اليهودية . بل كان الأمر أدهى وأمر .. عبرت النصرانية إلى الدولة الرومانية الوثنية فى أشد عصور الوثنية والانحلال فى هذه الدولة . ثم أخذت تنتشر حتى استطاعت أن تولى قسطنطين إمبراطورا فى سنة 305 ميلادية . ومن ثم دخل الإمبراطورية الرومانية فى النصرانية . لا لتخضع للنصرانية . ولكن لتخضع النصرانية لوثنيتها العريقة . وفى هذا يقول الكاتب الأمريكى : درابر فى كتابه : الصراع بين الدين والعلم .

دخلت الوثنية والشرك فى النصرانية بتأثير المنافقين ، الذين تقلدوا وظائف خطيرة ، ومناصب عالية فى الدولة الرومانية ، بتظاهرهم بالنصرانية . ولم يكونوا يحفلون بأمر الدين . ولم يخلصوا له يوما من الأيام . وكذلك كان قسطنطين .. فقد قضى عمره فى الظلم والفجور ، ولم يتقيد بأوامر الكنيسة الدينية إلا قليلا فى آخر عمره سنة 337 ميلادية .

إن الجماعة النصرانية ، وإن كانت قد بلغت من القوة بحيث ولت قسطنطين المُلك ولكنها لم تتمكن من أن تقطع دابر الوثنية ، وتقتلع جرثومتها . وكان نتيجة كفاحها أن اختلطت مبادئها ، ونشأ من ذلك دين جديد ، تتجلى فيه النصرانية والوثنية سواء بسواء .. هنالك يختلف الإسلام عن النصرانية ، إذ قضى على منافسه (الوثنية) قضاء باتا ، ونشر عقائده خالصة بغير غبش .

وإن هذا الإمبراطور الذى كان عبدا للدنيا ، والذى لم تكن عقائده الدينية تساوى شيئا ، رأى لمصلحته الشخصية ، ولمصلحة الحزبين المتنافسين – النصرانى والوثنى – أن يوحدهما ويؤلف بينهما . حتى أن النصارى الراسخين أيضا لم ينكروا عليه هذه الخطة . ولعلهم كانوا يعتقدون أن الديانة الجديدة ستزدهر إذا طمعت ونقحت بالعقائد الوثنية القديمة ، وسيخلص الدين النصرانى عاقبة الأمر من أدناس الوثنية وأرجاسها(1) .

ولكن الديانة الجديدة لم تتخلص قط من أدناس الوثنية وأرجاسها ، وتصوراتها الأسطورية – كما أمل النصارى الراسخون – فقد ظلت تتلبس بالخلافات السياسية والعنصرية والطائفية ، تلبسها بالأساطير الوثنية والتصورات الفلسفية . ووقع الانقسام فى التصور بغير حق :

قالت فرقة :إن المسيح إنسان محض ، وقالت فرقة : إن الأب والابن والروح القدس إن هى إلا صور مختلفة أعلن الله بها نفسه للناس . فالله – بزعمهم – مركب من أقانيم ثلاثة : الأب والابن وروح القدس ؟ (والابن هو المسيح) فانحدر الله ، الذى هو الأب ، فى صورة روح القدس وتجسد فى مريم إنسانا ، وولد منها فى صورة يسوع . وفرقة قالت : إن الابن ليس أزليا كالأب بل هو مخلوق من قبل العالم ، ولذلك هو دون الأب وخاضع له . وفرقة أنكرت كون روح القدس أقنوما .. وقرر مجمع نيقية سنة 325 ، ومجمع القسطنطينية سنة 381 أن الابن وروح القدس مساويان للأب فى وحدة اللاهوت ، وأن الابن قد ولد منذ الأزل من الأب ، وأن روح القدس منبثق من الأب .. وقرر مجمع طليطلة سنة 589 بأن روح القدس منبثق من الابن أيضا . فاختلفت الكنيسة الشرقية والكنيسة الغربية عند هذه النقطة وظلتا مختلفتين .. كذلك ألهت جماعة منهم مريم كما ألهو المسيح عليه السلام..

ويقول الدكتور ألفرد بتلر فى كتابه : فتح العرب لمصر . ترجمة الأستاذ محمد فريد أبو حديد :

إن ذينك القرنين – الخامس والسادس – كانا عهد نضال متصل بين المصريين والرومانيين .نضال يذكيه اختلاف فى الجنس ، واختلاف فى الدين ، وكان اختلاف الدين أشد من اختلاف الجنس . إذ كانت علة العلل فى ذلك الوقت تلك العداوة بين الملكانية والمنوفيسية . وكانت الطائفة الأولى – كم يدل عليه اسمها – حزب مذهب الدولة الإمبراطورية وحزب الملك والبلاد وكانت تعتقد العقيدة السية الموروثة – وهى ازدواج طبيعة المسيح – على حين أن الطائفة الأخرى – وهى حزب القبط المنوفيسيين – أهل مصر – كانت تستبشع تلك العقيدة وتستفظعها ، وتحاربها حربا عنيفة فى حماسة هوجاء ، يصعب علينا أن نتصورها ، أو نعرف كنهها في قوم يعقلون ، بله يؤمنون بالإنجيل! .

ويقول سيرت . و . أرنولد فى كتابه : الدعوة إلى الإسلام عن هذا الخلاف ، ومحاولة هرقل لتسويته بمذهب وسط :

ولقد أفلح جستنيان Justinian قبل الفتح الإسلامى بمئة عام فى أن يكسب الإمبراطورية الرومانية مظهرا من مظاهر الوحدة . ولكنها سرعان ما تصدعت بعد موته ، وأصبحت فى حاجة ماسة إلى شعور قومى مشترك ، يربط بين الولايات وحاضرة الدولة ، أما هرقل فقد بذل جهودا لم تصادف نجاحا كاملا فى إعادة ربط الشام بالحكومة المركزية ، ولكن ما اتتخذه من وسائل عامة فى سبيل التوفيق قد أدى لسوء الحظ إلى زيادة الانقسام بدلا من القضاء عليه . ولم يكن ثمة ما يقوم مقام الشعور بالقومية سوى العواطف الدينية . فحاول بتفسيره العقيدة تفسيرا يستعين به على تهدئه النفوس ، أن يقف كل ما يمكن أن يشجر بعد ذلك بين الطوائف المتناحرة من خصومات ، وأن يوحد بين الخارجين على الدين وبين الكنيسة الأرثوذكسية ، وبينهم وبين الحكومة المركزية .

وكان مجمع خلقيدونة قد أعلن فى سنة 451م أن المسيح ينبغى أ، يعترف بأنه يتمثل فى طبيعتين ، لا اختلاط بينهما ، ولا تغير ولا تجزؤ ، ولا انفصال . ولا يمكن أن ينتفى اختلافهما بسبب اتحادهما . بل الأحرى أن تحتفظ كل طبيعة منهما بخصائصها ، وتجتمع فى أقنوم واحد ، وجسد : هو ذلك الابن الواحد والله والكلمة .

وقد رفض اليعاقبة هذا المجمع . وكانوا لا يعترفون فى المسيح إلا بطبيعة واحدة ، وقالوا : إنه مركب الأقاليم ، له كل الصفات الإلهية والبشرية . ولكن المادة التى تحمل هذه الصفات لم تعد ثنائية، بل أصبحت وحدة مركبة الأقانيم .

وكان الجدل قد احتدم قرابة قرنين من الزمان بين طائفة الأرثوذكس وبين اليعاقبة الذين ازدهروا بوجه خاص فى مصر والشام ، والبلاد الخارجة عن نطاق الإمبراطورية البيزنطية ، فى الوقت الذى سعى فيه هرقل فى إصلاح ذات البين عن طريق المذهب القائل بأن للمسيح مشيئة واحد : Monotheletism : ففى الوقت الذى نجد هذا المذهب يعترف بوجود الطبيعتين ، إذا به يتمسك بوحدة الأقنوم فى حياة المسيح البشرية . وذلك بإنكاره وجود نوعين من الحياة فى أقنوم واحد . فالمسيح الواحد ، الذى هو ابن الله ، يحقق الجانب الإنسانى ، والجانب الإلهى ، بقوة إلهية إنسانية واحدة . ومعنى ذلك أنه لا يوجد سوى إرادة واحدة فى الكلمة المتجسدة .

لكن هرقل قد لقى المصير الذى انتهى إليه كثيرون جدا ، ممن كانوا يأملون أن يقيموا دعائم السلام ، ذلك أن الجدل لم يحتدم مرة أخرى كأعنف ما يكون الاحتدام فحسب . بل إن هرقل نفسه قد وصم بالإلحاد ، وجر على نفسه سخط الطائفتين سواء (1)!

وقد ورد فى القرآن الكريم بعض الإشارات إلى هذه الانحرافات ، ونهى لأهل الكتاب عنها ، وتصحيح حاسم لها ، وبيان لأصل العقيدة النصرانية كما جاءت من عند الله ، قبل التحريف والتأويل:

َقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ(72)لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ(73)أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ(74)مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمْ الْآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ(75)قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ(76)قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ …

وَقَالَتْ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمْ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ …

وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ(116)مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنْ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ(117)إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ …

وهكذا نرى مدى الانحراف الذى دخل على النصرانية ، من جراء تلك الملابسات التاريخية ، حتى انتهت إلى تلك التصورات الوثنية الأسطورية ، التى دارت عليها الخلافات والمذابح عدة قرون!

أما الجزيرة العربية التى نزل فيها القرآن ، فقد كانت تعج بركام العقائد والتصورات . ومن بينها ما نقلته من الفرس وما تسرب إليها من اليهودية والمسيحية فى صورتهما المنحرفة .. مضافا إلى وثنيتها الخاصة المتخلفة من الانحرافات فى ملة إبراهيم التى ورثها العرب صحيحة ثم حرفوها ذلك التحريف . والقرآن يشير إلى ذلك الركام بوضوح :

زعموا أن الملائكة بنات الله – مع كراهيتهم هم للبنات ‍ – ثم عبدوا الملائكة – أو تماثيلها الأصنام – معتقدين أن لها عند الله شفاعة لا ترد ، وأنهم يتقربون بها إليه سبحانه :

وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ(15)أَمْ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ(16)وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَانِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ(17)أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ(18)وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَانِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ(19)وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَانُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ …

أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ(3)لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ..

وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ..

وزعموا أن بين الله – سبحانه – وبين الجنة نسبا . وأن له – سبحانه – منهم صاحبة . ولدت له الملائكة ! وعبدوا الجن أيضا .. قال الكلبى فى كتاب الأصنام : كانت بنو مليح من خزاعة يعبدون الجن (1).

وجاء فى القرآن الكريم عن هذه الأسطورة :

فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمْ الْبَنُونَ(149)أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ(150)أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ(151)وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ(152)أَاصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ(153)مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ(154)أَفَلَا تَذَكَّرُونَ(155)أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ(156)فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ(157)وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتْ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ(158) سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ..

وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ(40)قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ …

وشاعت بينهم عبادة الأصنام إما بوصفها تماثيل للملائكة ، وإما بوصفها تماثيل للأجداد ، وإما لذاتها ، وكانت الكعبة التى بنيت لعباده الله الواحد ، تعج بالأصنام ، إذ كانت تحتوى على ثلاثمائة وستين صنما . غير الأصنام الكبرى فى جهات متفرقة . ومنها ما ذكر فى القرآن بالاسم كاللات والعزى ومناة . ومنها هبل الذى نادى أبوسفيان باسمه يوم أحد قائلا : اعلُ هبل ‍.

ومما يدل على أن اللات والعزى ومناة كانت تماثيل للملائكة ما جاء فى القرآن فى سورة النجم :

أَفَرَأَيْتُمْ اللَّاتَ وَالْعُزَّى(19)وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى(20)أَلَكُمْ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنثَى(21)تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى(22)إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمْ الْهُدَى(23) أَمْ لِلْإِنسَانِ مَا تَمَنَّى(24)فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى(25)وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى(26)إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى(27)وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئًا ..

وانحطت عبادة الأصنام فيهم حتى كانوا يعبدون جنس الحجر ‍.

روى البخارى عن أبى رجاء العطاردى قال : (كنا نعبد الحجر . فإذا وجدنا حجرا هوخير منه ألقيناه وأخذنا بالأخر ‍‍‍. فإذا لم نجد جمعنا حثوة من تراب ، ثم جئنا بالشاة فحلبنا عليه ، ثم طفنا به)(1) .

وقال الكلبى فى كتاب الأصنام : كان الرجل إذا سافر فنزل منزلا أخذ أربعة أحجار فنظر إلى أحسنها ، فجعله ربا ، وجعل ثلاث أثافى لقدره . وإذا ارتحل تركه (2) . وعرفوا عبادة الكواكب – كما عرفها الفرس من بين عباداتهم – قال صاعد : كانت حمير تعبد الشمس . وكنانة القمر . وتميم الدبران . ولخم وجذام المشترى وطيئ سهيلا . وقيس الشعرى العبور . وأسد عطارد (3) .

وقد جاء عن هذا فى سورة فصلت :

لا تسجدوا لشمس ولا للقمر ، واسجدوا لله الذى خلقهن إن كنتم إياه تعبدون .

وجاء فى سورة النجم :

وأنه هو رب الشعرى …

وكثرت الإشارات إلى خلق النجوم والكواكب وربوبية الله سبحانه لها كبقية خلائقه . وذلك لنفى ألوهية الكواكب وعبادتها …

وعلى العموم فقد تغلغلت عقائد الشرك فى حياتهم . فقامت على أساسها الشعائر الفاسدة ، التى أشار إليها القرآن الكريم فى مواضع كثيرة .. من ذلك جعلهم بعض ثمار الزروع ، وبعض نتاج الأنعام خاصا بهذه الالهة المدعاة ، لا نصيب فيه لله – سبحانه – وأحيانا يحرمونها على أنفسهم . أو يحرمون بعضها على إناثهم دون ذكورهم . أو يمنعون بعض الأنعام على الركوب أو الذبح وأحيانا يقدمون أبناءهم ذبائح لهذه الآلهة فى نذر . كالذى روى عن نذر عبد المطلب أن يذبح ابنه العاشر ، إن وهب عشرة أبناء يحمونه ، فكان العاشر عبد الله .. ثم افتداه من الآلهة بمئة ناقة ، .. وكان أمر الفتوى فى هذه الشعائر كلها للكواهن والكهان ‍.

وفى هذا يقول القرآن الكريم :

وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنْ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ(136)وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ(137)وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ(138)وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ(139)قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمْ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ ..

وكانت فكرة التوحيد الخالص هى أشد الأفكار غرابة عندهم ، هى وفكرة البعث سواء . ذلك مع اعترافهم بوجود الله – سبحانه وتعالى – وأنه الخالق للسماوات والأرض وما بينهما . ولكنهم ما كانوا يريدون أن يعترفوا بمقتضى الوحدانية هذه وهو أن يكون الحكم لله وحده فى حياتهم وشؤونهم ، وأن يتلقوا منه وحده الحلال والحرام ، وأن يكون إليه وحده مرد أمرهم كله فى الدنيا والآخرة . وأن يتحاكموا فى كل شئ إلى شريعته ومنهجه وحده .. الأمر الذى لا يكون بغيره دين ولا إيمان . يدل على ذلك ما حكاه القرآن الكريم من معارضتهم الشديدة لهاتين الحقيقتين :

وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ(4)أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ(5)وَانطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنْ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ(6) مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ .

وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ(7)أَافْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ ..

هذه هى الصورة الشائهة للتصورات فى الجزيرة العربية نضيفها الى ذلك الركام من بقايا العقائد السماوية المنحرفة ، التى كانت سائدة فى الشرق والغرب ، يوم جاء الإسلام ، فتتجمع منها صورة مكتملة لذلك الركام الثقيل ، الذى ان يجثم على ضمير البشرية فى كل مكان ، والذى كانت تنبثق منه أنظمتهم وأوضاعهم وآدابهم وأخلاقهم كذلك (1) .

ومن ثم كانت عناية الإسلام الكبرى موجهة إلى تحرير أمر العقيدة ، وتحديد الصورة الصحيحة التى يستقر عيها الضمير البشرى فى حقيقة الألوهية ، وعلاقتها بالخلق وعلاقة الخلق بها ، .. فتستقر عليها نظمهم وأوضاعهم ، وعلاقاتهم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ، وآدابهم وأخلاقهم كذلك، فما يمكن أن تستقر هذه الأمور كلها ، إلا أن تستقر حقيقة الألوهية ، وتتبين خصائصها واختصاصاتها. وعنى الإسلام عناية خاصة بإيضاح طبيعة الخصائص والصفات والإلهية المتعلقة بالخلق والإرادة والهيمنة والتدبير .. ثم بحقيقة الصلة بين الله والإنسان .. فلقد كان معظم الركام فى ذلك التيه الذى تخبط فيه العقائد والفلسفات ، مما يتعلق بها الأمر الخطير الأثر فى الضمير البشرى وفى الحياة الإنسانية كلها .

ولقد جاء الإسلام – وهذا ما يستحق الانتباه والتأمل – بما يعد تصحيحا لجميع أنواع البلبلة، التى وقعت فيها الديانات المحرفة ، والفلسفات الخابطة فى الظلام . وما يعد ردا على جميع الانحرافات والأخطاء التى وقعت فيها تلك الديانات والفلسفات . سواء ما كان منها قبل الإسلام وما جد بعده كذلك .. فكانت هذه الظاهرة العجيبة إحدى الدلائل على مصدر هذا الدين .. المصدر الذى يحيط بكل ما هجس فى خاطر البشرية وكل ما يهجس ، ثم يتناوله بالتصحيح والتنقيح !

والذى يراجع ذلك الجهد المتطاول الذى بذله الإسلام لتقرير كلمة الفصل فى ذات الله – سبحانه – وفى صفاته . وفى علاقته بالخلق وعلاقة الخلق به .. ذلك الجهد الذى تمثله النصوص الكثيرة – كثرة ملحوظة – فى القرآن المكى بصفة خاصة ، وفى القرآن كله على وجه العموم ..

الذى يراجع ذلك الجهد المتطاول ، دون أن يراجع ذلك الركام الثقيل فى ذلك التيه الشامل ، الذى كانت البشرية كلها تخبط فيه ، والذى ظلت تخبط فيه أيضا كلما انحرفت عن منهج الله أو صدت عنه ، واتبعت السبل ، فتفرقت بها عن سبيله الواحد المستقيم .

الذى يراجع ذلك الجهد ، دون أن يراجع ذلك الركام ، قد لا يدرك مدى الحاجة إلى كل هذا البيان المؤكد المكرر فى القرآن ، وإلى هذا التدقيق الذى يتتبع كل مسالك الضمير وكل مسالك الحياة .

ولكن مراجعة ذلك الركام تكشف عن ضرورة ذلك الجهد ، كما تكشف عن عظمة الدور الذى جاءت هذه العقيدة لتؤدية فى تحرير الضمير البشرى واعتاقه ، وفى تحرير الفكر البشرى وإطلاقه، وفى تحرير الحياة ، والحياة تقوم على أساس التصور الاعتقادى كيفما كان .

عندئذ ندرك قيمة هذا التحرر فى إقامة الحياة على منهج سليم قويم ، يستقيم به أمر الحياة البشرية ، وتنجو به الفساد والتخبط ومن الظلم أو الاستذلال .. وندرك قيمة قول عمر – رضى الله عنه – ينقض الإسلام عروة عروة من نشأ فى الإسلام ولم يعرف الجاهلية .. فالذى يعرف الجاهلية هو الذى يدرك قيمة الإسلام ، ويعرف كيف يحرص على رحمة الله المتمثلة فيه، ونعمة الله المتحققة به.

إن جمال هذه العقيدة وكمالها وتناسقها ، وبساطة الحقيقة الكبيرة التى تمثلها .. إن هذا كلة لا يتجلى للقلب والعقل ، كما يتجلى من مراجعة ركام الجاهلية – السابقة للإسلام واللاحقة – عندئذ تبدو هذه العقيدة رحمة .. رحمة حقيقية .. رحمة للقلب والعقل . ورحمة بالحياة والأحياء . رحمة بما فيها من جمال وبساطة ، ووضوح وتناسق ، وقرب وأنس ، وتجاوب مع الفطرة مباشرة عميق ..

وصدق الله العظيم :

أفمن يمشى مكبا على وجهه أهدى ؟ أم من يمشى سويا على صراط مستقيم؟ .

خصائص التصور الإسلامى

صبغة الله ومن أحسن الله صبغة؟

للتصور الإسلامى خصائصه المميزة ، التى تفرده من سائر التصورات ، وتجع له شخصيته المستقلة ، وطبيعته الخاصة ، التى لا تتلبس بتصور آخر ، ولا تستمد من تصور آخر .

هذه الخصائص تتعدد وتتوزع ، ولكنها تتضام وتتجمع عند خاصية واحدة ، هى التى تنبثق منها وترجع إليه سائر الخصائص .. خاصية الربانية ..

إنه تصور ربانى . جاء من عند الله بكل خصائصه ، وبكل مقوماته ، وتلقاه الإنسان كاملا بخصائصه هذه ومقوماته ، لا ليزيد عليه من عنده شيئا ، ولا لينقص كذلك منه شيئا ، ولكن ليتكيف هو به وليطبق مقتضياته فى حياته ..

وهو – من ثم – تصور غير متطور فى ذاته ، إنما تتطور البشرية فى إطاره ، وترتقى فى إدراكه وفى الاستجابة له . وتظل تتطور وتترقى ، وتنمو وتتقدم ، وهذا الإطار يسعها دائما ، وهذا التصور يقودها دائما . لأن المصدر الذى أنشأ هذا التصور ، هو نفسه المصدر الذى خلق الإنسان ، هو الخالق المدبر ، الذى يعلم طبيعة هذا الإنسان ، وحاجات حياته المتطورة على مدى الزمان . وهو الذى جعل فى هذا التصور من الخصائص ما يلبى هذه الحاجات المتطورة فى داخل هذا الإطار .

وإذا كانت التصورات والمذاهب والأنظمة التى يضعها البشر لأنفسهم – فى معزل عن هدى الله – تحتاج دائما إلى التطور فى أصولها ، والتحور فى قواعدها ، والانقلاب أحيانا عليها كلها حين تضيق عن البشرية فى حجمها المتطور ! وفى حاجاتها المتطورة .. إذا كانت تلك التصورات والمذاهب والأنظمة التى هى من صنع البشر ، تتعرض لهذا وتحتاج إلي ، فذلك لأنها من صنع البشر ! البشر القصار النظر ! الذين لا يرون إلا ما هو مكشوف لهم من الأحوال والأوضاع والحاجات فى فترة محدودة من الزمان ، وفى قطاع خاص من الأرض .. رؤية فيها – مع هذا – قصور الإنسان وجهل الإنسان ، وشهوات الإنسان ، وتأثرات الإنسان .. فأما التصور الإسلامى – بربانيته – فهو يخالف فى أصل تكوينه وفى خصائصه ، تلك التصورات البشرية ، ومن ثم لا يحتاج – فى ذاته – إلى التطور والتغير .. الذى وضعه يرى بلا حدود من الزمان والمكان . ويعلم بلا عوائق من الجهل والقصور . ويختار بلا تأثر من الشهوات والانفعالات . ومن ثم يضع للكينونة البشرية كلها ، فى جميع أزمانها وأطوارها .. أصلا ثابتا تتطور هى فى حدوده وترتقى ، وتنمو وتتقدم دون أن تحتك بجدران هذا الإطار !

إن الحركة قانون من قوانين هذا الكون – فيما يبدو – وهى كذلك قانون الحياة البشرية – بوصفها قطاعا من الحياة الكونية – ولكنها ليست حركة مطلقة من كل قيد ، وليست حركة بغير ضابط ولا نظام . فلكل نجم ولكل كوكب فلكه ومداره ، وله كذلك محوره الذى يدور عليه فى هذا المدار . وكذلك الحياة البشرية لابد لها من محور ثابت ، ولا بد من فلك تدور فيه ، وإلا انتهت إلى الفوضى وإلى الدمار ، كما لو انفلت نجم من مداره ، أو ظل يغير محوره بلا ضابط ولا نظام ومن ثم كان هذا التصور الربانى ثابتا ، لتدور الحياة البشرية حوله ، وتتحرك فى إطاره . وهو مصنوع بحيث يسعها دائما ويشدها دائما . وهى تنمو وترتقى . وهى تتطور وتتحرك إلى الأمام .

وهو – من ثم – كامل متكامل . لا يقبل تنمية ولا تكميلا ، كما لا يقبل قطع غير من خارجه ، فهو من صنعة اله ، فلا يتناسق معه ما هو من صنعة غيره . والإنسان لا يملك أن يضيف إليه شيئا ، ولا يملك أن يعدل فيه شيئا . إنما هو جاء لضيف إلى الإنسان . لينميه ويعدله ويطوره ويدفع به دائماً إلى الأمام .. جاء ليضيف إلى قلبه وعقله ، وإلى حياته وواقعه . جاء ليوقظ كل طاقات الإنسان واستعداداته ، ويطلقها تعمل فى إيجابية كاملة ، وفى ضبط كذلك وهداية ، وتؤتى أقصى ثمراتها الطيبة، مصونة من التبدد فى غير ميدانها ، ومن التعطل عن إبراز مكنونها ، ومن الانحراف عن طبيعتها ووجهتها ، ومن الفساد بأى من عوامل الفساد .. وهو لا يحتاج – فى هذا كله – إلى استعارة من خارجه ، ولا إلى دم غير دمه ! ولا إلى منهج غير منهجه . بل إنه ليحتم أن يتفرد هو فى حياة البشر ، بمفهوماته وإيحاءاته ومنهجه ووسائله وأدواته . كى تتناسق حياة البشر مع حياة الكون – الذى تعيش فى إطاره – ولا تصطدم حركتها بحركة الكون فيصيبها العطب والدمار !

وهو – من ثم – شامل متوازن منظور فيه إلى كل جوانب الكينونة البشرية أولا .

ومنظور فيه إلى توازن هذه الجوانب وتناسقها أخيرا . ومنظور فيه كذلك إلى جميع أطوار الجنس البشرى ، وإلى توازن هذه الأطوار جميعا . بما أن صانعه هو صانع هذا الإنسان .. الذى خلق ، والذى يعلم من خلق ، وهو اللطيف الخبير . فليس أمامه – سبحانه – مجهول بعيد عن آفاق النظر من حياة هذا الجنس ، ومن كل الملابسات التى تحيط بهذه الحياة .. ومن ثم فقد وضع له التصور الصحيح الشامل لكل جوانب كينونته ، ولكل أطوار حياته .. المتوازن مع كل جوانب كينونته ومع كل أطوار حياته . الواقعى المتناسق مع كينونته ومع كل ظروف حياته .

وهو – من ثم – الميزان الوحيد الذى يرجع إليه الإنسان فى كل مكان وفى كل زمان ، بتصوراته وقيمه ، ومناهجه ونظمه ، وأوضاعه وأحواله ، وأخلاقه وأعماله .. ليعلم أين هو من الحق. وأين هو من الله ، وليس هنالك ميزان آخر يرجع إليه ، وليس هنالك مقررات سابقة ولا مقررات لاحقة يرجع إليها فى هذا الشأن .. إنما هو يتلقى قيمة وموازينه من هذا التصور ، ويكيف بها عقله وقلبه ، ويطبع بها شعوره وسلوكه ، ويرجع فى كل أمر يعرض له إلى ذلك الميزان

فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا .

وفى خاصية التصور الإسلامى الأساسية – التى تحدد طبيعته – وفى سائر الخصائص التى تنبثق منها .. يرى بوضوح تفرد هذا التصور ، وتميز ملامحه ، ووضوح شخصيته بحيث يصبح من الخطأ المنهجى الأصيل محاولة استعارة أى ميزان ، أو أى منهج من مناهج التفكير المتداولة فى الأرض – فى عالم البشر – للتعامل بها مع هذا التصور الخاص المستقل الأصيل . أو الاقتباس منها والإضافة إلى ذلك التصور الربانى الشامل .

وسنرى هذا بوضوح كلما تقدمنا فى هذا البحث . فنكتفى الآن بتقرير هذه القاعدة التى لابد من مراعاتها جيدا فى كل بحث إسلامى ، فى أى قطاع من قطاعات الفكر الإسلامية أو المنهج الإسلامى .. فهذا هو مفرق الطريق ..

والآن فلننظر فى هذه الخاصية الأساسية ، وفى الخصائص التى تنبثق منها ، بشئ من البيان والتفصيل ..

الربانية

القسم الأول

قل : إننى هدانى ربى إلى صراط مستقيم

الربانية أولى خصائص التصور الإسلامى ، ومصدر هذه الخصائص كذلك .. فهو تصور اعتقادى موحى به من الله – سبحانه – ومحصور فى هذا المصدر لا يستمد من غيره .. وذلك تمييزا من التصورات الفلسفية التى ينشئها الفكر البشرى حول الحقيقة الإلهية ، أو الحقيقة الكونية ، أو الحقيقة الإنسانية ، والارتباطات القائمة بين هذه الحقائق ، وتمييزا له كذلك من المعتقدات الوثنية ، التى تنشئها المشاعر والأخيلة والأوهام والتصورات البشرية .

ويستطيع الإنسان أن يقول – وهو مطمئن – : إن التصور الإسلامى هو التصور الاعتقادى الوحيد الباقى بأصله الربانى وحقيقته الربانية . فالتصورات الاعتقادية السماوية ، التى جاءت بها الديانات قبله ، قد دخلها التحريف – فى صورة من الصور – كما رأينا . وقد أضيفت إلى أصول الكتب المنزلة ، شروح وتصورات وتأويلات وزيادات ، ومعلومات بشرية ، أدمجت فى صلبها ، فبدلت طبيعتها الربانية . وبقى الإسلام – وحده – محفوظ الأصول ، لم يشب نبعه الأصيل كدر ، ولم يلبس فيه الحق بالباطل . وصدق وعد الله فى شأنه :

إنا نحن نزلنا الذكر ، وإنا له لحافظون

وهذه الحقيقة المسلمة ، التى تجعل لهذا التصور قيمتة الفريدة .

ومفرق الطريق بين التصور الفلسفى والتصور الاعتقادى – بصفة عامة – أن التصور الفلسفى ينشأ فى الفكر البشرى – من صنع هذا الفكر – لمحاولة تفسير الوجود وعلاقة الإنسان به . ولكنه يبقى فى حدود المعرفة الفكرية الباردة . أما التصور الاعتقادى – فى عمومه – فهو تصور ينبثق فى الضمير ، ويتفاعل مع المشاعر ، ويتلبس بالحياة . فهو وشيجة حية بين الإنسان والوجود . أو بين الإنسان وخالق الوجود.

ثم يتميز التصور الإسلامى بعد ذلك عن التصور الاعتقادى – فى عمومه – بأنه – كما أسلفنا – تصور ربانى ، صادر من الله للإنسان . وليس من صنع الإنسان . تتلقاه الكينونة الإنسانية بجملتها من بارئها . وليست الكينونة الإنسانية هى التى تنشئه ، كما تنشئ التصور الوثنى ، أو التصور الفلسفى – على اختلاف ما بينهما -وعمل الإنسان فيه هو تلقيه وإدراكه والتكيف به ، وتطبيق مقتضياته فى الحياة البشرية .

وينص المصدر الإلهى الذى جاءنا بهذا التصور – وهو القرآن الكريم – على أنه كله من عند الله ، هبه للإنسان من لدنه ، ورحمة له من عنده . وأن الفكر البشرى – ممثلا ابتداءً فى فكر الرسول – صلى الله عليه وسلم – أو فكر الرسل كلهم – باعتبار أنهم جميعا أرسلوا بهذا التصور فى أصله – لم يشارك في إنشائه ، وإنما تلقاه تلقيا ، ليهتدى به ويهدى . وأن هذه الهداية عطية من الله كذلك ، يشرح لها الصدور . وأن وظيفة الرسول – أى رسول – فى شأن هذا التصور ، هى مجرد النقل الدقيق ، والتبليغ الأمين ، وعدم خلط الوحى الذى يوحى إليه من عند الله بأى تفكير بشرى – أو كما يسميه الله سبحانه بالهوى ! أما هداية القلوب به ، وشرح الصدور له ، فأمر خارج عن اختصاص الرسول ، ومرده إلى الله وحده فى النهاية :

وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ(52) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ …

وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى(1)مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى(2)وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى(3)إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ….

وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ(44)لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ(45)ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ(46)فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ …

يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ …

إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ …

فَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ ….

وهذا التوكيد على مصدر هذا التصور ، هو الذى يعطيه قيمته الأساسية ، وقيمته الكبرى .. فهو وحده مناط الثقة فى أنه التصور المبرأ من النقص ، المبرأ من الجهل ، المبرأ من الهوى .. هذه الخصائص المصاحبة لكل عمل بشرى ، والتى نراها مجسمة فى جميع التصورات التى صاغها البشر ابتداء من وثنيات وفلسفات . أو التى تدخل فيها البشر من العقائد السماوية السابقة ! وهو كذلك مناط الضمان فى أنه التصور الموافق للفطرة الإنسانية ، الملبى لكل جوانبها ، المحقق لكل حاجاتها ، ومن ثم فهو التصور الذى يمكن أن ينبثق منه ، ويقوم عليه ، أقوم منهج للحياة وأشمله .

ولكن إذا كان الفكر البشرى لم ينشئ هذا التصور ، فإنه ليس منفيا من مجاله ، ولا محظورا عليه العمل فيه ، بيد أن عمله هو التلقى والإدراك والتكيف والتطبيق فى واقع الحياة .. غير أن القاعدة المنهجية الصحيحة للتلقى – كما أشرنا فى كلمة عن المنهج – هى هذه .. إنه ليس للفكر البشرى أن يتلقى هذا التصور بمقررات سابقة ، يستمدها من أى مصدر آخر ، أو يستمدها من مقولاته هو نفسه ، ثم يحاكم إليها هذا التصور ، ويزنه بموازينها .. إنما هو يتلقى موازينه ومقرراته من هذا التصور ذاته ، ويتكيف به ، ويستقيم على منهجه كما يتلقى الحقائق الموضوعية فى هذا التصور من المصدر الإلهى الذى جاء بها ، لا من أي مصدر آخر خارجه . ثم هو الميزان الذى يرجع بكافة ما يعين له ، من مشاعر وأفكار وقيم وتصورات ، فى مجرى حياته الواقعية كذلك . ليرفعها عنده ، ويعرف حقها من باطلها ، وصحيحها ، وصحيحها من زائفها :

فإن تنازعتم فى شئ فردوه إلى الله والرسول ..

وفى الوقت ذاته يعتبر الفكر البشرى – فى ميزان هذا التصور – أداة قيمة وعظيمة ، يوكل إليها إدراك خصائص هذا التصو ومقوماته – مستقاه من مصدرها الإلهى – وتحكيمها فى كل ما حوله من القيم والأوضاع . دون زيادة عليها من خارجها ، ودون نقص كذلك منها .. ويبذل منهج التربية الإسلامى لهذه الأداة العظيمة من الرعاية والعناية ، لتقويمها وتسديدها وأبتعثها للعمل ، فى كل ميدان هى مهيأة له .. الشئ الكثير(1) .

على أن الفكر ليس وحده الذى يتلقى هذا التصور . إنما هو يشارك فى تلقيه ، فميزة هذا التصور – المنبثقة من خاصية الربانية – أنه يلبى الكينونة الإنسانية بجملتها .. ويدخل كذلك فى دائرة إدراكها .. والذى لا تدركه منه إدراك ماهية وحقيقة ، أو إدراك علية أو كيفية .. لا يتعذر عليه التسليم به فى طمأنينة . لأنه داخل فى مفهوم منطقها المعقول . منطقها الذى يسلم بالحقيقة البسيطة : حقيقة أن المجال الذى يتناوله هذا التصور – بما فيه من حقيقة الذات الإلهية وصفاتها ، ومن تعلق إرادة الله بالخلق وكيفيته – أكبر وأوسع من الكينونة الإنسانية بجملتها . فهو مجال السرمدية الأزلية الأبدية الكلية المطلقة . والكينونة الإنسانية – ككل ما هو مخلوق حادث – متحيزة فى حدود من الزمان والمكان ، لا تملك مجاوزتها على الإطلاق ، ولا تملك من باب أولى الإحاطة بالكلى المطلق بأى حال .

يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنْ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ …

لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ …

ومن ثم فلا قدرة للكينونة البشرية بجملتها – لا الفكر وحده – على العمل خارج هذه الحدود . إنما وظيفتها أن تتلقى من الذات الإلهية المطلقة المحيطة بالوجود . وأن تتلقى فى حدود طبيعة الإنسان، وفى حدود وظيفته .

ونزيد هذه الجملة الأخيرة إيضاحا .. فالإنسان محكوم أولا ، بطبيعته : طبيعة أنه مخلوق حادث . ليس كليا ولا مطلقا . ليس أزليا ولا أبديا . ومن ثم فإن إدراكه لابد أن يكون محدودا بما تحده به طبيعته .. ثم هو محدود بوظيفته . وظيفة الخلافة فى الأرض لتحقيق معنى العبادة لله فيها – كما سيجئ – ومن ثم فقد وهب من الإدراك ما يناسب هذه الخلافة . بلا نقص ولا زيادة . وهناك أمور كثيرة لا يحتاج إليها فى وظيفته هذه . ومن ثم لم يوهب القدرة على إدراكها – إدراك ماهية أو إدراك كيفية – وإن كان موهوبا أن يدرك إمكانها وأن يحيل هذا على معرفته بطلاقة المشيئة الإلهية من ناحية ، ومن ناحية أخرى على معرفته بأنه هو مخلوق حادث ، غير كلى ولا مطلق ، فلا يمكن – من ثم – أن يحيط بخصائص الأزلى الأبدى ، الذى هو بكل شئ محيط .

والقرآن الكريم يشير إلى بعض هذه الجوانب ، التى لم يزود الإنسان بالقدرة على الإحاطة بها .. بماهيتها أو بكيفيتها .. إما لأنها لا تدخل فى حدود طبيعة البشرية المحدودة وإما لأنها لا تلزم له النهوض بوظيفته المحددة كذلك ..كما يشير إلى طريقة الفطرة السليمة المؤمنة فى تلقى هذه الجوانب المنحرفة الزائغة .

من هذه الجوانب مسألة كنه الذات الإلهية .. فالكينونة الإنسانية لا تدركها وليس مما تعرفه شئ يماثلها فيمكن أن تقابلها به ، وتقيسها عليه :

لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ ..

فلا تضربوا لله الأمثال ..

ومنها مسألة المشيئة الإلهية وكيفية تعلقها بالخلق :

قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِي الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ ..

قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ..

هكذا دون للبيان للكيفية ، لأنها فوق إدراك الكينونة البشرية . وكل من أراد من البشر بيان الكيفية تخبط وخلط ، لأنه قاسها على كيفيات عمل الإنسان ، وشتان شتان(1)!

ومنها مسألة الروح – سواء كان المقصود بها :

الحياة أو جبريل أو الوحى :

ويسألونك عن الروح . قل : الروح من أمر ربى . وما أوتيتم من العلم إلا قليلا

ومنها مسألة الغيب المحجوب عن العلم البشري إلا بالقدر الذي يأذن به الله لمن يشاء

وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ

عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا(26)إِلَّا مَنْ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ

قل : لا أقول لكم عندى خزائن الله ولا أعلم الغيب ..

وما تدرى نفس ماذا تكسب غدا ، وما تدرى نفس بأى ارض تموت …

ومن هذا الغيب خاصة مسألة موعد الساعة :

إن الله عنده علم الساعة …

يَسْأَلُونَكَ عَنْ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا(42)فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا(43)إِلَى رَبِّكَ مُنتَهَاهَا(44)إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا(45)كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا …

بل تأتيهم بغتة فتبهتهم ، فلا يستطيعون ردها ولا هم ينظرون …

ويبين الله – سبحانه – كيف ينبغى تلقى هذه وأمثالها ، مما هو فوق مدركات الكينونة البشرية:

هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُوْلُوا الْأَلْبَابِ(7)رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ .

وفيما عدا هذه الجوانب فإن الفكر البشرى – أو الادراك البشرى بتعبير أشمل – مدعو للتدبر والتفكر ، والنظر والاعتبار ، والتكيف والتأثر ، والتطبيق ، فى عالم الضمير وعالم الواقع ، لمقتضيات هذا التصور ، والإيجابية فى العمل والتنفيذ وفق هذا التصور الشامل الكبير .وما من دين احتفل بالإدراك البشرى ، وإيقاظه ، وتقويم منهجه فى النظر ، واستجاشته للعمل ، وإطلاقه من قيود الوهم والخرافة ، وتحريره من قيود الكهانة والأسرار المحظورة . ! وصيانته فى الوقت ذاته من التبديد فى غير مجال ومن الخبط فى التيه بلا دليل .. ما من دين فعل ذلك كما فعله الإسلام ..

وما من دين وجه النظر إلى سنن الله فى الأنفس والآفاق ، وإلى طبيعة هذا الكون وطبيعة هذا الإنسان ، وإلى طاقاته المذخورة وخصائصه الإيجابية ، وإلى سنن الله فى الحياة البشرية معروضة فى سجل التاريخ .. ما من دين وسع على الإدراك فى هذا كله ما وسع الإسلام .

فى تربية الإدراك وتقويمه وتقويم منهج النظر والحكم :

ولا تقف ما ليس لك به علم . إن السمع والبصر والفؤاد . كل أولئك كان عنه مسؤولا …

يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم .

وما يتبع أكثرهم إلا ظنا ، إن الظن لا يغنى من الحق شيئا …

ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون …

وفى النظر فى آيات الله فى الأنفس والآفاق :

قل : انظروا ماذا فى السماوات والأرض …

وفى الأرض آيات للموقنين ، وفى أنفسكم . أفلا تبصرون؟

سنريهم آياتنا فى الآفاق وفى أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق …

وفى النظر إلى سنن الله فى الحياة البشرية وفى مصائر من قبلهم ودلالتها التاريخية :

قل : سيروا فى الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة . إن الله على كل شئ قدير …

أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ(9) ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوءَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُون …

أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ …

وأمثال هذه التوجيهات كثير كثرة ملحوظة فى القرآن الكريم ، يتكون منها منهج كامل لتربية الإدراك البشرى وتقويمه وتوجيهه (1) . وستأتى منه نماذج كثيرة فى الفصول التالية .

على أن الله ، فاطر هذا الإنسان ، العالم بحقيقة طاقاته ، كان يعلم أنه بقدر ما وهبه من القدرة على إدراك قوانين المادة ، والتعرف إلى طاقات الكون فى هذا المجال ، لتسخيرها فى الخلافة .. بقدر ما زوى عنه من أسرار الحياة – كنهها وكيفية وجودها وتصرفها – وأسرار تكوينه الروحى والعقلى . وحتى تكوينه الجسمى المتصل بنشاطه الروحى والعقلى لا يزال معظمه خافيا على علمه وإدراكه ، على نحو ما كشف لنا فى القرن العشرين عالم من أكبر العلماء المتخصصين فى إخلاص وصراحة ، وهو الدكتور الكسيس كاريل فى كتابه : الإنسان ذلك المجهول وهو يقول :

… لقد بذل الجنس البشرى مجهودا جبارا لكى يعرف نفسه . ولكن بالرغم من أننا نملك كنزا من الملاحظة التى كدسها العلماء والفلاسفة والشعراء وكبار العلماء الروحانيين فى جميع الأزمان ، فإننا استطعن أن نفهم جوانب معينة فقط من أنفسنا .. إننا لا نفهم الإنسان ككل .. إننا نعرفه على أنه مكون من أجزاء مختلفة . وحتى هذه الأجزاء ابتدعتها وسائلنا ! فكل واحد مكون من موكب من الأشباح ، تسير فى وسطها حقيقة مجهولة !

وواقع الأمر أن جهلنا مطبق . فأغلب الأسئلة التى يلقيها على أنفسهم أولئك الذين يدرسون الجنس البشرى تظل بلا جواب ، لأن هناك مناطق غير محدودة فى دنيانا الباطنية ما زالت غير معروفة.. فنحن لا نعرف – حتى الآن – الإجابة على أسئلة كثيرة مثل :

  • كيف تتحد جزيئات المواد الكيماوية لكى نكون المركب والأعضاء المؤقتة للخلية .
  • كيف تقرر الجينس – وحدات الوراثة – الموجودة فى نواة البويضة الملقحة صفات الفرد المشتقة من هذه البويضة ؟
  • كيف تنتظم الخلايا فى جماعات من تلقاء نفسها ، مثل الأنسجة والأعضاء ؟ فهى كالنمل والنحل تعرف مقدما الدور الذى قدر لها أن تلعبه فى حياة المجموع وتساعدها العمليات الميكانيكية الخفية على بناء جسم بسيط ومعقد فى الوقت ذاته .
  • ما هى طبيعة تكويننا النفسانى والفسيولوجى ؟ إننا نعرف أننا مركب من الأنسجة والأعضاء، والوسائل ، والشعور ولكن العلاقات بين الشعور والمخ ما زالت لغزا .
  • إننا ما زلنا بحاجة إلى معلومات كاملة تقريبا عن فسيولوجية الخلايا العصبية .. إلى أى مدى تؤثر الإرادة فى الجسم ؟ كيف يتأثر العقل بحالة الأعضاء ؟ على أى وجه تستطيع الخصائص العضوية والعقلية ، التى يرثها كل فرد ، أن تتغير بواسطة طريقة الحياة ، والمواد الكيماوية الموجودة فى الطعام ، والمناخ ، والنظم النفسية والأدبية ؟
  • إننا ما زلنا بعيدين جدا من معرفة ماهية العلاقات الموجودة بين الهيكل العظمى والعضلات والأعضاء ، ووجوه النشاط العقلى والروحى .. وما زلنا نجهل العوامل التى تحدث التوازن العصبى ، ومقاومة التعب ، والكفاح ضد الأمراض .
  • إننا لا نعرف كيف يمكن أن يزداد الإحساس الأدبى ، وقوة الحكم ، والجرأة .
  • ولا ما هى الأهمية النسبية للنشاط العقلى الأدبى .. كذا النشاط الدينى .
  • أى شكل من أشكال النشاط مسؤول عن تبادل الشعور والخواطر ؟
  • لا شك مطلقا فى أن عوامل فسيولوجية وعقلية معينة هى التى تقرر السعادة أو التعاسة .. النجاح أو الفشل .. ولكننا لا نعرف ما هى هذه العوامل .
  • إننا لا نستطيع أن نهب أى فرد ذلك الاستعداد لقبول السعادة بطريقة صناعية وحتى الآن فإننا لا نعرف : أى البيئات أكثر صلاحية لإنشاء الرجل المتمدن وتقدمه ..
  • هل فى الإمكان كبت روح الكفاح والمجهود ، وما قد نحس به من عناء بسبب تكويننا الفسيولوجى والروحى ؟
  • كيف نستطيع أن نحول دون تدهور الإنسان وانحطاطه فى المدنية العصرية ؟

بالنسبة لنا . ولكنها ستظل جميعا بلا جواب .. فمن الواضح أن جميع ما حققه العلماء من تقدم فيما يتعلق بدراسة الإنسان ما زال غير كاف ، وأن معرفتنا بأنفسنا ما زالت بدائية فى الغالب(1) ..

هذا هو مدى جهلنا بحقيقة الإنسان – إحدى الحقائق التى يتألف منها التصور الاعتقادى الشامل – بل جهلنا بأصغر وأظهر جانب من جوانب هذه الحقيقة .. كما يقرره عالم من أكبر العلماء فى القرن العشرين ، غير متهم فى علمه ، وغير منازع فى مكانته فى العالمين : القديم والجديد !

أما أسباب هذا الجهل ، من وجهة نظره القائمة على المنهج العلمى كما هو معروف فى الغرب ، وعلى انطباعاته فى جو بيئته الغربية وفى جو البحث العلمى ، وفى حدود العلم كما يقرر هو فى مقدمة الكتاب .. أما أسباب هذا الجهل من وجهة نظره هذه التى نوافقه فى بعضها . فهى كما يقول :

قد يعزى جهلنا فى الوقت ذاته ، إلى طريقة حياة أجدادنا . وإلى طبيعتنا المعقدة . وإلى تركيب عقلنا … .

ويتحدث عن السببين الأولين حديثا دقيقا ، ولكنه لا يعنينا هنا . فننتقل إلى حديثه عن السبب الثالث :

وثم سبب أخر للبطء الذى اتسمت به معرفتنا لأنفسنا . وذلك أن تركيب عقولنا نبتهج بالتفكير فى الحقائق البسيطة . إذا أننا نشعر بضرب من النفور حين نضطر إلى تولى حل مشكلة معقدة مثل : تركيب الكائنات الحية والإنسان .. فالعقل – كما يقول برجسون – يتصف بعجز طبيعى عن فهم الحياة .. وبالعكس فإننا نحب أن نكتشف ، فى جميع العوالم ، تلك الأشكال الموجودة فى أعماق شعورنا .. إن دقة النسب البادية فى تماثيلنا وإتقان آلاتنا يعبران عن صفة أساسية لعقلنا .. فالهندسة غير موجودة فى دنيانا ، وإنما أنشأناها نحن . إذ أن وسائل الطبيعة لا تكون أبدا بالدقة التى تتصف بها وسائل الإنسان . فنحن لا نجد فى العالم ذلك الوضوح وتلك الظواهر ، وبعض النظم البسيطة التى تحمل عناصر ، لإحداها بالأخرى علاقات معينة ، تكون قابلة للوصف حسابيا .. وقدرة الاستخلاص هذه التى يتمتع بها العقل البشرى ، مسؤولة عن ذلك التقدم الرائع الذى أحرزه علماء الطبيعة والكيمياء ..

ولقد لقيت الدراسة الطبيعية – الكيماوية للكائنات الحية نجاحا مماثلا . فقوانين الطبيعة والكيمياء ، متماثلة فى عالم الكائنات الحية وعالم الجماد – كما خطر ببال كلود برنار منذ أمد بعيد – وهذه الحقيقة توضح لماذا اكتشف علم وظائف الأعضاء الحديث مثلا أن استمرار قلوية الدم وماء المحيط تفسرها قوانين متماثلة ، وأن النشاط الذى تستهلكه العضلات المتقلصة يقدمه تخمر السكر .. الخ .. إن النواحى الطبيعية – الكيماوية للكائنات الحية يسهل تقريبا فحصها ، مثل تلك النواحى فى الأشياء الأخرى الموجودة فى العالم المادى .. وتلك هى المهمة التى نجح علم وظائف الأعضاء فى تحقيقها .

إن دراسة الظواهر الفسيولوجية الحقة – أى تلك الظواهر التى تنتج من تنظيم الكائن الحى – تواجه عقبات أكثر أهمية . إذ أن شدة ضآلة الأشياء التى يجب تحليلها ، تجعل من المستحيل استخدام الفنون العادية لعلمى الطبيعة والكيمياء .. فأى طريقة يمكن أن تكشف القناع عن التركيب الكيمياوى لنواة الخلية الجنسية ، والكروموسومات ؟ والجينس ناقلات الوراثة التى تؤلف هذه الكروموسومات ؟ ..

مهما يكن .. إن المجموع الكلى للمواد الكيماوية شديدة الضآلة ، على أعظم جانب من الأهمية ، لأنها تحتوى على مستقبل الفرد والجنس(1) .. كما أن قابلية أنسجة معينة لسرعة العطب ، مثل المادة العصبية ، عظيمة إلى درجة أن دراستها فى حالة الحياة مستحيلة تقريبا .. ونحن لا نملك أى فن يمكننا من النفوذ إلى أعماق المخ وغوامضة ، أو إلى الاتحاد المتناسق بين خلاياه . وعقلنا الذى يحب ذلك الجمال البسيط للتراكيب الحسابية ، يتنابه الفزع حينما يفكر فى تلك الأكداس الهائلة من الخلايا والأخلاط والإحساسات ، التى يتكون منها الفرد ، ومن ثم فإننا نحاول أن نطبق على هذا المخلوط ، الأفكار التى ثبتت فائدتها فى مملكة الطبيعة والكيمياء والميكانيكيات . كذا فى النظم الفلسفية والدينية .. ولكن مثل هذه المحاولة لا تلقى نجاحا كبيرا . لأن أجسامنا لا يمكن أن تختزل إلى : نظام طبيعى كيميائى . أو إلى كيان روحى .. بالطبع .. إن على علم الإنسان أن يستخدم آراء جميع العلوم الأخرى .. ولكن عليه أيضا أن ينمى آراءه الخاصة لأنه علم جوهرى ، مثل علوم الجزيئات والذرات والإلكترونات .

وينهى هذا الفصل بقوله :

صفوة القول : أن التقدم البطئ فى معرفة بنى الإنسان – إذا قورن بالتقدم الرائع فى علوم الطبيعة والفلك والكيمياء والميكانيكا ، يعزى إلى حاجة أجدادنا إلى وقت الفراغ . وإلى تركيب عقولنا ..

وهذه العقبات أساسية . وليس هناك أمل فى تذليلها .. وسيظل التغلب عليها شاقا ، يستلزم جهودا مضنية ..

إن معرفة أنفسنا لن تصل أبدا إلى تلك المرتبة من البساطة المعبرة ، والتجرد ، والجمال ، التى بلغها علم المادة . إذ ليس من المحتمل أن تختفى العناصر التى أخرت تقدم علم الإنسان .. فعلينا أن ندرك بوضوح ، أن علم الإنسان هو أصعب العلوم جميعا(2) .

هذا هو تعليل ذلك الجهل بحقيقة الإنسان ، وأصغر جانب من جوانب هذه الحقيقة – من وجهة نظر العالم الغربى الكبير .. ومهما نختلف معه فى طريقة النظر إلى القضية كلها .. فإننا نكتفى بهذه الشهادة .. ونراه قد لمس فيها السبب الأساسى – وهو طبيعة تكوين عقلنا – فهذا التكوين مرتبط بوظيفة الإنسان فى الأرض – وظيفة الخلافة – وهى تقتضى أن يكون تركيب عقله على هذا التصميم لأنه أنسب تصميم للقيام بالوظيفة ! وسيتقدم فى إدراك قوانين المادة وتسخيرها ، كما سيتقدم فى معرفة جوانب من حقيقة الإنسان أكثر مما عرف . ولكن أسرار التكوين الإنسان ستظل خافية عليه أبدا .. سيظل سر الحياة ، وسر الموت ، خافيين تماما . وسيظل سر الروح الإنسانى بعيدا عن مجال إدراكه .. لأن شيئا من هذا كله لا يلزمه فى وظيفته الأساسية .

وعلى أية حال ، فإنه من خلال هذه الشهادة – وحدها – تبرز لنا حقيقتان جاهرتان :

أولهما : حقيقة رحمة الله بهذا الإنسان ، حين لم يدعه – بجهله هذا الذى يشهد به عالم كبير من علمائه فى القرن العشرين – يصنع تصوره الاعتقادى لنفسه . وهذا التصور يشتمل تفسيرا شاملا – لا لحقيقة الإنسان المجهولة له فحسب ، ولكن كذلك الحقيقة الألوهية الكبرى ولحقيقة الحياة وسائر الارتباطات بين هذه الحقائق جميعا .. وحين لم يدعه – بجهله هذا بحقيقة ذاته – يصنع منهج حياته وشكل نظامه ، وشريعته وقوانينه .. وكلها تقتضى علما كاملا شاملا . لا بحقيقة الإنسان وحدها . ولكن كذلك بحقيقة الكون الذى يعيش فيه الإنسان وبحقيقة الحياة التى ينتسب إليها. ثم بحقيقة القوة الكبرى الخالقة المدبرة لهذا الكون وما من فيه ..

وثانيهما : حقيقة التبجح الذى تبجحه كل من تصدى من جنس البشر – قديما وحديثا – لوضع ذلك التفسير الشامل للكون والحياة والإنسان . ولوضع مناهج للحياة وأنظمة للناس وشرائع لحياتهم .. بمثل هذا الجهل ، الذى لا يمكن أن يؤدى ، إلا لمثل ما أدى إليه من تيه وركام فى التصورات . ومن فساد وقصور فى المناهج . ومن شقاء وتعاسة فى الحياة . فهذه كلها هى النتائج الطبيعية والثمار المرة لذلك التبجح الكرية ! ولذلك الجهل العميق(1) .

إن التصور الربانى الذى يتلقاه الإنسان من الله هبة لدنية خالصة .. قد أعفى البشر الضعاف الجهال من الكد فيها ، ووفر عليهم هم إنشائها ، وتبديد طاقتهم فى هذا المجال الذى لم يهبهم الله دليله ولا أداته .. وذلك ليفرغوا لتلقى هذه الهبة وإدراكها ، والتكيف بها ، واتخاذها أساسا لمنهج حياتهم ، وميزانا لقيمهم . ودليلا هاديا يصلون به ومعه .. فإذا فارقوه ضلوا وتاهوا ، وخبطوا وخلطوا ، وجاءوا بما يضحك ويبكى من التصورات والانحرافات ، وشقوا وتعسوا بالمناهج والأنظمة التى يقيمونها على أساس من ذلك الجهل العميق ! ومن ذلك التخبط والتخليط !

وفى هذا يقول الأستاذ أبو الحسن الندوى فى كتابة القيم : ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين :

وقد كان الأنبياء – عليهم السلام – أخبروا الناس عن ذات الله وصفاته وأفعاله . وعن بداية هذا العالم ومصيره . وما يهجم عليه الإنسان بعد موته . وأتاهم علم ذلك كله بواسطتهم عفوا بدون تعب . وكفوهم مؤونة البحث والفحص ، فى علوم ليس عندهم مبادئها ، ولا مقدماتها التى يبنون عليها بحثهم ، لتوصلوا إلى مجهول . لأن هذه العلوم وراء الحس والطبيعة ، ولا تعمل فيها حواسهم ، ولا يؤدى إليها نظرهم ، وليست عندهم معلوماتها الأولية .

لكن الناس لم يشكروا هذه النعمة ، وأعادوا الأمر جذعا ، وبدأوا البحث أنفا . وبدأوا رحلتهم فى مناطق مجهولة ، لا يجدون فيها مرشدا و لا خريتا(1) . وكانوا فى ذلك أكثر ضلالا ، وأشد تعبا وأعظم اشتغالا بالفضول .. من رائد لم يقتنع بما أدى إليه العلم الإنسانى فى الجغرافية ، وما حدد وضبط الخرائط على تعاقب الأجيال ، فحاول أن يقيس ارتفاع الجبال وعمق البحار من جديد ، ويختبر الصحارى والمسافات والحدود بنفسه .. على قصر عمره ، وضعف قوته ، وفقدان آلته .. فلم يلبث أن انقطعت به مطيته ، وخانته عزيمته فرجع بمذكرات وإشارات مختلة .. وكذلك الذين خاضوا فى الإلهيات ، من غير بصيرة ، وعلى غير هدى ، جاءوا فى هذا العلم بآراء فجة ، ومعلومات ناقصة ، وخواطر سانحة ونظريات مستعجلة .. فضلوا وأضلوا (2) .

على أن أمر الذين حاولوا إنشاء تصورات اعتقادية من عند أنفسهم ، أو إنشاء تصورات فلسفية لتفسير الوجود وارتباطاته كانوا أشد ضلالا من هذا الذى صوره الأستاذ الندوى ، وأكثر خطرا على حياة البشرية . أما الأخطر من هذا كله ، فكان هو تحريف العقائد السماوية – وبخاصة النصرانية – وقيام كنيسة فى أوربا تملك السلطان باسم هذه النصرانية المحرفة ، وتفرض تصوراتها الباطلة بالقوة كما تفرض معلوماتها الخاطئة والناقصة عن الكون المادى ، وتعارض بوحشية خط البحث العلمى فى ميدانه الأصيل ، بمقولات تعطيها طابع الدين . والدين منها برئ ..

وقد نشأ هذا كله من تدخل الفكر البشرى بالإضافة والتأويل والتحريف للأصل الربانى للعقيدة النصرانية وللتصور النصرانى . وإلحاق هذا كله بالأصل الربانى والعقيدة السماوية .

القسم الثاني

فإذا نحن تذكرنا أن جميع النزاعات الأوربية ، التى نشأت معادية للدين وللفكر الدينى ، كان منشؤها هو هذا الانحراف ، وهذه الأوضاع التى قامت على أساس هذا الانحراف ..من عقلية مثالية إلى وضعية حسية إلى جدلية مادية .. إذا تذكرنا هذا أدركنا أن هذا البلاء الذى يعم البشرية كلها اليوم ، إنما نشأ من عقابيل تدخل الفكر البشرى ، فى أصل التصور الربانى . وهو بلاء لا يعدله بلاء آخر فى تاريخ البشرية الطويل ..

ولعله يحسن – لتكون هذه النقطة واضحة وضوحا يناسب خطورتها – أن نذكر خلاصة موجزة للخط الذى سار فيه الفكر الأوربى ، بوصفه نتيجة طبيعية مباشرة لانحراف التصور الدينى . بتدخل الفكر البشرى فيه ، وبإخضاعه للعوامل السياسية ، والخلافات العنصرية والمذهبية .

ولعل هذه الخلاصة أن تكشف لنا عن حكمة الله ورعايته فى حفظ أصول التصور الإسلامى بعيدة عن تحريف البشر . وعن خطورة أية محاولة باسم التجديد الدينى أو التطور فى الفكر الدينى أو غيرهما ، لإدخال أى عنصر بشرى على التصور الربانى .. فهذا التصور هو الوحيد الباقى من غير أن يعبث به جهل البشر وقصورهم وهو وحده ملاذ البشرية ، لتفئ إليه فى يوم من الأيام . فتجد عنده الهدى والسكينة والاطمئنان .

وسنكتفى فى هذا التلخيص لخط سير الفكر الأوربى – فى اتجاه مضاد للكنيسة وتفكيرها الدينى- بمقتبسات من الفصل الذى كتبه الدكتور محمد البهى بعنوان : الدين مخدر! فى كتابه الفكر الإسلامى الحديث وصلته بالاستعمار الغربى :

الصراع بين الدين والعقل والحس فى تاريخ الفكر الغربى : أربع مراحل فى تاريخ التفكير الأوربى ، منذ القرن الرابع عشر إلى الآن ، شهدت فيها العقلية الأوربية صراعا فكريا ، واتجاهات عقلية مختلفة ، تدور حول تبرير مصدر من مصادر المعرفة ، التى عرفتها البشرية فى تاريخها حتى الوقت الحاضر ، وهى : الدين . والعقل . والحس أو الواقع ، وفى كل مرحلة من هذه المراحل ينشأ سؤال عن قيمة أى واحد من هذه الثلاثة كمصدر للمعرفة المؤكدة ، أو اليقينية . ثم يكون الجواب على هذا السؤال إيجابا أو سلبا . ومن السؤال وما يدور حوله من جدل ، وأخذ ورد ، تكون المذاهب الفلسفية التى تعبر عن قيمة المصدر ، الذى وضع للاختبار والتقدير .

سيادة النص أو الدين كان الدين أو النص طوال القرون الوسطى سائدا فى توجيه الإنسان فى سلوكه وتنظيم جماعته ، وفى فهمه للطبيعة وكان يقصد بالدين المسيحية ، وكان الكثلكة ، وكانت الكثلكة تعبر عن البابوية . والبابوية نظام كنسى ركز السلطة العليا – باسم الله – فى يد البابا ، وقصر حق تفسير الكتاب المقدس على البابا وأعضاء مجلسه من الطبقة الروحية الكبرى ، وسوى فى الاعتبار بين نص الكتاب المقدس وإفهام الكنيسة الكاثوليكية ، وجعل عقيدة التثليت عقيدة أصيلة فى المسيحية ، كما جعل الاعتراف بالخطأ وصكوك الغفران من رسوم العبادة وغير ذلك مما يتصل بالكاثوليكية كمذهب وكنظام لاهوتى .

حتى كان القرن الخامس عشر ،وحتى ابتدأت الحروب الصليبية تثمر ثمرتها الإيجابية فى العقلية. الأوربية . فقام مارتين لوثر (Luther) (1453 – 1546م) وكافح تعاليم الشيطان – كما سماها – وهى تعاليم البابوية والكنيسة الكاثوليكية ، فحارب صكوك الغفران ، ونظر إليها كوسائل للرق والعبودية . وحارب عقيدة التثليت ، كما حارب سلطة البابا وجعل السلطة الوحيدة فى المسيحية هى الكتاب المقدس ، وكلمة الله : النص وطالب بالحرية فى بحث الكتاب . ولكن ليست أية حرية على العموم . ومع ذلك جعل الكتاب المقدس نفسه هو مصدر الحقيقة فيما يتصل بالإيمان فى الاعتبار ، سابقا على أى شئ أخر عداه ، من العقل أو الطبيعة .

وجاء بعد لوثر – فى طريقه – كالفن (Calvin) (1509 – 1564م) وأقر لوثر على أن الإنجيل وحده هو المصدر للحقيقة المسيحية وأن عقيدة التثليت لا تقبلها المسيحية الصحيحة .

وبحركة لوثر وكالفن الإصلاحية تعرضت المسيحية للجدل الفكرى ، وأصبحت موضوعا للنقاش العقلى ، والمذاهب الفلسفية .. والمسيحية التى تعرضت لذلك هى المسيحية التى تناولها لوثر بإصلاحه . أى الكاثوليكية البابوية . ومن أنكر من الفلاسفة على الدين أن تكون له سلطة أنكر سلطة البابوية ومن وضع العلاقة بين الدين والعقل كشيئين متقابلين أو متناقضين ، حدد العلاقة بين الكثلكة – وما فيها من عقيدة التثليت ومراسم صكوك الغفران – وبين العقل الإنسانى العام . ومن دافع عن المسيحية من الفلاسفة ، كهيجل ، دافع عن التعاليم النقية للمسيحية التى احتضنها لوثر ، فى مقابل تعاليم الكنيسة الكاثوليكية .

وهكذا كان الدين الذى جعل موضوعا للصراع العقلى الأوربى ، نوعا خاصا من الدين، والذى قبل منه باسم الفلسفة . كان جملة خاصة من تعاليمه . والذى رفض منه باسم الفلسفة أيضا ، كان كذلك جملة خاصة من تعاليمه .

سيادة العقل : استمر اعتبار الوحى ، كمرجع أخير للمعرفة ، على خلاف فى تحديد تعاليمه، حتى كان النصف الثانى من القرن الثامن عشر ، وهو عصر التنوير فى تاريخ الفلسفة الأوربية . وعصر التنوير له طابعه الخاص ، الذى تميز بع العصر السابق عليه والآخر اللاحق له ، وله طابعه المشترك فى الفكر الألمانى والإنجليزى والفرنسى ، فى الفترة الزمنية التى تحدده ، وله فلاسفة فى دوائر الفكر الثلاث كونوا الطابع الفكرى الذى عرف به ..

أ-تزايد شعور العقل وإحساسه بنفسه ، وبقدرته على أن يأخذ مصير مستقبل الإنسانية فى يده، بعد أن تزيل كل عبودية ورثها هو ، حتى لا تحجبه عن التخطيط الواضح لهذا المصير(1) . ب-الشجاعة والجرأة التى لا تتأرجح فى إخضاع كل حدث تاريخى لامتحان العقل . وكذلك فى تكوين الدولة والجماعة ، والاقتصاد ، والقانون ، والدين ، والتربية ، تكوينا جديدا ، على الأسس السليمة المصفاة ، التى لكل واحد منها ! . ج-الإيمان بتعاون جميع المصالح والمنافع ، وبالأخوة فى الإنسانية ، على أساس من هذه الثقافة العقلية ، المستمرة فى التطور ..

ومعنى ذلك كله : سيادة العقل – كمصدر للمعرفة – على غيره ، وغيره الذى ينازعه السيادة هو الدين . أى المسيحية الكاثوليكية أولا .. وقد تكون معها البروتستانتية ، كمذهب عرف للإصلاح الدينى هناك .

فللعقل الحق فى الإشراف على كل اتجاهات الحياة ، وما فيها من سياسة ، وقانون ، ودين ، والإنسانية هى هدف الحياة للمجتمع .وكما يسمى هذا العصر بـعصر التنوير يسمى أيضا بـالعصر الإنسانى ، وكذا بعصر Deism أى عصر الإيمان الفلسفى بإله ، ليس له وحى ، وغير خالق للعالم . إذ كل مسميات هذه الأسماء تعتبر من خواصه . فالتنوير لا يقصد به إلا إبعاد الدين عن مجال التوجيه ، وإحلال العقل محله . والإنسانية التى يبشر بها هذا العصر ليست إلا عوضا عن القربى من الله كهف للإنسان فى سلوكه فى الحياة . والإله ، الذى ليس له وحى ولا خلق ، يتفق مع تحكيم العقل وحده ، وطلب سيادته على أحداث الحياة واتجاهاتها .

وإذن فى عصر التنوير كانت الخصومة الفكرية بين الدين والعقل . واتجه التفكير فيه إلى إخضاع الدين للعقل . ولذلك عد زمن هذا العصر فترة سيادة العقل . كما عد العصر السابق عليه فترة سيادة الدين ..

ومن هذا يتضح أن صراع العقل مع الدين ، هو صراع الفكر الإنسانى مع مسيحية الكنيسة. وأن دوافع هذا الصراع هى الظروف التى أقامتها الكنيسة فى الحياة الأوربية . سواء فى مجال التوجيه والبحث ، أو فى مجال السياسة ، أو نطاق العقيدة والإيمان ..

سيادة الحس : انتهى عصر التنوير بانتهاء القرن الثامن عشر تقريبا ، وابتداء عصر آخر من عصور الفكر الأوربى ، وبظهور فجر القرن التاسع عشر . وموضوع الصراع واحد لم يختلف عن ذى قبل ، هو : الدين ، والعقل ، والطبيعة . ولكن تميز القرن التاسع عشر بفلسفة معينة . لأن اتجاه الفكر فيه مال إلى سيادة الطبيعة على الدين والعقل . تميز القرن التاسع عشر بأنه عصر الوضعية (Positivism) والوضعية نظرية فلسفية نشأت فى جائرة المعرفة .

وقامت فى جو معين ، على أساس خاص ، أما جوها المعين فهو أولا وبالذات سيطرة الرغبة على بعض العلماء والفلاسفة فى معارضة الكنيسة . والكنيسة تملك نوعا خاصا من المعرفة ، وتستغله فى خصومة المعارضين لنفوذها من العلماء والباحثين .وقد تسرد به على هؤلاء المعارضين فترة من الزمن . وهذا النوع هو المعرفة المسيحية الكاثوليكية بوجه خاص – كما سبق أن ذكر – أو هو المعرفة الدينية ، أو المعرفة الميتافيزيقية بوجه عام . يضاف إلى هذه الرغبة القوية فى معارضة الكنيسة ، ومعارضة ما تملك من معرفة خاصة ، أن فلسفة عصر التنوير وهى الفلسفة العقلية أو المثالية قد أفلست – فى نظر فلاسفة الوضعية – فيما أرادت أن تصل إليه : وهو إبعاد التوجيه الكنسى كلية عن توجيه الإنسان، وتنظيم الجماعة الإنسانية . فقد مالت هذه الفلسفة على عهد هيجل إلى تأييد الوحى والدين من جديد .

فالغاية الأولى للمذهب الوضعى ، من منطقه ، هى معارضة الكنيسة ، أو معارضة معرفتها ، ومن باب التغطية باسم العلم ! هى معارضة الميتافيزيقا (ما وراء الطبيعة) والمثالية العقلية . وإلا فالمذهب الوضعى فى الوقت الذى ينكر فيه دين الكنيسة يضع دينا جديدا بدله ، هو دين الإنسانية الكبرى ، ويقوم على عبادة وطقوس – كما تقوم المسيحية – وله قداسة واحترام على نحو ماللكثلكة !

وأما الأساس الخاص الذى قامت عليه الوضعية فهو تقدير الطبيعة والطبيعة ، والحقيقة ، والواقع ، والحس .. كلها سواء فى نظر الوضعيين . وتقدير الطبيعة – لا كمصدر مستقل فحسب للمعرفة – بل كمصدر فريد للمعرفة اليقينية أو المعرفة الحقة . ومعنى تقدير الطبيعة على هذا النحو : أن الطبيعة هى التى تنقش الحقيقة فى عقل الإنسان ، وهى التى توحى بها ، وترسم معالمها الواضحة . وهى التى تكون عقل الإنسان . والإنسان – لهذا – لا يملى عليه من خارج الطبيعة ، مما وراءها ، كما لا يملى عليه من ذاته . إذ ما يأتى من ما وراء الطبيعة خداع للحقيقة ، وليس حقيقة ! وما يتصوره العقل من نفسه وهم وتخيل للحقيقة ، وليس حقيقة أيضا ! وبناء على ذلك : الدين وهو وحى ما بعد الطبيعة – خداع . هو وحى ذلك الموجود الذي لا يحدده ولا يمثله كائن من كائنات الطبيعة هو وحي الله الخارج عن هذه الطبيعة كلية .. وكذلك المثالية العقلية وهم لا يتصل بحقيقة هذا الوجود الطبيعى . إذ هى تصورات الإنسان عن نفسه ، من غير أن يستلهم فيها الطبيعة المنثورة ، التى يعيش فيها ، وتدور حوله .

وإذن ما يتحدث به الإنسان ، ككائن شخصى ، عن الإنسان ، كموضوع للوصف . أو ما يتحدث به الإنسان عن الطبيعة التى يعيش فيها ، كموضوع للحكم عليها – مستمدا حديثه عن هذا أو ذاك من معارف الدين ، أو المثالية العقلية – – هو حديث بشىء غير حقيقى عن شيئ حقيقي، هو حديث غير صادق ، خضع فيه الإنسان المتحدث إلى خداع الدين بحكم التقاليد ، أو إلى الوهم بحكم غرور الإنسان بنفسه !

إن عقل الإنسان – أى ما فيه من معرفة – وليد الطبيعة ، التى تتمثل فى : الوراثة ، والبيئة ، والحياة الاقتصادية ، والاجتماعية .. إنه مخلوق . ولكن خالقه الوجود الحسى .. إنه يفكر . ولكن عن تفاعل مع الوجود المحيط به .. إنه مقيد مجبر . وصانع القيد والجبر هو حياته المادية … ليس هناك عقل سابق ، كما أنه ليست هناك معرفة سابقة للإنسان . عقل الإنسان ومعرفته بوجدان تبعا لوجود الإنسان . هما انطباع لحياته الحسية المادية .

الطبيعة تنطق عن نفسها . ويجب على الإنسان أن يعتمد منطقها . إذا أراد أن يعيش فيها . ومنطقها وحده – لا منطق المؤهلين ، ولا منطق العقليين ، ولا منطق أصحاب النظرية السيكولوجية فى معرفة الإنسان – هو الذى يخط الطريق المستقيم فى حياة الإنسان فيها . وهو الذى يحدد أهدافه فيها !

وطريق الإنسان فى حياته الطبيعية يبتدئ من الفرد ، وينتهى بالجماعة ، وإذن : الفرد نفسه ليس غاية . وحياته التى يعيشها ليست هدفا لسعيه . إنما غايته الأخيرة التى يجب أن يسعى إليها ، ويذهب فيها – كما يذهب العابد الصوفى ، صاحب عقيدة الاتحاد فيما يؤهله ويعبده – هى الجماعة وطالما كانت الجماعة هى غاية الفرد الأخيرة ، فهى معبودة ، وتذهب حريته ، لتبقى لها الحرية ! وتفنى حياته لتبقى لها الحياة!(1) .

الماركسية : -الجدلية المادية – ولماركس نظرية مادية ، تأثر فيها بكومت (من فلاسفة الوضعية) . وهو لا ينكر وجود العقل كما ينكره المذهب المادى الميكانيكى . ولكنه لا يدعى فحسب أن المادة توجد قبل أن يوجد العقل ، بل أيضا المادة أكثر أهمية واعتبارا من العقل . إذ العقل متوقف على المادة فى وجوده ، ولا يمكن أن يوجد منفصلا عنها ، ونتيجة ذلك : أن ماركس لا يرفض فقط أن يبقى العقل (أو الروح) بعد الجسم – كما يذكر الدين – بل يرفض الفكرة الأساسية فى الدين . وهى الإيمان بالله . كموجود أزلى مستقل تماما ومتجردا تماما على المادة .. وكحقيقة واضحة : كل دين بالنسبة لماركس – من حيث المبدأ – لعنة . وهو يحدثنا أن كل دين مخدر للشعب !

وتبعية العقل للمادة ، يصورها ماركس فى صورة : أن العقل انعكاس للمادة ، وليس كما يصرح هيجل بأن المادة انعكاس للعقل ، وهذا يعنى أن العقل نوع من المرآة العاكسة للعالم المادى . وهذا التصور الماركسى للحقيقة المادية على أنها الأصل ، يشمل فى عموم منطق الماركسية للحقيقة المادية ، على أنها الأصل ، يشمل فى عموم منطق الماركسية كل الأحداث الطبيعية وما يحيط بها من وجهة نظر متعددة ، هى القوة المادية الرئيسية أيضا . أما الأحداث السياسية والاجتماعية والأخلاقية، فهى انعكاس للأحداث الاقتصادية الراهنة ، وماركس وإنجلز ، إن وجدا مغزى التاريخ فى أحداث الحياة الاجتماعية بصفة عامة ، لكنهما ينظران إلى الجانب الاقتصادى بالذات ، من بين أحداث هذه الحياة . والأحوال الاقتصادية تبعا لذلك ، هى العوامل المحددة فى كل المجالات الاجتماعية ، وهى التى تكون البواعث الأخيرة ، لكل الأعمال الإنسانية فى تاريخ الجماعة البشرية .

وتغير الأحوال الاقتصادية وتطورها يؤثر لذلك – وحده – على حياة الدولة ، وعلى سياستها ، وكذلك على العلم ، والدين وهكذا كل الإنتاج الثقافى والذهنى فرع عن الحياة الاقتصادية، وكل التاريخ لهذا يجب أن يكون تاريخ اقتصاد (1) .

وهكذا انتهت محاولة الهروب من الكنيسة ، وتصوراتها الدينية لا المحرفة المشوبة بالأفكار البشرية ، وسوء استغلالها لسلطانها باسم الدين .. انتهت أولا إلى الفلسفة العقلية المثالية – على اختلاف اتجاهاتها ما بين معارضة الدين وإعلان سيطرة العقل فى رأى فيشته .. وبين تأييد الدين باعتبار أن الله – سبحانه – عقل ! فى رأى هيجل – ثم انتهت ثانيا إلى الفلسفة الحسية الوضعية على يد كومت واشتين تال . ثم إلى الجدلية المادية على كارل ماركس وزميلة إنجلز .

وكان هذا الحظ الطويل من الانحراف فى الفكر الأوربى نتيجة مباشرة لتشويه التصور الدينى بمقولات وتصورات بشرية ، من صنع الكنائس والمجامع المتوالية هذه المقولات التى استغلتها الكنيسة ذلك الاستغلال المنفر البغيض .

وإلا فإن نظرة إلى هذا التخبط فى خطواته المتعثرة تكشف للباحث المتثبت أن الهاربين من الله – لكى يهربوا من قبضة الكنيسة – لم يصلوا إلى أية حقيقة مضبوطة يصح أن تكون عذرا أو حجة لمن يريد أن يقول : إنه يلجأ إلى هذا هروبا من معميات ما وراء الطبيعة !

وإلا فأى شئ مضبوط وصلت إليه الفلسفة العقلية المثالية مثلا؟ ما هو هذا العقل الذى وكلت إليه أمر المعرفة بعيدا عن الله وعن الطبيعة ؟ ماذا تعرف عن ماهية العقل أو عن خصائصة ؟ و ماذا تعرف عن طريقة عمله وتأثراته وتأثيراته ؟ أين يقع هذا العقل ؟ ما طبيعته ؟ ما قانونه ؟ … كلها أسئلة لا جواب عليه حتى فى القرن العشرين !

ثم هذه المقولات التى ابتدعتها هذه الفلسفة ، وجعلتها حتمية ، وبنت عليها كل قضاياها ؟

مبدأ النقيض الذى قام عليه المذهب – والذى اعتمد عليه كارل ماركس فيما بعد – ما هو؟ ما قيمته الواقعية إنه ليس سوى مقولة عقلية مجردة ، لا تتعامل مع الواقع فى شئ :

استخدم فيشته مبدأ النقيض على النحو التالى :

تصور الإنسان لنفسه – وحده – هو بداية الطريق . وأشبه بالمقدمات التى تستلزم نتائجها ، على النحو الذى حدد به غاية فلسفته . فإذا تصور الإنسان نفسه ، أى إذا أنا تصورت أنا نشأ عنه أن أنا هو أنا وما ليس أنا هو غير أنا ، فهنا أنا وهنا أيضا ليس أنا . ولكن وجود ليس أنا منطو على وجود أنا الحقيقى وإذن أنا باعتبار أنه يطوى فى ذاته وجود ليس أنا هو أنا وليس أنا . وتصور الإنسان لنفسه أنتج إذن خطوات ثلاثا فى الفكر – أو ثلاثية !

وبما أنه ليس هناك فى الأصل ، عندما تصور الإنسان نفسه ، إلا أنا فالأشياء الخارجة عن أنفسنا – أى الأشياء التى هى ليس أنا – نتصورها فقط عن طريق أن أنا يطوى فى نفسه حقيقة

أخرى ، وهى : ليس أنا . وهذه الأشياء الخارجة عن أنفسنا ليست منطوية فقط أنا بل هى عمل لـ أنا ومن إنتاجه (1) !

والآن .. ما الذى يحتم – من الواقع – أن يكون أنا هو وحده الموجود . وأن يكون ليس أنا لا وجود له ابتداء ، إنما هو من عمل أنا ومنطو فى أنا ؟ ومن إنتاجه ؟

ماذا يحتم هذه المقولة من الواقع ؟ لا شئ ! وإنما هو مجرد تحكم عقلى من فيشته لبناء مذهب! ومن هنا يكون هذا الأساس العقلى المثال لا يتعامل مع الواقع فى شئ . وليس له رصيد فى حياة البشر ! وكان من حق المدرسة الوضعية أن تسخر من هذه المثالية التى لا مدلول لها فى دنيا الواقع ، ولا فاعلية فى الناس ! لولا أنها لم تسخر منها لتأتى بما هو خير ، بل بما هو أشد إحالة وأبعد عن الصواب !

إن فيشته يتخذ من المبدأ السابق ، الذى لا رصيد له من الواقع كما رأينا ، قاعدة يثبت بها أن العقل هو الموجود الحقيقى الذى لا يتوقف وجوده على غيره .

ومنطق هذا المبدأ – على هذا النحو الذى استخدمه فيشته – أن العقل مستقل تماما عن غيره. وموجود من أجل نفسه . ووجوده هو وجوده هو ، لا وجود غيره . وماهية العقل تتضح إذن من العقل نفسه . وليست مما هو خارج عنه . إذ لو توقف العقل على غيره الخارجى عنه ، لكان معنى ذلك أن ليس أنا هو نقطة البداية وفى ذلك إلغاء للعقل نفسه ، قبل أن يصل إلى غيره . لأنه لا معنى لوجود ليس أنا إلا نفى وجود أنا أى نفى العقل (2) !

فما الذى يحتم – من الواقع – أن يكون معنى وجود ليس أنا هو نفى وجود أنا ؟ ولماذا هذا التحتيم ؟ إنه مجرد تحكم ينقضه العقل ذاته ، حين يتخلص من إسار المذهب !

فإنه ليس هناك ما يمنع – عقلا – أن يكون أنا موجودا وليس أنا موجودا كذلك ، ولا يتوقف أحدهما على وجود الآخر !!

ولكن المسألة كلها كانت هى إقامة إله آخر ، غير إله الكنيسة ! إله ليس له كهنة ولا كرادلة ولا بابا ولا كنيسة ! ومن ثم أقيم هذا العقل إلها ، لا سدنة له ولا كهنة ! وهذا هو الهدف النهائى المقصود .

كذلك استخدم هيجل مبدأ النقيض ، مع استخدام مصطلحات جديدة غير مصطلحات فيشته:

وإذا كان فيشته قد استخدم مبدأ النقيض فى دعم سيادة العقل كمصدر للمعرفة ، مقابل الدين أو الطبيعة – على نحو ما رأينا – فـهيجل استخدم نفس المبدأ لتأكيد قيمة العقل . ثم لدعم فكرة الألوهية من جديد ، وتأكيد الوحى كمصدر أخير للحقيقة على اعتبار أن الله عقل . وبدل المصطلحات الثلاثة التى تعرف لـفيشته فى استخدامه مبدأ النقيض ، والتى تعبر عن الخطوات الثلاث للفكر عند تطبيقه – يعبر هيجل عن ذلك بعبارات خاصة به ، هى : الدعوى . ومقابل الدعوى . وجامع الدعوى ومقابلها .

… فقد تصور – فى مجال الفكرة – أن هناك فكرة مطلقة أسماها العقل المطلق ولهذا العقل المطلق وجود ذاتى أزلى قبل خلق الطبيعة وقبل خلق العقل المنتهى . هذا العقل المطلق هو الله . وقد انبثقت منه الطبيعة وهى تغايره . إذ أنها بعيدة متفرقة بينما العقل المطلق واحد وحدة مطلقة من كل قيد .. وبوجود الطبيعة ظهرت أو انتقلت الفكرة فى العقل المطلق غير المحدد ، فيما وجوده مقيد محدد .فالطبيعة هى خروج الفكرة من دائرتها الأولى . ومن أجل ذلك هى ضرورة وصدفة . وليس فيها حرية الاختيار . وتعتبر بذلك مقابلا ونقيضا للفكرة فى العقل المطلق . وإذا كان العقل المطلق دعوى فالطبيعة عندئذ مقابل الدعوى . والفكرة بذلك انتقلت من المطلق إلى المقيد ، أو من النقيض إلى نقيضه . فالفكرة من حيث هى فكرة ، انطوت على نقيضها ، حتى الآن ، ولكن الفكرة فى الطبيعة ، تسعى لتحصيلها وتحقيقها ، وتحصيلها هو العقل المجرد والعقل المجرد هو نهاية الطبيعة وغايتها . وهو عندئذ جامع الدعوى ومقابل الدعوى! (1).

وهذا نموذج كذلك من المثالية التى ضاقت بها الوضعية فى أوربا . وحق لها أن تضيق ! وهى هكذا تتعامل مع تصورات عقلية مجردة ، ومع مصطلحات لا رصيد لها من الواقع ولا علاقة لها بالإنسان الواقعى ولا بالحياة الواقعية !

ولكن السادة الوضعيين حين كفروا بإله الكنيسة ، ثم كفروا بإله العقل ، لم يذهبوا إلى ما أهدى . لقد أقاموا من الطبيعة إلها .. ولكن ما هى هذه الطبيعة ؟ ما هى هذه الطبيعة التى خلقت العقل ، والتى كما يقولون : تنقش الحقيقة فى العقل ؟ أهى كائن محدد ؟ أهى ذات كلية ؟ أم هى هذه الأشياء المتفرقة من أجرام وأشكال وحركات وهيئات ؟ أهى شئ له حقيقة مستقلة عن تصور العقل الإنسانى لها ؟ أم هى الصورة التى تنطبع فى العقل عن المحسوسات التى يدركها ؟ أم هى شئ له حقيقة فى ذاته ، وما ينطبع منها فى العقل قد يطابق حقيقتها وقد لا يطابقها ؟

وإذا كانت هذه الطبيعة هى التى خلقت العقل البشرى ، فهل هى خالق له إيجابية الخلق من العدم ولماذا إذن خلقت العقل فى الإنسان ولم تخلقه فى الحيوان ؟ أو فى النبات ؟ أهى ذات إرادة مميزة مختارة ؟ تختار كائنا بعينه من الكائنات لمنحه هذه المنحة الفريدة ؟

أما إذا كانت حقيقتها لا تتجلى إلا فى الفكر البشرى . أفلا يكون ظهور هذه الحقيقة إذن متوقفا على وجود العقل البشرى ؟ فكيف تكون هذه الطبيعة خالقة له بينما هى لا تظهر إلا فيه؟!

ثم إن هؤلاء السادة يحيلوننا على معمى لا ضابط له ولا حدود .. وهم يشيرون إلى الطبيعة.

فما الطبيعة ؟ أهى مادة هذا الكون ؟ وما هى ماهية هذه المادة ؟ إن ما كانوا يسمونه المادة ويحسبونه شيئا ثابتا قد تبين لهم هم أنفسهم أنهم لا يستطيعون تحديد ماهيته . إن المادة تنحل فإذا هى إشعاع . فهل الإشعاع هو الطبيعة . وهو المادة ؟ أم إن المادة – والطبيعة كذلك – هى الصورة التى يتجسم فيها هذا الإشعاع ؟ إنه لا يثبت على حال هذا الإله ! فبينما هو متجسم إذا هو منطلق وبينما هو منطلق إذا هو متجسم ! ففى أى حالة من حالاته يا ترى تكون له القوة الخالقة للعقل البشرى ؟ وهل هو الذى يخلق كذلك صور نفسه المتوالية المتحركة أبدا ؟ من إشعاع إلى ذرات ومن ذرات إلى كتل .. ومن كتل إلى ذرات . ومن ذرات إلى إشعاع ! – ودع عنك الحياة والخلية الحية والحياة المترقية ! – متى يكون لهذا الإله قوة الخلق ؟ فى أى حالاته ؟ ومن الذى خلق الإنسان الذى تخلق الطبيعة عقله ؟ أهى خلقته ابتداء ؟ أم اكتفت بأن تخلق عقله بعد وجوده ؟!

وإذا كانت الطبيعة هى التى تنقش الحقيقة فى الإنسان .. فلماذا العقل الإنسانى بالذات ؟ أليست تنطق وتسمعها كل الكائنات الحية ؟ فهل يا ترى تنقش هذه الحقيقة كذلك فى عقول البغال والحمير والببغاوات أو عقل القرد هى ذاتها التى نقشتها فى عقل أوجست كومت أو عقل كارل ماركس ؟!

وإذا كانت الطبيعة هى التى تنقش الحقيقة فى العقل الإنساني فما هي الحقيقة الصحيحة ؟ هل كانت هذه الحقيقة والعقل يجزم بأن الأرض مركز الكون ؟ أم وهو يجزم بأنها ليست سوى تابع صغير من توابع الشمس ؟ هل كانت والعقل يجزم بأن المادة هى هذه الأشياء الصلبة المحسة ؟ أم وهو يجزم بأن المادة ليست شيئا سوى طاقه متجمعة ، فى صور متحولة ؟ هل كانت والعقل يجزم بأن الطبيعة ليست سوى عمل العقل ؟ أم هو يجزم بأن العقل ليس شيئا سوى انطباع المادة ؟

أى هذه المقررات العقلية كانت هى الحقيقة التى نقشتها الطبيعة فى العقل البشرى ؟ تراها تخطئ فى النقش ؟ أم أن العقل نفسه هو الذى يشوه النقش ؟ وهل له إذن فاعلية ذاتية وشخصية مستقلة ؟ فى حين يقول السادة الوضعيون : إنه ليس شيئا آخر سرى ما تنقشه هذه الطبيعة ؟!

وندع الحياة ونشأتها وأسرارها – كما قلنا – إلى موضع مناقشة هذا السر فى التصور الإسلامى والتصورات الأخرى .. ندع الحياة وأسرارها فلا نناقشها هنا ونسأل : أى إله هذا الذى يقدمه لنا السادة الماديون ؟ إننا لا نجد بين أيدينا ولا فى عقولنا ولا فى واقعنا منه شيئا مضبوطا فلماذا يا ترى نختاره ونلوذ به . وهو هباء لا يثبت على اللمس ، ولا يثبت على الرؤية ، ولا يثبت على النظر العقلى أيضا ؟ ونحن – والحمد لله – لسنا هاربين من الكنيسة ؟!!

أما هذا المسخ الذى يثير الاشمئزاز فى تصور كارل ماركس وانجلز للحياة البشرية ودوافعها ومجالها الذى تتحرك فيه ، وحصرها فى حجر الاقتصاد فإن الشعور بالاشمئزاز منه يزداد ، عندما يقف الإنسان أمام عظمة الكون المادى نفسه . وما فيه من موافقات عظيمة عجيبة ، يبدو فيها كلها كأنما هى تمهيد للحياة البشرية بوجه خاص : فلا يتمالك نفسه من الاحتقار والاشمئزاز لمثل هذا التفكير الصغير الذى لا تروعه عظمة الكون ذاته ، ولا تروعه الموافقات الكامنة فيه لاستقبال الحياة البشرية .. فإذا به يدير ظهره لكل هذه العظمة ، ولكل هذه الروعة ، ليخنس فى جحر الاقتصاد ، والآلة والإنتاج – لا بوصفها غاية للإنسان ومحركا فحسب – ولكن بوصفها كذلك العلة الأولى – والإله الخالق ، والرب المتصرف ، المصرف لهذه الحياة !

ولكنا بعد ذلك كله فنذكر أن هذا البلاء كله – من مبدئه إلى نهايته – إنما جاء ثمرة طبيعية لانحراف الكنيسة والمجامع بالتصور الربانى . ومحاولة الفكر الأوربى أن يأبق من وجه الكنيسة وإلهها الذى تستطيل به ! فنحمد الله أن ظل التصور الإسلامى الربانى محفوظا ! وإن لم تقم عليه الكنيسة! وإن لم يقع بينه وبين العقل البشرى والعلم البشرى ذلك الصدام ، الذى قاد الفكر الأوربى إلى هذا التيه وهذا الركام !

ونذكر أن التصور الإسلامى يدع للعقل البشرى وللعلم البشرى ميدانه واسعا كاملا – فيما وراء أصل التصور ومقوماته – ولا يقف دون العقل يصده عن البحث فى الكون . بل هو يدعوه إلى هذا البحث ويدفعه إليه دفعا . ولا يقف دون العلم البشرى فى المجال الكونى . بل هو بكل أمر الخلافة كله – فى حدود التصور الربانى – للعقل البشرى وللعلم البشرى … وندرك مقدار نعمة الله ومقدار رحمته فى تفضله علينا بهذا التصور الربانى ، وفى إبقائه وحفظه على أصله الربانى ..

الثبات

القسم الأول

فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التى فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم

من الخاصية الأساسية للتصور الإسلامى – خاصية الربانية – تنبثق سائر الخصائص الأخرى . وبما أنه ربانى صادر من الله ، وظيفة الكينونة الإنسانية فيه هى التلقى والاستجابة والتكيف والتطبيق فى واقع الحياة . وبما أنه ليس نتاج فكر بشرى ، ولا بيئة معينة ، ولا فترة من الزمن خاصة ، ولا عوامل أرضية على وجه العموم .. إنما هو ذلك الهدى الموهوب للإنسان هبة لدنية خالصة من خالق الإنسان .، رحمة بالإنسان .

بما أنه كذلك ، فمن الخاصية فيه تنشأ خاصية أخرى .. خاصية : الحركة داخل إطار ثابت حول محور ثابت .

هناك ثبات فى مقومات هذا التصور الأساسية ، وقسمة الذاتية . فهى لا تغير ولا تتطور ، حينما تتغير ظواهر الحياة الواقعية ، وأشكال الأوضاع العملية .. فهذا التغير فى ظواهر الحياة وأشكال الأوضاع ، يظل محكوما بالمقومات والقيم الثابتة لهذا التصور ..

ولا يقتضى هذا تجميد حركة الفكر والحياة ، ولكنه يقتضى السماح لها بالحركة – بل دفعها إلى الحركة – ولكن داخل هذا الإطار الثابت ، وحول هذا المحور وهذه السمة – سمة الحركة داخل إطار ثابت وحول محور ثابت – هى طابع الصنعة الإلهية فى الكون كله – فيما يبدو لنا – لا فى التصور الإسلامى وحده .

مادة هذا الكون – سواء كانت هى الذرة أو الإشعاع البسيط المنطلق عند تحطيمها ، أو أية صورة أخرى – ثابتة الماهية . ولكنها تتحرك ، فتتخذ أشكالا دائمة التغير والتحور والتطور .

والذرة ذات نواة ثابتة تدور حولها الإلكترونات فى مدار ثابت .

وكل كوكب وكل نجم له مداره ، يتحرك فيه حول محوره ، حركة منتظمة ، محكومة بنظام خاص .

وإنسانية هذا الإنسان ، المستمدة من كونه مخلوقا فيه نفخة من روح الله اكتسب بها إنسانيته المتميزة عن سائر طبائع المخلوقات حوله .. إنسانية هذا الإنسان ثابتة (1) . ولكن هذا الإنسان يمر بأطوار جنينية شتى من النطفة إلى الشيخوخة ! ويمر بأطوار اجتماعية شتى ، يرتقى فيها وبنحط حسب اقترابه وابتعاده من مصدر إنسانيته . ولكن هذه الأطوار وتلك لا تخرجه من حقيقة إنسانيته الثابتة . ونوازعها وطاقاتها واستعداداتها المنبثقة من حقيقة إنسانيته .

ونوزع هذا الإنسان إلى الحركة لتغيير الواقع الأراضى وتطويره .. حقيقة ثابتة كذلك .. منبثقة أولا من الطبيعة الكونية العامة ، الممثلة فى حركة المادة الكونية الأولى وحركة سائر الأجرام فى الكون . ومنبثقة ثانيا من فطرة هذا الإنسان . وهى مقتضى وظيفته فى خلافة الأرض . فهذه الخلافة تقتضى الحركة لتطوير الواقع الأرضى وترقيته .. أما أشكال هذه الحركة فتتوزع وتتغير وتتطور(2) .

وهكذا تبدو سمة : الحركة داخل إطار ثابت حول محور ثابت سمة عميقة فى الصنعة الإلهية كلها . ومن ثم فهى بارزة عميقة فى طبيعة التصور الإسلامى .

ونحن نسبق السياق هنا ، فنستعرض نماذج من المقومات والقيم الثابتة فى هذا التصور (سيجئ تفصيل الكلام عنها فى موضعه فى القسم الثانى من هذا البحث) وهى التى تمثل المحور الثابت الذى يدور عليه المنهج الإسلامى فى إطاره الثابت . إن كل ما يتعلق بالحقيقة الإلهية – وهى قاعدة التصور الإسلامى – ثابت الحقيقة ، وثابت المفهوم أيضا . وغير قابل للتغير ولا للتطوير :

حقيقة وجود الله ، وسرمديته ، ووحدانيته – بكل إشعاعاتها – وقدرته وهيمتنه ، وتدبيره لأمر الخلق ، وطلاقة مشيئته .. إنى أخر صفات الله الفاعلة فى الكون والحياة والناس ..

وحقيقة أن الكون كله – أشياءه وأحياءه – من خلق الله وإبداعه . أراده الله – سبحانه – فكان . وليس لشئ ولا لحى فى هذا الكون ، أثاره من أمر الخلق فى هذا الكون ، ولا التدبير ولا الهيمنة . ولا مشاركة فى شئ من خصائص الألوهية بحال ..

وحقيقة العبودية لله .. عبودية الأشياء والأحياء . . وعموم هذه العبودية للناس جميعا . بما فيهم الرسل – عليهم الصلاة والسلام – عبودية مطلقة ، لا تتلبس بها أثارة من خصائص الألوهية . مع تساويهم فى هذه العبودية .

وحقيقة أن الإيمان بالله – بصفته التى وصف بها نفسه – وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره .. شرط لصحة الأعمال وقبولها . وإلا فهى باطلة من الأساس ، غير قابلة للتصحيح ، ومردودة غير محتسبة وغير مقبولة ..

وحقيقة أن الله لا يقبل من الناس دينا سواه . وأن الإسلام معناه إفراد الله – سبحانه – بالألوهية وكل خصائصها . والاستسلام لمشيئته ، والرضى بالتحاكم إلى أمره ومنهجه وشريعته . وأن هذا هو دينه الذى ارتضاه .لا أى دين سواه .

وحقيقة أن الإنسان – بجنسه – مخلوق مكرم على سائر الخلائق فى الأرض مستحلف من الله فيها . مسخر له كل ما فيها . ومن ثم فليست هناك قيمة مادية فى هذه الأرض تعلو قيمة هذا الإنسان، أو تهدر من أجلها قيمته .. وحقيقة أن الناس من أصل واحد . ومن ثم فهم – من هذه الناحية – متساوون وأن القيمة الوحيدة التى يتفاضلون بها – فيما بينهم – هى التقوى والعمل الصالح . لا أية قيمة أخرى ، من نسب ، أو مال ، أو مركز ، أو طبقة ، أو جنس .. إلى أخر القيم الأرضية.

وحقيقة أن غاية الوجود الإنسانى هى العبادة لله .. بمعنى العبودية المطلقة لله وحده . بكل مقتضيات العبودية ، وأولها الائتمار بأمره – وحده – فى كل أمور الحياة صغيرها وكبيرها والتوجه إليه – وحده – بكل نية وكل حركة ، وكل خالجة وكل عمل . والخلافة فى الأرض وفق منهجه – أو بتعبير القرآن وفق دينه إذ هما تعبيران مترادفان عن حقيقة واحدة ..

وحقيقة أن رابطة التجمع الإنسانى هى العقيدة ، وهى هذا المنهج الإلهى .. لا الجنس ، ولا القوم ولا الأرض ولا اللون ولا الطبقة ولا المصالح الاقتصادية أو السياسية ولا أى اعتبار آخر من الاعتبارات الأرضية ..

وحقيقة أن الدنيا دار ابتلاء وعمل . وأن الآخرة حساب وجزاء . وأن الإنسان مبتلى وممتحن فى كل حركة وفى كل عمل وفى كل خير يناله أو شر ، وفى كل نعمة وفى كل ضر .. وأن مرد الأمور كلها إلى الله ..

… هذه وأمثالها من المقومات والقيم – التى سنعرض لها بالتفصيل فى مواضعها فى القسم الثانى من هذا البحث – كلها ثابتة ، غير قابلة للتغير ولا للتطور .. ثابتة لتحرك ظواهر الحياة وأشكال الأوضاع فى إطارها ، وتظل مشدودة إليها ، ولتراعى مقتضياتها فى كل تطور لأوضاع الحياة ، وفى كل ارتباط يقوم فى المجتمع ، وفى كل تنظيم لأحوال الناس أفرادا وجماعات ، فى جميع الأحوال والأطوار .

وقد تتسع المساحة التى تتجلى فيها مدلولات هذه المقومات والقيم ، كلما اتسعت جوانب الحياة الواقعية ، وكلما اتسع مجال العلم الإنسانى ، وكلما تعددت المفاهيم التى تتجلى فيها هذه المقومات والقيم . ولكن أصلها يظل ثابتا ، وتتحرك فى إطاره تلك المدلولات والمفاهيم .

حقيقة أن الإنسان مستخلف فى هذه الأرض – مثلا – تتجلى فى صور شتى .. تتجلى فى صورته وهو يزرع الأرض . لأن أوضاع حياته ومدى تجاربه تجعل الزراعة هى التى تفى فى ذلك الطور باحتياجاته الضرورية ، وبها تتحقق الخلافة .. وتتجلى كذلك فى صورته وهو يفجر الذرة ، ويرسل الأقمار الصناعية لتكشف له طبيعة الغلاف الجوى للأرض ، أو طبيعة الكواكب والتوابع من حوله .. وهذه وتلك – وما بينهما وما بعدهما – صور من صور الخلافة فى الأرض ، قابلة دائما للزيادة والاتساع . ولكن حقيقة الخلافة فى الأرض ثابتة على كل حال ، يقتضى مفهومها الثابت ألا يحال بين الإنسان ومزاولة حقه فى الخلافة وفق منهج الله المرسوم . وألا يعلو شئ فى هذه الأرض على الإنسان وألا تهدر قيمته الإنسان لينشئ قمرا صناعيا ، أو ليضاعف الإنتاج المادى ! فهو سيد الأقمار الصناعية ، وسيد الإنتاج المادى !

وحقيقة أن غاية الوجود الإنسانى هى العبادة – مثلا – تتمثل فى كل نشاط يتجه به الإنسان إلى الله . وألوان النشاط غير محدودة . فهى تابعة لمقتضيات الخلافة النامية المتجددة .. وتتمثل فى عبوديته لله وحده ، بالتحاكم إلى منهجه وحده ، فى كل شئون الحياة ، وهذه الشئون غير محدودة ، فهى كذلك تابعة لمقتضيات الخلافة النامية المتجددة .. ولكن حقيقة الغاية ثابتة لا تتغير ، فإذا لم يتجه إلى الله بكل نشاط ، وإذا لم يتحاكم إلى منهج الله فى كل شأن ، فقد أخل بهذه الحقيقة الثابتة ، وخرج على غاية وجوده الإنسانى . واعتبر عمله باطلا غير قابل للتصحيح المستأنف ، ولا بالقبول من المؤمنين .

وهكذا – على هذا النحو – تتسع مساحة مدلولات هذه المقومات ، وتتنوع الصور التى تتجلى فيها .. ولكنها ثابتة فى التصور الإسلامى ، لا يتناولها التغير ولا التطور على كل حال .

وقيمة وجود تصور ثابت للمقومات والقيم على هذا النحو ، هى ضبط الحركة البشرية ، والتطورات الحيوية ، فلا تمضى شاردة على غير هدى – كما وقع فى الحياة الأوربية عندما أفلتت من عروة العقيدة – فانتهت إلى تلك النهاية البائسة ، ذات البريق الخادع والألاء الكاذب ، الذى يخفى فى طياته الشقوة والحيرة والنكسة والارتكاس .

وقيمته هى وجود الميزان الثابت الذى يرجع إليه الإنسان بكل ما يعرض له من مشاعر وأفكار وتصورات ، وبكل ما يجد فى حياته من ملابسات وظروف وارتباطات . فيزنها بهذا الميزان الثابت ، ليرى قربها أو بعدها من الحق والصواب .. ومن ثم يظل دائما فى الدائرة المأمونة ، لا يشرد إلى التيه ، الذى لا دليل فيه من نجم ثابت ، ولا من معالم هادية فى الطريق !

وقيمته هى وجود مقوم للفكر الإنسانى مقوم منضبط بذاته . يمكن أن ينضبط به الفكر الإنسانى ، فلا يتأرجح مع الشهوات والمؤثرات . وإذا لم يكن هذا المقوم الضابط ثابتا ، فكيف ينضبط به شئ إطلاقا ! إذا دار مع الفكر البشرى – كيفما دار – ودار مع الواقع البشرى – كيفما دار – فكيف تصبح عملية الضبط ممكنة . وهى لا ترجع إلى ضابط ثابت . يمسك بهذا الفكر الدوار؟ أو بهذا الواقع الدوار ؟!

إنها ضرورة من ضرورات صيانة النفس البشرية ، والحياة البشرية ، أن تتحرك داخل إطار ثابت ، وأن تدور على محور لا يدور ! إنها على هذا النحو تمضى على السنة الكونية الظاهرة فى الكون كله ، والتى لا تختلف فى جرم من الأجرام !

إنها ضرورة لا تظهر كما تظهر اليوم ، وقد تركت البشرية هذا الأصل الثابت ، وأفلت زمامها من كل ما يشدها إلى محور .وأصبحت بجرم فلكى خرج من مداره ، وفارق محوره الذى يدور عليه فى هذا المدار ويوشك أن يصطدم فيدمر نفسه ويصيب الكون كله بالدمار .

ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن..

والعاقل الواعى الذى لم يأخذه الدوار الذى يأخذ البشرية اليوم . حين ينظر إلى هذه البشرية المنكودة يراها تتخبط فى تصوراتها ، وأنظمتها وأوضاعها ، وتقاليدها وعاداتها وحركاتها كلها تخبطا منكرا شنيعا .. يراها تخلع ثيابها وتمزقها كالمهووس ! وتتشنج فى حركاتها وتتخبط وتتبلط كالممسوس .. يراها تغير أزياءها فى الفكر والاعتقاد ، كما تغير أزياءها فى الملابس ، وفق أهواء بيوت الأزياء . يراها تصرخ من الألم ، وتجرى كالمطارد ، وتضحك كالمجنون ، وتعربد كالسكير ، وتبحث عن لا شئ ! وتجرى وراء أخيله ! وتقذف بأثمن ما تملك ، وتحتضن أقذر ما تمسك به يداها من أحجار وأوضار !

لعنة ! لعنة كالتى تتحدث عنها الأساطير !

إنها تقتل الإنسان وتحوله إلى آلة .. لتضاعف الإنتاج !

إنها تقضى على مقوماته الإنسان وعلى إحساسه بالجمال والخلق والمعانى السامية لتحقيق الربح لعدد قليل من المرابين وتجار الشهوات ، ومنتجى الأفلام السينمائية وبيوت الأزياء .

وتنظر إلى وجوه الناس ، ونظراتهم وحركاتهم وأزيائهم وأفكارهم وآرائهم ودعواتهم . فيخيل إليك أنهم هاربون ! مطاردون ! لا يلوون على شئ ولا يتثبتون من شئ ! ولا يتريثون ليروا شيئا ما رؤية واضحة صحيحة .. وهم هاربون فعلا ! هاربون من أنفسهم التى بين جنوبهم ! هاربون من نفوسهم الجائعة القلقة الحائرة ، التى لا تستقر على شئ ثابت ولا تدور على محور ثابت ، ولا تتحرك فى إطار ثابت .. والنفس البشرية لا تستطيع أن تعيش وحدها شاذة عن نظام الكون كله . ولا تملك أن تسعد وهى هكذا شاردة تائهة ، لا تطمئن إلى دليل هاد ، ولا تستقر على قرار مربح ‍

وحول هذه البشرية المنكودة زمرة من المستنفعين بهذه الحيرة الطاغية ، وهذا الشرود القاتل .. زمرة من المرابين ، ومنتجى السينما ، وصانعى الأزياء والصحفيين ، والكتاب . يهتفون لها بالمزيد من الصرع والتخبط والدوار ، كلما تعبت وكلت خطاها ، وحنت إلى المدار المنضبط والمحور الثابت ، وحاولت أن تعود ‍‍.

زمرة تهتف لها .. التطور .. الانطلاق .. التجديد .. بلا ضوابط ولا حدود .. وتدفعها بكلتا يديها إلى المتاهة كلما قاربت من المثابة .. باسم التطور .. وباسم الانطلاق .. وباسم التجديد ..

إنها الجريمة . الجريمة المنكرة فى حق البشرية كلها وفى حق هذا الجيل المنكود (1) .

وفكرة التطور المطلق لكل الأوضاع ، ولكل القيم ، ولأصل التصور الذى ترجع إليه القيم . فكرة تناقض – كما قلنا – الأصل الواضح فى بناء الكون ، وفى بناء الفطرة ، ومن ثم ينشأ عنها الفساد الذى لا عاصم منه .. إنها تمنح حق الوجود ، ومبرر الوجود ، لكل تصور ، ولكل قيمة ، ولكل وضع ، ولكل نظام . ما دام تاليا فى الوجود الزمنى ‍، وهو مبرر تافه ، عرضى لا ينبغى أن يكون له وزن فى الحكم على تصور أو وضع أو قيمة . إنما ينبغى أن يكون الوزن لمقومات ذاتية فى ذات الوضع أو ذات النظام .

ونحن نعرف أن الفكر الأوربى – فى هروبه من الكنيسة ، ورغبته الخفية والظاهرة فى خلع نيرها . قد مال إلى نفى فكرة الثبات – على الإطلاق – واستعاض عنها فكرة التطور – على الإطلاق – لم يستثن منها أصل العقيدة والشريعة . بل لقد كانت فكرة ثبات مقومات العقيدة والشريعة بالذات هى التى يريد التلفت منها والتملص والخلاص ‍.

وسلوك الفكر الغربى هذا المسلك مفهوم لنا جيدا من خلال الاستعراض السابق . وما يفسره – وإن لم يكن له ما يبرره على إطلاقه – ونحن لا نشتد فى لوم الفكر الغربى على موقفه هذا . وإن لم يكن موقفا خاطئا معيبا . فقد صادف عقيدة محرفة مشوهة مشوبة بالوثنيات والأساطير منذ اللحظة الأولى . ثم واجه كنيسة مستبدة فاسدة فى الوقت ذاته ، تستطيل على الفكر والعلم والناس باسم هذه الخرافات التى تجعلها أساس العقيدة الثابتة ‍.

نحن لا نشتد فى لوم الفكر الغربى على هذا الموقف . ولكننا – فى الوقت ذاته – يجب أن نفطن إلى الأسباب الحقيقية لجنوح الفكر الغربى – أو جموحه – لتغليب فكرة التطور المطلق ، الذى لا يتقيد بأى أصل ثابت ، ولا بأية قيمة ثابتة ، ولا بأية حقيقة ثابتة ، فليست هذه حقيقة علمية وإنما هى شهوة جامحة ، وهوى شارد ، مبعثه الرغبة فى التملص من وثاق الكنيسة الجبار .

إن دارون – وهو يقرر مذهب التطور فى خط سير الحياة – لم يكن يبحث ، ولم يكن بحثه يتناول ، إلا جزئية سطحية من جزئيات هذا الكون ، تبدأ بعد وجود الحياة . ولا تمتد إلى مصدر الحياة ، ولا إلى الإرادة التى صدرت عنها الحياة .. وحتى على فرض صحة نظريته – والآن توجه معاول الهدم إلى صلب النظرية (1) – فإن خط التطور يثبت أن هناك إرادة ثابتة من ورائه . وأنه يتم وفق خط مرسوم لا مجال للمصادفة فيه . وأنه جزء من الحركة التى قانون م قوانين الكون . وحركة الكون كما قلنا ليست فوضى ، وإنما هى تتم حول قاعدة ثابتة وتتم فى إطار ثابت ‍.

وعلى أية حال فلم يكن لا المنهج العلمى ولا الحقائق العلمية هى التى أملت على دارون – حين لم يهتد إلى سر الحياة ، ولم يستطع تعليلها علميا – أن يهرب من ردها إلى الله . ووجودها ذاته يحتم الاعتراف بأن موجدها لابد أن يكون مريدا مختارا فيما يريد ، عليما خبيرا ، قادرا على تحقيق ما يريد .. ولكن دارون كان هاربا من الله لأنه كان هاربا من الكنيسة وإلهها الذى تصول باسمه وتجول .. ومن ثم رد الحياة إلى الطبيعة – التى لا حد لقدرتها كما يقول ، ومن ثم حاول أن يوهم أن لا ثبات لشىء – على الإطلاق – بينما بحثه كله كان فى دائرة خط سير الحياة . بعد وجود الحياة . ولم يكن يتناول كل شئ على الإطلاق (2) .

والمذهب الماركسى ، هو أشد المذاهب الوضعية معارضة لحقيقة الحركة داخل إطار ثابت وحول محور ثابت ، لأن الاعتراف بهذه الحقيقة البارزة فى طبيعة الكون المادى ذاته ، يفقد المذهب ركيزته الأولى التى يقوم عليها ، ويحطم دعواه فى التقدمية كما يفهمها ‍.

وماركس له جدل (Dialektik) ومنطق استخدم فيه مبدأ النقيض الذى عرف للفيلسوفيين الألمانيين قبله : نيتشه وهيجل . ولكن استخدمه فى مجال آخر غير مجال التصور عند نيتشه وغير مجال الفكرة عند هيجل استخدمه فى مجال الاقتصاد مستندا إلى تاريخ الجماعة .

فكلشئ فى نظره يتضمن نقيضه . بحث أن كل شئ يهدم نفسه .. وهذا هو التصوير العام لمبدأ النقيض .. ولكن ماركس يستخدمه للتدليل على وقوع انهيار الجماعات التى قامت على الرأسمالية . فالجماعات السابقة عليها . وهى دول الملوك ، والجماعات الإقطاعية (أصحاب المزارع الكبيرة) انهارت – بناء على تفكير ماركس – لأنها تضمنت عنصر المقابلة أو النقيض . وعلى هذا النحو كذلك ستنهار هذه الجماعة الحديثة الرأسمالية وتتحول إلى المقابل والنقيض . وهو الجماعة الشيوعية ذات الطبقة الواحدة من العمال .

ومع أن مبدأ النقيض لا يقف بتحول الشئ إلى مقابله فقط . بل سيتحول الشئ ومقابله إلى جامع لهما . ثم هذا الجامع يصير إلى شئ يتحول أيضا إلى مقابلة . ثم إلى جامع .. وهكذا . مع أن منطق هذا المبدأ هو الاستمرار فى التحول .. فالماركسية تقف بترقب تحول الجماعة . ولا تتحدث – فضلا عن أن تترقب – عن انهيار الجماعة الشيوعية وسقوطها ، وهدم نفسها فى جماعة مقابلة . بناء على أن كل شئ يتضمن نقيض نفسه ، وفيه عامل الهدم لنفسه .

… وكنتيجة لهذا ( أى التحول الدائم الذى يقف به ماركس عند الشيوعية تحكما وهوى ) أن الذى يعتقد بالقيم الأزلية هو مصدق بأشياء لا توجد . حتى هؤلاء الذين يعتقدون أن بعض القيم للوقت الحاضر ، أو للحال الراهن ، يجب أن يحتفظ بها ، هم مصدقون بما لا يقع . فإذا اعتقد شخص أن كل شئ يتغير .. السذاجة أن يكون محافظا !

وعلى نحو صنيع هيجل فى صياغة مبدأ النقيض ، توضح الماركسية أن كل شئ يتضمن قوتين رئيسيتين متقابلتين : واحدة تسمى الدعوى والأخرى تسمى مقابل الدعوى وهاتان القوتان تهدم إحداهما الأخرى . ولكن ينشأ من الهدم حالة جديدة تسمى جامع الدعوى ومقابلها ثم يسقط هذا الجامع ويتحول إلى مقابلة . وعندئذ نحصل على دعوى ومقابل الدعوى من جديد . ثم ينشأ من تقابلهما وتناقضهما جامع جديد . فى تسلسل لا نهاية له (1) .

وصياغة مبدأ النقيض فى هذه العبارات تناسب تطبيقه فى دائرة الجماعة التى اختارتها الماركسية مجالا للتطبيق . كما تناسب الصراع بين الطبقات فى الجماعة ، التى حرصت هى أيضا على أن يكون مصطلحا لها ، بدلا عن التقابل بين الشئ ومقابله ، الذى اصطلح عليه نيتشه وهيجل من قبل فى شرح النقيض .

واستخدم مبدأ النقيض فى دائرة الجماعة – كما اختارت الماركسية – يعطيها دليلا على الشيوعية – كجماعة – هى أسمى فى القيمة من كل جماعة وجدت سابقا ! فالجماعة ذات النظام الملكى سقطت ، وتحولت إلى الجانب المقابل – وهو حكام الملك من جانب والعبيد والفقراء من جانب آخر – ومن الكفاح بين الفريقين المتقابلين تكون الجامع بين الشئ ومقابله – وهو الجماعة الإقطاعية – وبعد ذلك سقط الإقطاع فى القوة المقابلة – وهى قوة الملاك من جانب والفلاحين من جانب آخر نشأت الرأسمالية .. وتريد الماركسية أن تقول الآن : إن الرأسمالية (فى الصناعة) ستسقط فى القوة المقابلة – وهى قوة العمال من جانب وأصحاب العمل من جانب آخر والجماعة الجديدة هى الجماعة الاشتراكية الماركسية ذات الطبقة الواحدة !

ولكن أيقف مبدأ النقيض عند هذه الجماعة الجديدة ؟ أم ستسقط هى بدورها فى مقابل لها – كما هى ضرورة منطق هذا المبدأ – كضرورة حتمية فى الوجود ؟!

وانتقال الجماعة من حال إلى حال يصحبه فى نظر الماركسية التطور فى القيمة فالإقطاع أسمى من دولة الملك . والرأسمالية أسمى من الإقطاع . والشيوعية أسمى من الجماعات الرأسمالية !

وادعاء أن كل جماعة أسمى من سابقتها مصدر براق للدعاية الشيوعية . وكثير من الناس يصيرون أتباعا للشيوعية ، لأنهم يعتقدون أنهم يعملون من أجل عالم أحسن من أى عالم وجد قبل ذلك (1) .

وظاهر من هذا العرض لأصول المذهب الماركسى أنه قائم على التحكم الذى تمليه الرغبة فى الوصول إلى نتائج معينة مرسومة من قبل ! لا على الواقع . ولا على تتبع هذا الواقع .

القسم الثاني

فمبدأ النقيض ابتداء – كما هو فى فلسفة نيتشه وهيجل – مجرد تحكم تصورى فكرى ، لا رصيد له من الواقع – كما أسلفنا – وحين يطبقه كارل ماركس على تاريخ الجماعة البشرية ، يتعمد أولا أن يسقط جميع مقومات الجماعات البشرية ، التى يمكن أن يجرى فيه التحول – إذا صح مبدأ النقيض – ويعتمد فقط المقوم الاقتصادى ويشرح التحول فيه – وهو على كل أهميته – لا يمثل كل مقومات الحياة الإنسانية .. ثم هو بعد ذلك كله يعتمد تاريخ جماعة معينة – هى الجماعة الأوربية – ثم هو يتحكم فى تاريخ هذه الجماعة الخاصة ، فيختار نقطا معينة فيه ، فضلا على استحالة إدراك فرد واحد ، فى جيل من الأجيال ، لجميع العوامل والمؤثرات التى لعبت أدوارها فى حياة هذه الجماعة على مدار القرون ! فيختار مظهرا واحدا من مظاهر نشاطها ويهمل سائر المظاهر ! ثم يتحكم مرة رابعة أو خامسة أو عاشرة ، فيعتبر أن كل وضع تال خير من الوضع السابق له على الإطلاق . ومع ذلك لا يريد أن يدع العجلة تمضى إلى وضع خير من الشيوعية .. بل يتوقف سير التاريخ عند هذه النقطة ! ويضحى بالخير الآتى .

ومع هذا التهافت فى بناء المذهب على مجرد التحكم والهوى ، فقد صحبته لوثة فى وزن القيم لم تقتصر على معتنقيه بل تجاوزتهم إلى المعارضين له كذلك : فى أوربا وفى أمريكا ! لوثة التخلى عن كل ما سبق ، والتقاط كل ما هو لاحق . ولوثة التحلل من كل قيمة تصد الشهوات عن الانطلاق بلا حدود ولا قيود ، ولوثة السخرية من ثبات القيم الأخلاقية وغير الأخلاقية . اللوثة التى كان للماركسية من ورائها هدف خاص ، وغاية مرسومة سلفا . ولم تكن هى بذاتها نتيجة منطقية لأية دراسة علمية !

فالتطور المطلق هو مجرد عملية تبرير لكل ما يراد عمله أولا وقبل كل شئ عملية تبرير لما تريده الدولة بالأفراد ، بحيث لا يكون هناك حق ثابت يفئ إليه الجميع ، ولا دستور ثابت يتحاكم إليه الجميع !

وفى نظير إطلاق يد الدولة تجاه الأفراد من كل قيد ، تطلق الدولة شهوات الأفراد من كل قيد . ليجدوا فى هذا الانطلاق الحيوانى تعويضا عن قيمهم المسلوبة ، وحرياتهم المسلوبة ، وحقوقهم المسلوبة !

انطلاق حيوانى للشهوات ويقابله انطلاق استبدادى للسلطة .. واحدة بواحدة .. وبدلا من أن تقوم هذه الصفقة على مجرد الاصطلاح العرفى الصامت بين الفريقين ! فإنها تقوم على مبدأ فلسفى ! وعلى مذهب علمى ! تقوم على مبدأ النقيض وتقوم على المادية الجدلية !

وهذا هو المذهب الذى يزعم أن الدين مخدر وأن ثبات القيم فى الدين مقصود به خدمة الطبقة الحاكمة !

إن هذا الثبات فى مقومات التصور الإسلامى وقيمة – فضلا على أنه امتداد للنظام الكونى – هو الذى يضمن للحياة الإسلامية خاصية الحركة داخل إطار ثابت حوا محور ثابت فيضمن للحياة الإسلامى وللحياة الإسلامية مزية التناسق مع النظام الكونى العام ، ويقيه شر الفساد الذى يصيب الكون كله لو اتبع أهواء البشر ، بلا ضابط من قاعدة ثابتة لا تتأرجح مع الأهواء .

وهو الذى يقى الفكر الإسلامى ويقى المجتمع الإسلامى مثل تلك اللوثة فى الفكر الماركسى وفى الجماعة الشيوعية ، وهى اللوثة ذاتها التى أصابت الفكر الغربى والمجتمعات الغربية بصفة عامة – حتى وهى تعرض الماركسية من الناحية المذهبية والسياسية – وذلك منذ أفلتت من نطاق العقيدة ، فى ظل تلك الملابسات النكدة ..

وهو الذى يبث الطمأنينة فى الضمير المسلم ، وفى المجتمع المسلم .. الطمأنينة إلى ثبات الإطار الذى تحرك فيه حياته ، وثبات المحور الذى تدور حياته حوله . فيشعر أن حركته إلى الأمام ، ثابتة الخطو ، موصولة الخيط ، ممتدة من الأمس إلى اليوم إلى الغد . نامية مطردة النمو . صاعدة فى المرتقى المرسوم ، بالتقدير الإلهى القويم .

ثم هو – فى النهاية – الذى يضمن للمسلم فى المجتمع الإسلامى مبادئ ثابتة يتحاكم إليها هو وحكامه على السواء . فلا يطلق هؤلاء أيديهم فى مقوماته وحرياته وحقوقه ، وفى مقابل أن يطلقوا هم حرية الشهوات والنزوات الحيوانية للجماهير المكبوتة فى قماقم الاستبداد !

وبعد فإن التصور الإسلامى – من ثم – يقوم على أساس أن هناك حالتين اثنتين للحياة البشرية . ولا علاقة للزمان أو للمكان فى تقدير قيمة هاتين الحالتين . إنما القيمة لذات كل حالة . ولوزنها فى ميزان الله الثابت ، الذى لا يتأثر بالزمان والمكان ..

حالتان اثنتان تتعاوران الحياة البشرية على مدى الزمان واختلاف المكان : حالة الهدى وحاله الضلال – مهما تنوعت ألوان الضلال – حالة الحق وحالة الباطل – مهما تنوعت ألوان الباطل – حالة النور وحالة الظلام – مهما تنوعت ألوان الهوى – حالة الإسلام وحالة الجاهلية – وإما أن يلتزم الناس الإسلام دينا (أى منهجا للحياة ونظاما) وإلا فهو الكفر والجاهلية والهوى والظلام والباطل والضلال .

إن الدين عند الله الإسلام …

ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلا يقبل منه ..

فماذا بعد الحق إلا الضلال ؟…

ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ، ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون …

وأن هذا صراطى مسقيما فاتبعوه ، ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله …

الله ولى الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور . والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات …

ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون …

أفحكم الجاهلية يبغون ؟ ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون؟

فإن تنازعتم فى شئ فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر …

فإذا ثبت هذا الإطار استطاعت الحياة – فكرة وتصورا وواقعا ونظاما – أن تتحرك فى داخله بحرية ومرونة ، واستجابة لكل تطور فطرى صحيح ، مستمد من التصور الكلى الثابت القويم.

والقيمة الكبرى لهذه الخاصية هى تثبيت الأصل الذى يقوم عليه شعور المسلم وتصوره ، فتقوم عليه الحياة الإسلامية والمجتمع الإسلامى فى استقرار وثبات . مع إطلاق الحرية للنمو الطبيعى فى الأفكار والمشاعر ، وفى الأنظمة والوضاع . فلا تتجمد فى قالب حديدى ميت – كالذى أرادته الكنيسة فى العصور الوسطى – ولا تنفلت كذلك من كل ضابط انفلات النجم الهالك من مداره وفلكه ‍وانفلات القطيع الشارد فى المهلكة المقطوعة كما صنعت أوربا فى تاريخها الحديث ، حتى انتهت إلى ذلك التفكير الماركسى الشائه .

ولعل هذه الخاصية هى التى ضمنت للمجتمع الإسلامى تماسكه وقوته مدى ألف عام . على الرغم من جميع الهزات ، ومن جميع الضربات ، ومن جميع الهجمات الوحشية عليه من أعدائه المحيطين به فى كل مكان .. ولم يبدأ تفككه وضعفه إلا منذ أن تخلى عن هذه الخاصية فى تصوره ، وإلا منذ أن أفلح فى تنحيه التوجيه الإسلامى ، وإحلال التوجيهات الغربية مكانه فى العالم الإسلامى (1) .

ومما لاشك فيه أن المجتمع الذى يجرى دائما وراء تصورات متقلبة أبدا ، لا تستند إلى أصل ثابت إطلاقا ، تنبع من الفكر البشرى المحدود المعرفة ، الظنى المعرفة كذلك ، الذى يبنى عمله – مهما علم – على الظن والحدس والخرص ، والفروض المتقلبة أبدا .. ثم يجعل من هذا العلم الظنى إلها ، أو يجعل من الهوى المتقلب إلها ، يتلقى منه التصورات والقيم والموازين .

ما لا شك فيه أن مجتمعا كهذا معرض دائما للهزات العنيفة ، والأرجحة المستمرة ، التى تنشئ فى عقله الحيرة ، وفى ضميره البلبلة ، وفى أعصابه التعب ، وفى حياته الشرود الشرود ، وفى كيانه الفساد .

وهذا هو الذى حدث فى المجتمعات الأوربية المفلتة من كل أصل ثابت . وهذا الذى تشقى به البشرية كلها اليوم . وهى تخبط فى التيه ، وراء المجتمعات الأوربية الشاردة (1) .

لابد من تصور ثابت المقومات والقيم ، يجئ من مصدر ثابت العلم والإرادة ‍، مصدر يرى المجال كله ، والخلط كله ، فلا تخفى عليه منحنيات الدرب ، ولا يقدر اليوم تقديرا يظهر فى عد خطؤه ونقصه ، ولا تتلبس به شهوة أو هوى يؤثر فى موازينة وتقديراته .. ولا ضير بعد هذا من الحركة والتغير والتطور والنمو والترقى .. بل تصبح كلها مطلوبة ، وتصبح كلها مأمونة ، وتصبح كلها تلبية للفطرة : القائمة على الحركة داخل إطار ثابت حول محور ثابت . ولكنها حركة راشدة واعية ، مدركة للغاية الثابتة التى تتجه إليها ، فى خطو متزن ، مستقيم راسخ .. وهذا هو ضمان الحياة الطويلة المدى ، المتناسقة التصميم .

ولا نحتاج إلى الحيطة ضد التجمد فى قالب حديدى ، ونحن نستمسك بهذه الخاصية فى التصور الإسلامى – خاصية الحركة داخل إطار ثابت حول محور ثابت فخاطر التجمد لا يرد على مثل هذا التصور ، ولا على الحياة التى تتحرك فى إطاره .

فالحركة كما قلنا هى القاعدة فيه ، كما أنها هى القاعدة فى التصميم الكونى . والكون لا يتجمد ولا يأسن ولا يفسد ولا يركد . فهو فى حركة دائمة ، وفى تغير دائم ، وفى تطور دائم ، وفى تشكل مستمر فى كل لحظة . ولكنه يتحرك مع استبقاء حقيقته الأصيلة كما قلنا فى مطلع هذه الفقرة.

وحين نطالع مذاهب الفكر الغربى ، فنرى الطابع الغالب عليها هو اعتبار التطور المطلق – دون الرجوع إلى أى أصل ثابت – فيجب أن نكون واعين للعوامل التاريخية التى جعلت هذا الفكر يجنح – أو يجمح – هكذا ، ويجب أن نفطن لما اندس فى هذا الفكر من عداء عميق كامن للتفكير الدينى على الإطلاق ، والأسباب القابعة وراء هذا العداء .ويجب أن ندرك أن مناهج هذا الفكر – بما اندس فى صلبها من هذا العداء – لا تصلح للتطبيق على مناهجنا الإسلامية ، ولا تصلح للاستعانه بها فى بحوثنا الإسلامية كذلك ‍.

إننا نقتبس من هذا الفكر – تارة مناهجه ، وتارة النتائج التى وصل إليها ، وتارة رقعا ممزقة منه – ثم نخلط هذا كله بحديثنا عن الإسلام ، أو عن المجتمع ، أو عن مناهج الفكر والنظر .. وهذه كلها جهالة تتباهى وهى تتبدى فى ثياب المعرفة ‍.

وأحيانا يضاف إلى الجهالة التفاهة وسوء النية كذلك .

يقول الأستاذ المهتدى محمد أسد (ليوبولدفايس) فى كتابه القيم : الإسلام على مفترق الطرق:

يخبرنا التاريخ أن جميع الثقافات الإنسانية ، وجميع المدنيات ، أجسام عضوية تشبه الكائنات الحية .. إنها تمر فى جميع أدوار الحياة العضوية ، التى يجب أن تمر بها . إنها تولد ، ثم تشب وتنضج ، ثم يدركها البلى فى آخر الأمر . فالثقافات كالنبات الذى يذوى ثم يستحيل ترابا , تموت فى أواخر أيامها ، وتفسح المجال لثقافات أخر ولدت حديثا .

أهذه إذن حال الإسلام ؟ ربما ظهرت كذلك عند إلقاء أول نظرة سطحية .. ما لا شك فيه أن الثقافة الإسلامية شهدت نهضة مجيدة ، وعهدا من الازدهار . وكان لها من القوة ما يلهم الرجال جلائل الأعمال ، وأنواع التضحية . ولقد غيرت معالم الشعوب ، وخلقت دولا جديدة .. ثم سكنت وركدت ، وأصبحت كلمة جوفاء .. وها نحن أولاء نشهد انحطاطها التام وانحلالها ,, ولكن هل هذا كل ما فى الأمر ؟

إذ كنا نعتقد أن الإسلام ليس مدنية من المدنيات الآخر ، وليس نتاجا بسيطا لآراء البشر وجهودهم ، بل هو شرع سنة الله لتعمل به الشعوب فى كل مكان وزمان ، فإن الموقف يتبدل تماما.

وإذا كانت الثقافة الإسلامية – فى اعتقادنا – نتيجة لاتباعنا شرعا منزلا .. فإننا حينئذ لا نستطيع أبدا أن نقول : إنها كسائر الثقافات ، خاضعة لمرور الزمن ، ومقيدة بقوانين الحياة العضوية .. ثم إن ما يظهر إنحلالا فى الإسلام ليس إلا موتا وخلاء يحلان فى قلوبنا ، التى تبلغ من خمولها وكسلها أنها لا تستمع إلى الصوت الأزلى .. ثم ليس ثمة علامة ظاهرة تدل على أن الإنسانية – مع نموها مع الحاضر – قد استطاعت – أن تشب عن الإسلام .. إنها لمن تستطع أن تبنى فكرة الإخاء الإنسانى على أساس عملى ، كما استطاع الإسلام أن يفعل ، حينما أتى بفكرة القومية العليا : الأمة .. إنها لم تستطع أن تشيد صرحا اجتماعيا يتضاءل التصادم والاحتكاك بين أهله فعلا على مثال ما تم فى النظام الاجتماعى الإسلامى .. إنها لم تستطع أن ترفع قدر الإنسان ، ولا أن تزيد فى شعوره بالأمن ، ولا فى رجائه الروحى وسعادته .

ففى جميع هذه الأمور نرى الجنس البشرى فى كل ما وصل إليه ، مقصرا كثيرا عما تضمنه المنهج الإسلامى .. فأين ما يبرر القول إذن بأن الإسلام قد ذهبت أيامه ؟ أذلك لأن أسسه دينية خالصة . والاتجاه الدينى زى غير شائع اليوم ؟ ولكن إذا رأينا نظاما بنى على الدين ، قد استطاع أن يقدم منهاجا للحياة أتم وأمتن وأصلح للمزاج النفسانى فى الإنسان ، من كل شئ آخر يمكن العقل البشرى أن يأتى به عن طريق الإصلاح والاقتراح … أفلا يكون هذا نفسه حجة بالغة فى ميدان الاستشراف الدينى ؟

لقد تأيد الإسلام – ولدينا جميع الأدلة على ذلك – بما وصل إليه الإنسان من أنواع الإنتاج الإنسانى ، لأن الإسلام كشف عنها ، وأشار إليها ، على أنها مستحبة ، قبل أن يصل إليها الناس بزمن طويل .

ولقد تأيد أيضا – على السواء – بما وقع فى أثناء التطور الإنسانى من قصور وأخطاء وعثرات . لأنه كان قد رفع الصوت عاليا واضحا بالتحذير منها ، من قبل أن تتحقق البشرية أن هذه أخطاء .. وإذا صرفنا النظر عن الاعتقاد الدينى نجد – من وجهة نظر عقلية محض – كل تشويق إلى أن نتبع الهدى الإسلامى ، بصورة عملية ، وبثقة تامة …

…نحن لا نحتاج إلى فرض إصلاح على الإسلام – كما يظن بعض المسلمين – لأن الإسلام كامل بنفسه من قبل . أما الذى نحتاج إليه فعلا ، فهو إصلاح موقفنا من الدين ، بمعالجة كسلنا ، وغرورنا ، وقصر نظرنا ، وبكلمة واحدة : معالجة مساوئنا …

… إن الإسلام – كمؤسسة روحية واجتماعية – غنى عن كل تحسبن . وإن كل تغيير فى مثل هذه الحال يطرأ على مدركاته وعلى تنظيمه الاجتماعى ، بافتئات من ثقافة أجنبية – ولو بإشراق ضئيل – سيكون مدعاة إلى الأسف الشديد ، وسترجع الخسارة حتما علينا نحن (1) .

ونحن نقول ، إن الخسارة لن ترجع علينا – نحن المسلمين وحدنا – ولكنها سترجع على البشرية كلها .. سترجع على البشرية كلها بتشويه وتحريف المصدر الوحيد الباقى لها من هداية الله . وتكدير – أو تسميم – المورد الوحيد ، الذى يمكن أن تستقى منه الهدى الربانى الخالص .. وسترجع على البشرية كلها بحرمانها هذه المثابة الثابتة المستقرة ، فى الأرض المرجرجة التى تمور بالأهواء . والتى ظهر فيها الفساد فى البر والبحر بما كسبت أيدى الناس ولم تعد لها منجاة إلا فى هذه المثابة الأمنة المستقرة ، الموصولة بالله ..

والذين يحاولون زعزعة هذه المثابة .. سواء باسم التجديد والإصلاح والتطور ، أو باسم التخلص من مخلفات القرون الوسطى ! أو تحت أى شعار آخر ، هم أعداؤنا الحقيقيون . هم أعداء الجنس البشرى . وهم الذين ينبغى أن نطاردهم ، وأن نطلب إلى الجنس البشرى مطاردتهم كذلك !

إنهم يتحدثون باسم التقدمية ضد الرجعية فى حين أنهم لا يزالون يقتاتون على نتاج القرن التاسع عشر ، أو القرن الثامن عشر – نتاج أوربا لا نتاجهم ! – ولم يصلوا بعد إلى نتاج القرن العشرين إنهم متخلفون فى تفكيرهم نصف قرن على الأقل . لم يعلموا بعد أن التفكير الأوربى نفسه ، بينما هم يتعبدون لمادية وجدلية الفكر الماركسى ومشتقاته ! ولنشوء وارتقاء دارون ومشتقاته ! إنهم رجعيون يزعمون أنهم تقدميون ! بينما التقدمية الحقيقية اليوم تجد نفسها مضطرة أن تعود إلى الدين . تتطلب عنده الطمأنينة والراحة واليقين . بعد الحيرة والقلق والشرود خلال ثلاثة قرون !

ونحن الذين وقانا الله شر تلك الملابسات التاريخية التى شردت الفكر الغربى فى مجهل التيه .. نكون أحمق الحمقى إذا نحن شردنا فى التيه مختارين بدون عذر ولا سبب ولا ملابسه من ملابسات التاريخ !

ولا نكون مضيعين لأنفسنا فى التيه فحسب ، بل نكون مضيعين للبشرية كلها ، حين نفقدها المثابة الثابتة ، التى يمكن أن تفئ إليها ذات يوم . فتجد عندها الأمن والطمأنينة والاستقرار ، بعد طول الشرود والقلق والعثار.

فلنقدر تبعتنا الخطيرة تجاه أنفسنا وتجاه البشرية كلها فى هذا الأمر الخطير .

الشمول

القسم الأول

وكل شئ أحصيناه فى إمام مبين

والخاصية الثالثة من خصائص التصور الإسلامى هى .. الشمول .. وهى كذلك ناشئة من طبيعة الخاصية الأولى : خاصية أنه ربانى ، من صنع الله لا من صنع الإنسان .. والشمول طابع الصنعة الإلهية الأصيل !

فالإنسان لأنه أولا محدود الكينونة من ناحية الزمان والمكان .. إذ هو حادث فى زمن ، يبدأ بعد عدم ، وينتهى بعد حدوث .. ومتحيز فى مكان ، سواء كان فردا أو كان جيلا أو كان جنسا، لا يوجد إلا فى مكان ، ولا ينطلق وراء المكان – كما أنه لا يوجد إلا فى زمان ولا ينطلق وراء الزمان – ولأنه محدود الكينونة من ناحية العلم والتجربة والإدراك .. يبدأ علمه بعد حدوثه ، ويصل من العلم إلى ما يتناسب مع حدود كينونته فى الزمان والمكان ، وحدود وظيفته كذلك – كما أسلفنا ولأنه فوق أنه محدود الكينونة – بهذه الاعتبارات كلها – محكوم بضعفه وميله وشهوته ورغبته – فوق ما هو محكوم بقصوره وجهله …

الإنسان وهذه ظروفه ، حينما يفكر فى إنشاء تصور اعتقادى من ذات نفسه ، أو فى إنشاء منهج للحياة الواقعية من ذات نفسه كذلك ، يجئ تفكيره محكوما بهذه السمة التى تحكم كينونته كلها .. يجئ تفكيره جزئيا .. يصلح لزمان ولا يصلح لآخر ، ويصلح لمكان ولا يصلح لآخر . ويصلح لحال ولا يصلح لآخر ، ويصلح لمستوى ولا يصلح لآخر.. فوق أنه لا يتناول الأمر الواحد من جميع زواياه وأطرافه ، وجميع ملابساته وأطواره ، وجميع مقوماته وأسبابه .. لأن هذه كلها ممتدة فى الزمان والمكان ، وممتدة فى الأسباب والعلل ، وراء كينونة الإنسان ذاته ، ومجال إدراكه .. وذلك كله فوق ما يعتور هذا التفكير من عوامل الضعف والهوى وهما سمتان إنسانيتان أصلتان !

وكذلك لا يمكن أن تجئ فكرة بشرية ، ولا أن تجئ منهج من صنع البشرية يتمثل فيه الشمول أبدا .. إنما هو تفكير جزئى . وتفكير وقتى . ومن جزئيته يقع النقص ، ومن وقتيته يقع الاضطراب الذى يختم التغيير ، ويتمثل فى الأفكار التى استقل البشر بصنعها ، وفى المناهج التى استقل البشر بوضعها داوم التناقض أو داوم الجدل المتمثل فى التاريخ الأوربى !

فأما حين يتولى الله – سبحانه – ذلك كله .. فإن التصور الاعتقادى ، وكذلك المنهج الحيوى المنبثق منه ، يجيئان بريئين من كل ما يعتور الصنعة البشرية من القصور والنقص والضعف والتفاوت .. وهكذا كان الشمول خاصية نم خواص التصور الإسلامى .وتتمثل خاصية الشمول التى يتسم بها هذا التصور فى صور شتى :

إحدى هذه الصور وأكبرها : رد هذا الوجود كله .. بنشأته ابتداء ، وحركته بعد نشأته ، وكل انبثاقه فيه ، وكل تحور وكل تغير وكل تطور . والهيمنة عليه وتدبيره وتصريفه وتنسيقه .. إلى إرادة الذات الإلهية السرمدية الأزلية الأبدية المطلقة .. هذه الذات . المريدة ، القادرة . المطلقة المشيئة ، المبدعة لهذا الكون ، ولكل شئ فيه ولكل حى ولكل حركة وكل انبثاقة وكل تحور وكل تغير وكل تطور بقدر خاص .. وبمجرد توجه الإرادة ..

فالله سبحانه هو الذى أنشأ هذا الكون ابتداء ، وهو الذى يحدث فيه بمشيئته كل تغيير جديد ، وكل انبثاق وليد ..

وهذه هى حقيقة التوحيد الكبيرة ، التى هى المقوم الأول للتصور الإسلامى .. وتقرير هذه الحقيقة يشغل مساحة واسعة من القرآن الكريم . لا نملك أن نستعرضها هنا . فسيجىء بعضها عند ذكر خاصية الإيجابية فى هذا القسم . كما سيجئ بعضها الآخر عند ذكر خاصية التوحيد فى نهاية هذا القسم من البحث . ثم يجئ التفصيل الكامل بوصفها المقوم الأول من مقومات التصور الإسلامى ، فى القسم الثانى من هذا البحث الخاص بالمقومات . فنكتفى هنا بتقدير قيمة هذه الخاصية .

إن هذا التصور – عن طريق خاصية الشمول فى صورتها هذه – يملك أن يعطينا تفسيرا مفهوما . لوجود هذا الكون ابتداء . ثم لكل حركة فيه بعد ذلك وكل انبثاقة .. ويعطينا – على الأخص – تفسيرا مفهوما لانبثاق ظاهرة الحياة فى المادة الصماء . وهى بدون شك شئ آخر غير المادة الصماء . شئ هائل . وشئ عجيب . وشئ مقصود . وبين خصائصه المادة الصماء من الأبعاد ، ما يملى مباشرة ما بين العدم والوجود من الأبعاد .

إن هذا الكون يواجه الكينونة الإنسانية ابتداء بوجوده ! ويتطلب منها إدراكا وتفسيرا لهذا الوجود . ثم يواجهها بتناسقه وتوازنه وموافقاته العجيبة – التى يستحيل أن تأتى بها المصادفة – فللمصادفة كذلك قانون يستحيل معه أن تتجمع هذه الموافقات كلها مصادفة (1) . ويتطلب منه إدراكا وتفسيرا لهذا التناسق والتوازن والموافقات العجيبة ! …

والحياة – كذلك تواجه الكينونة الإنسانية بعلامات استفهام كثيرة ، لا تقل – إن لم تزد عمقا – عن علامات الاستفهام التى يثيرها الكون بوجوده وتناسقه :

هذه الحياة كيف انبثقت فى المادة الميتة ؟ وكيف سارت – وتسير – سيرتها هذه العجيبة المحوطة بآلاف الموافقات الموازنات والتقديرات المرسومة المحسوبة بهذا الحساب الدقيق ؟

إن التصور الإسلامى هو – وحده – الذى يملك أن يقدم لنا التفسير المفهوم لكل هذه الموافقات فى تصميم الكون . هو الذى يملك أن يقدم لنا تفسيرا نواجه به كل علامة استفهام عن وجود هذا الكون ابتداء ، وعن كل انبثاقة تقع فيه . كما أنه هو الذى يملك أن يفسر لنا سر انبثاق الحياة فى المادة الميتة ، وسر سيرتها هذه السيرة العجيبة . دون أن نضطر إلى الهروب من سؤال واحد ، أو إلى المماحكة والمماحلة والإحالة إلى جهات غير محددة المفهوم – كالإحالة إلى الطبيعة !

إن المسافة بين الوجود والعدم مسافة لا يكاد يعبرها العقل البشرى . فكيف وجد هذا العالم ؟ كيف وجدت هذه الطبيعة إن كانوا يعنون بها الوجود المادى ؟ كيف يعبر العقل البشرى هذه المسافة الهائلة إلا بالإحالة على الإرادة المبدعة ، التى تقول للشئ : كن فيكون ؟ إنه لم يعترف بهذه الإرادة المبدعة عجز تماما عن التعليل والتفسير . أو تخبط الفلاسفة فى شتى العصور !

والمسافة بينا مادة الجامدة والخلية الحية تلى المسافة التى بين الوجود والعدم . إنها كذلك مسافة هائلة لا يعبرها العقل البشرى إلا بالإحالة على تلك الإرادة المبدعة ، التى تنشئ ما تريد إنشاء ، وتبدعه إبداعا . إرادة الله الذى أعطى كل شئ خلقه ثم هدى .

والعقل البشرى ، والكينونة البشرية كلها تجد فى هذا الجواب ما يريح . لأنه مفر من أن تجئ الحياة إلى المادة الميتة من مصدر آخر غير المادة الميتة الفاقدة للحياة ففاقد الشئ لا يعطية . ولا يمكن القول بأن الحياة خاصية من خواص المادة الكامنة فيها .. وإلا فكيف ظلت كامنة فيها ما لا يحصى من السنين ، لتظهر فى وقت معلوم ، دون مدبر وراءها ودون قصد مرسوم ؟!

وحسبنا هذه العجالة عن الكون والحياة فى هذا الموضع ، فسيجئ الكلام المفصل عنهما فى موضعه فى القسم الثانى . ولنعد إلى خاصية الشمول التى نتحدث عنها والتى تتجلى فى رد كل شئ فى هذا الكون إلى الله . وشمول إرادته وتدبيره وهيمنته وسلطانه لكل شئ .. فنورد بعض النصوص القرآنية التى ترسم هذه الخاصية :

إنا كل شئ خلقناه بقدر (القمر : 49)

وخلق كل شئ فقدره تقديرا(الفرقان : 2)

وكل شئ عنده بمقدار

الذى أعطى كل شئ خلقه ثم هدى

إنما قولنا لشئ إذا أردناه أن نقول له كن فيكون

إِنَّ رَبَّكُمْ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ

وَآيَةٌ لَهُمْ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ(37)وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ(38)وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ(39)لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ

وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ

وجعلنا من الماء كل شئ حى

إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنْ الْحَيِّ ذَلِكُمْ اللَّهُ فَأَنَّا تُؤْفَكُونَ(95)فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ(96)وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ(97)وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ(98)وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنْ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ

وحتى الأحداث التى يبدو فيها سبب قريب ظاهر ، يعنى التصور الإسلامى بردها إلى إرادة الله من وراء الأسباب القريبة .

نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ(57)أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ(58)أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ(59)نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمْ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ(60)عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ(61)وَلَقَدْ عَلِمْتُمْ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذكَّرُونَ(62)أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ(63) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ(64)لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلَلْتُمْ تَتَفَكَّهُونَ(65)إِنَّا لَمُغْرَمُونَ(66)بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ(67)أَفَرَأَيْتُمْ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ(68)أَأَنْتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنْ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ(69)لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ(70)أَفَرَأَيْتُمْ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ(71)أَأَنْتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنشِئُونَ(72)نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ(73) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ …

فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ

ولا نملك فى هذا الموضع أن نمضى – أكثر من هذا – فى تصوير خاصية الشمول فى صورتها هذه – صورة التوحيد – فسيجئ تفصيلها فى القسم الثانى من الكتاب عند الكلام عن مقومات التصور الإسلامى .. فحسبنا هذا المجمل فى بيان هذه الخاصية..

وحسبنا أن نقول : إن التصور الإسلامى – عن طريق هذه الخاصية فى صورتها هذه – يمنح القلب والعقل راحة وطمأنينة ، واتصالا بحقيقة المؤثرات الفاعلة فى هذا الوجود – كما هى فى عالم الحقيقة والواقع – ويعفى الفكر البشرى من الضرب فى التيه بلا دليل ، ومن الإحالة على أسباب غير مضبوطة – وأحيانا غير موجودة – كالإحالة على الطبيعة ! أو الإحالة على العقل ! أو الإحالة على كائنات أسطورية كالتى تصورتها الوثنيات ، وتلبست بها الفلسفات على مدار التاريخ .

وذلك كله فضلا على العنصر الأخلاقى الذى ينشئه هذا التصور ويثبته ، فى القلب البشرى وفى الحياة البشرية . وهو يرد خيوط الكون والحياة كلها إلى يد الله ، ورقابته ، وهيمنته ، وسلطنه (مما سنفصل الحديث عنه فى خاصية الإيجابية) .

وصورة أخرى من صور خاصية الشمول فى التصور الإسلامى .. فهو كما يتحدث عن حقيقة الألوهية وخصائصها وآثارها وصفاتها ، باعتبارها الحقيقة الأولى ، والحقيقة الكبرى والحقيقة الأساسية فى هذا التصور .. كذلك يتحدث عن حقيقة العبودية وخصائصها وصفاتها . يتحدث عن هذه الحقيقة ممثلة فى الكون والحياة والإنسان . فيتحدث عن حقيقة الكون ، وعن حقيقة الحياة ، وعن حقيقة الإنسان ، يتناول – فى هذا الحديث – طبيعتها ونشأتها وصفاتها وأحوالها ، وعلاقاتها فيما بينها ، ثم علاقتهها بالحقيقة الإلهية الكبرى .

ويربط بين مجموع تلك الحقائق ، من جميع جوانبها ، فى تصور واحد منطقى فطرى ، يتعامل مع بديهية الإنسان وفكرة وجدانه ، ومع مجموع الكينونة البشرية فى يسر وسهولة .

وهكذا تتكون من مجموعة الحقائق التى يتناولها هذا التصور فى شمول وسعة ودقة وتفصيل ، وصورة كاملة شاملة ، وتفسير جامع مفصل ، لا يحتاج إلى إضافة من مصدر آخر . بل لا يقبل إضافة من مصدر آخر . لأنه أوسع واشمل ، وأدق وأعمق ، وأكثر تناسقا وتكاملا من كل مصدر آخر ..

ولقد وقع الفساد فى التصور الإسلامى ، ووقع التعقيد والتخليط ، حينما شاء جماعة ممن عرفوا فى التاريخ باسم فلاسفة الإسلام أن يستعيروا بعض التصورات الفلسفية الإغريقية ، وبعض المصطلحات – وبخاصة من أرسطو وأفلوطين وبعض اللاهوتيين المسيحيين – ويدخلوها فى جسم التصور الإسلامى !

إن هذا التصور من الشمول والسعة ، ومن الدقة والعمق ، ومن الأصالة والتناسق بحيث يرفض كل عنصر غريب عليه ، ولو كان هذا العنصر اصطلاحا تعبيرا من الاصطلاحات التى تقتضيها أزياء التفكير الأجنبية ، فكل اصطلاح له تاريخ معين ، وله إيحاءات معينة مستمدة من ذلك التاريخ ، ولا يمكن تجريده من هذه الملابسات ، والزج به فى مجال جديد ، منقطع عن تاريخه .. وللتصور الإسلامى اصطلاحاته الخاصة المتفقة فى طبيعة اشتقاقها اللغوى ، وفى ملابساتها التاريخية والموضوعية ، مع طبيعته وإيحاءاته .. وهذه ظاهرة دقيقة ، تحتاج إلى حس لطيف ، يدرك مقتضيات هذا التصور فى الشعور ، ومقتضياته كذلك فى التعبير .

إن هذا التصور يقوم ابتداء على تعريف الناس بربهم تعريفا دقيقا كاملا شاملا يعرفهم بذاته سبحانه ، ويعرفهم بصفاته ، ويعرفهم بخصائص الألوهية المتفردة ، التى تفرقها تماما من خصائص العبودية . كما يعرفهم بأثر هذه الألوهية فى الكون ، وفى الناس ، وفى جميع العوالم والأمم الحية . ويتم هذا التعريف على نطاق واسع جدا فى القرآن الكريم ، يصبح معه الوجود الإلهى فى النفس البشرية ، وجودا أكيدا واضحا ، موحيا ، مؤثرا ، يأخذ النفس من أقطارها جميعا ، وتعيش معه النفس مشدودة إليه ، لا تملك التفلت منه ، ولا نسيانه ، ولا إغفاله ، لأنه من القوة والوضوح والفاعلية ، بحيث يواجه النفس دائما ، ويرائى لها دائما ، ويؤثر فيها دائما :

الحمد لله رب العالمين . الرحمن الرحيم . مالك يوم الدين

اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ

اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ(2)نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ(3)مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ(4)إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ(5)هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ

قُلْ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(26)تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنْ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ

قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ(12)وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيم ُ(13) قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنْ الْمُشْرِكِينَ(14)قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ(15)مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ(16)وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(17)وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ(18)قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلْ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ .

اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ(8) عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِي(9)سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ(10)لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ(11)هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ(12) وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ(13)لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ(14)وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ(15)قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلْ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ

وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ(19)يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ(20)أَمْ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنْ الْأَرْضِ هُمْ يُنشِرُونَ(21)لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ(22)لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ

سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(1)لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِ وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(2)هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ(3)هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنْ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ(4)لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ(5)يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ .

ويعرف الناس بطبيعة الكون الذى يعيشون فيه ، وخصائصه ، وارتباطه بخالقه ، ودلالته على خالقه ، واستعداده لنشأة الحياة فيه والأحياء ، وتسخيره لهم بإذن الله …إلخ . فى أسلوب مفهوم للفطرة ، مفهوم للعقل ، يجد مصداقه فى الواقع المحسوس ، كما يجد مصداقه فى الفطرة المكنونة .. يعرفهم به على نطاق واسع . ويدعوهم لمعرفته ، وإدراك ناموسه وأسراره . والتعامل معه معاملة صحيحة ، ناشئة عن ذلك الإدراك والتعارف والتجاوب :

الذى جعل لكم الأرض فراشا . والسماء بناء . وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم . فلا تجعلوا لله أنداد وأنتم تعلمون

الحمد لله الذى خلق السماوات والأرض ، وجعل الظلمات والنور ، ثم الذين كفروا بربهم يعدلون

اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ(2)وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ(3)وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ

هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ(10) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ(11)وَسَخَّرَ لَكُمْ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ(12)وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ(13)وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ(14)وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ(15)وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ(16)أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ

أَوَلَمْ يَرَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنْ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ(30)وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ(31)وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ(32) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ

أَلَمْ تَرَى أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ

وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنْ الْخَلْقِ غَافِلِينَ(17)وَأَنزَلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ(18)فَأَنشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ…

أَلَمْ تَرَى أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنْ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ(43)يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُوْلِي الْأَبْصَارِ

أَلَمْ تَرَى إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا(45)ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا(46) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا(47)وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنزَلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا(48)لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا

وَآيَةٌ لَهُمْ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ(33)وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنْ الْعُيُونِ(34) لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ(35)سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ(36)وَآيَةٌ لَهُمْ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ(37)وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ(38)وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ(39)لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ

قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ(9)وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ(10)ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ(11)فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ

وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ(7)تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ(8)وَنَزَّلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ(9)وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ(10)رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ

ويحدثهم عن الحياة والأحياء . فيعرفهم مصدر الحياة ومصدر الأحياء ، وشيئا من خصائصها كذلك ، بالقدر الذى تسمح مدارك البشر بمعرفته . ويعقد بينهم وبين الأحياء جميعا آصرة العبودية لله ، ووشيجة القرابة فى خلقهم كلهم بإرادته ، وفى اشتراكهم فى بعض الخصائص ، التى تشير إلى الإرادة الواحدة المبدعة ، وإلى الصنعة الواحدة البارزة ، ويذكرهم بنعمة الله عليهم فى تسخير الكثير من هذه الأحياء لهم.

وجعلنا من الماء كل شئ حى

والله خلق كل دابة من ماء . فمنهم من يمشى على بطنه ، ومنهم من يمشى على رجلين ، ومنهم من يمشى على أربع . يخلق الله ما يشاء ، إن الله على كل شئ قدير

وما من دابة فى الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم . ما فرطنا فى الكتاب من شئ

وما من دابة فى الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها ، كل فى كتاب مبين

وكأى من دابة لا تحمل رزقها ، الله يرزقها وإياكم …

… وترى الأرض ، فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج

يخرج الحى من الميت ويخرج الميت من الحى ، ويحيى الأرض بعد موتها وكذلك تخرجون

وَآيَةٌ لَهُمْ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ(33)وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنْ الْعُيُونِ(34) لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ(35)سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ

فاطر السماوات والأرض جعل لكم من أنفسكم أزواجا ، ومن الأنعام أزواجا يذرؤكم فيه ، ليس كمثله شئ وهو السميع البصير

وَالَّذِي نَزَّلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ(11)وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ(12)لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ

فلينظر الإنسان إلى طعامه .

أنا صببنا الماء صبا . ثم شققنا الأرض شقا . فأنبتنا فيها حبا . وعنبا وقضبا . وزيتونا ونخلا . وحدائق غلبا . وفاكهة وأبا . متاعا لكم ولأنعامكم

سبح اسم ربك الأعلى . الذى خلق فسوى ، والذى قدر فهدى ، والذى أخرج المرعى . فجعله غثاء أحوى

ولله يسجد ما فى السماوات وما فى الأرض من دابة ، والملائكة وهم لا يستكبرون . يخافون ربهم من فوقهم ، ويفعلون ما يؤمرون

ألم تر أن الله يسبح له من فى السماوات والأرض ، والطير صافات ، كل قد علم صلاته وتسبيحه والله عليم بما يفعلون

القسم الثاني

ويحدثهم عن الإنسان حديثا مستفيضا ، يتناول مصدره ومنشأة ، وطبيعته وخصائصه ، ومركزه فى هذا الوجود ، وغاية وجوده . وعبوديته لربه ومقتضيات هذه العبودية . ثم نواحى ضعفه وقوته ، وواجباته وتكاليفه ، وكل صغيرة وكبيرة تتعلق بحياته فى هذه الأرض ، ومآله فى العالم الآخر.

ولما لم يكن قصدنا فى هذه الفقرة إلا بيان خاصية الشمول فى التصور القرآنى ، لا بيان حقائق هذا التصور ومقوماته – فهذه له مكانها فى القسم الثانى من الكتاب – فإننا نكتفى بإثبات بعض الآيات عن حقيقة الإنسان كما أثبتنا بعض الآيات عن الحقيقة الإلهية وعن حقيقة الكون ، وحقيقة الحياة ، مرجئين الحديث المفصل عنها إلى موضعه فى القسم الثانى عن مقومات التصور الإسلامى .

وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ(26)وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ(27)وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ(28) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ(29)فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ(30)إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ

وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ(12)ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ(13)ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ(14)ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ(15)ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ

وما خلقت الجن والأنس إلا ليعبدون . ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون . إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين.

وإذ قال ربك للملائكة : إنى جاعل فى الأرض خليفة . أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء . ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك . إنى أعلم ما لا تعلمون.

ولقد كرمنا بنى آدم وحملناهم فى البر والبحر ، ورزقانهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا

قلنا اهبطوا منها جميعا . فإما أن يأتينكم منى هدى ، فمن تبع هداى فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون . والذين كفروا وكذبوا بآياتنا ، أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون

والعصر إن الإنسان لفى خسر . إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر

ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ، ونحن أقرب إليه من حبل الوريد .

لقد خلقنا الإنسان فى كبد

أو لم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين؟‍

وكان الإنسان أكثر شئ جدلا

إن الإنسان خلق هلوعا . إذ مسه الشر جزرعا . وإذا مسه الخير منوعا إلا المصلين.

يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا

وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما . فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه ، …

ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه ، إنه لميئوس كفور . ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن : ذهب السيئات عنى . إنه لفرح فخور

ويدعو الإنسان بالشر دعاءه بالخير . وكان الإنسان عجولا

كلا إن الإنسان ليطغى . أن رآه استغنى

ونفس وما سواها . فألهمها فجورها وتقواها . قد افلح من زكاها . وقد خاب من دساها

لقد خلقنا الإنسان فى أحسن تقويم . ثم رددناه اسفل السافلين . إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون

وهكذا يجد الإنسان من كثرة النصوص القرآنية وتنوعها حول هذه الحقائق الأساسية ما يشعره بالقصد إلى بيانها وتحديدها ، والتوسع فيها ، لتكون قاعدة كاملة شاملة للتصور الإسلامى المستقل ، الذى يستمد لبناته – كما يستمد تصميمه – من المصدر الربانى المضبوط ، الموثوق بصحته ، وبعلمه وخبرته ، فى غنى كامل عن الاستمداد من أى مصدر آخر جزئى المعرفة ظنى المعرفة ، يضرب فى التيه بلا دليل .

وصورة ثالثة من صور الشمول فى التصور الإسلامى . فهو إذ يرد أمر الكون كله . وأمر الحياة والأحياء ، وأمر الإنسان والأشياء .. إلى إرادة واحدة شاملة ..وإذا يتناول الحقائق الكلية كلها: حقيقة الألوهية – الحقيقة الأولى والكبرى والأساسية – وحقيقة الكون ، وحقيقة الإنسان بمثل ، ذلك الشمول الذى أشرنا إليه ..

هذا التصور إذا يتناول الأمور على هذا النحو الشامل – بكل معانى الشمول – يخاطب الكينونة الإنسانية بكل جوانبها ، وبكل أشواقها ، وبكل حاجتها ، وكل اتجاهات . ويردها إلى جهة واحدة تتعامل معها جهة واحدة تطلب عندها كل شيء وتتوجه إليها بكل شيء جهة واحدة ترجوها وتخشاها ، وتتقى غضبها وتبغى رضاها . جهة واحدة تملك لها كل شئ ، لأنها خالقة كل شئ ، ومالكة كل شئ ،ومدبرة كل شئ ..

كذلك يرد الكينونة الإنسانية إلى مصدر واحد ، تتلقى منه تصوراتها ومفاهيمها ، وقيمها وموازينها ، وشرائعها وقوانينها . وتجد عنده إجابة على كل سؤال يجيش فيها ، وهى تواجه الكون والحياة و الإنسان ، بكل ما يثيره كل منها من علامات الاستفهام ..

عندئذ تتجمع هذه الكينونة . . تتجمع شعورا وسلوكا ، وتصورا واستجابة . فى شأن العقيدة والمنهج . وشأن الاستمداد والتلقى . وشأن الحياة والموت . وشأن السعى والحركة . وشأن الدنيا والآخرة . فى تتفرق مزقا ، ولا تتجه إلى شنى السبل والآفاق ، ولا تسلك شتى الطرق على غير اتفاق !

والكينونة الإنسانية حين تتجمع على هذا النحو ، تصبح فى خير حالاتها ، لأنها تكون حينئذ فى حالة الوحدة التى هى طابع الحقيقة فى كل مجالاتها . فالوحدة هى حقيقة الخالق – سبحانه – والوحدة هى حقيقة هذا الكون – على تنوع المظاهر والأشكال والأحوال – والوحدة هى حقيقة الحياة والأحياء – على تنوع الأجناس والأنواع – والوحدة هى حقيقة الإنسان على تنوع الأفراد والاستعدادات والوحدة هي غاية الوجود الإنساني وهي العبادة على تنوع مجالات العبادة وهيئاتها – وهكذا حيثما بحث الإنسان عن الحقيقة فى هذا الوجود .

وحين تكون الكينونة الإنسانية فى الوضع الذى يطابق الحقيقة فى كل مجالاتها ، تكون فى أوج قوتها الذاتية ، وفى أوج تناسقها – كذلك – مع حقيقة أن هذا الكون الذى تعيش فيه ، وتتعامل معه ، ومع حقيقة كل شئ فى هذا الوجود ، مما تؤثر فيه وتتأثر به .. وهذا التناسق هو الذى يتيح لها أن تنشئ أعظم الآثار ، وأن تؤدى أعظم الأدوار .

وحينما بلغت هذه الحقيقة أوجها فى المجموعة المختارة من المسلمين الأوائل ، صنع الله بها فى لأرض أدوارا ، عميقة الآثار فى كيان الوجود الإنسانى ، وفى كيان التاريخ الإنسانى ..

وحين توجد هذه الحقيقة مرة أخرى – وهى لابد كائنة بإذن الله – سيصنع الله بها الكثير ، مهما يكن فى طريقها من العراقيل . ذلك أن وجود هذه الحقيقة فى ذاته ينشئ قوة لا تقاوم : لأنها من صميم قوة هذا الكون ، وفى اتجاه قوة المبدع لهذا الكون أيضا ..

ومن مظاهر ذلك التجمع فى الكينونة الإنسانية ، أن يصبح النشاط الإنسانى كله حركة واحدة، متجهة إلى تحقيق غاية الوجود الإنسانى .. العبادة .. العبادة التى تتمثل فيها عبودية الإنسان لله وحده فى كل ما ينهض به من شئون الخلافة ..

وهذا لتجمع النفسى والحركى هو ميزة الإسلام الكبرى . بما يتناوله بالتفسير كل الحقائق التى تواجه النفس البشرية فى الكون كله ، ويتناول بالتوجيه كل جوانب النشاط الإنسانى . ففى الإسلام – وحده – يملك الإنسان أن يعيش لدنياه وهو يعيش لأخرته ، وأن يعمل لله وهو يعمل لمعاشه ، وأن يحقق كماله الإنسانى الذى يطلبه الدين ، فى مزاولة نشاطه اليومى فى خلافة الأرض ، وفى تدبير أمر الرزق . ولا يتطلب منه هذا إلا أمرا واحدا : أن يخلص العبودية لله فى الشعائر التعبدية وفى الحركة العملية على السواء . أن يتوجه إلى تلك الجهة الواحدة بكل حركة وكل خالجة وكل عمل وكل نية، وكل نشاط وكل اتجاه . مع التأكد من أنه لا يتجاوز دائرة الحلال الواسعة ، التى تشمل كل طيبات الحياة .. فالله خلق الإنسان بكل طاقاته لتنشط كلها ، وتعمل كلها ، وتؤدى دورها .. ومن خلال عمل هذه الطاقات مجتمعة ، يحقق الإنسان غاية وجوده ، فى راحة ويسر ، وفى طمأنينة وسلام ، وفى حرية كاملة منشئوها العبودية لله وحده .

وبهذه الخاصية صلح الإسلام أن يكون منهج حية شاملا متكاملا . منهجا يشمل الاعتقاد فى الضمير ، والتنظيم فى الحياة – لا بدون تعارض بينهما – بل فى ترابط وتداخل يعز فصله ، لأنه حزمة واحدة فى طبيعة هذا الدين ، ولأن فصله هو تمزيق وإفساد لهذا الدين .

إن تقسيم النشاط الإنسانى إلى عبادات و معاملات مسألة جاءت متأخرة عند التأليف فى مادة الفقه . ومع أنه كان المقصود به – فى أول الأمر – مجرد التقسيم الفنى ، الذى هو طابع التأليف العلمى ، إلا أنه – مع الأسف – أنشأ فيما بعد آثار سيئة فى التصور ، تبعته – بعد فترة – آثار سيئة فى الحياة الإسلامية كلها . إذ جعل يترسب فى تصورات الناس أن صفة العبادة إنما هى خاصة بالنوع الأول من النشاط الذى يتناوله فقه العبادات . بينما أخذت هذه الصفة تبعت بالقياس إلى النوع الثانى من النشاط ، الذى يتناوله فقه المعاملات ! وهو انحراف بالتصور الإسلامى لاشك فيه . فلا جرم يتبعه انحراف فى الحياة كلها فى المجتمع الإسلامى .

ليس فى التصور الإسلامى نشاط إنسانى لا ينطبق عليه معنى العبادة ، و يطلب فيه تحقيق هذا الوصف . والمنهج الإسلامى كله غايته تحقيق معنى العبادة ، أولا وأخيرا .

وليس هناك من هدف فى المنهج الإسلامى لنظام الحكم ، ونظام الاقتصاد ، والتشريعات الجنائية ، والتشريعات المدنية وتشريعات الأسرة … وسائر التشريعات التى يتضمنها هذا المنهج …

ليس هناك من هدف إلا تحقيق معنى العبادة فى حياة الإنسان .. والنشاط الإنسانى لا يكون متصفا بهذا الوصف ، محققا لهذه الغاية – التى يحدد القرآن أنها هى غاية الوجود الإنسانى – إلا حين يتم هذا النشاط وفق المنهج لربانى ، فيتم بذلك إفراد الله – سبحانه بالألوهية ، والاعتراف له وحده بالعبودية .. وإلا فهو خروج عن العبادة . لأنه خروج عن العبودية . أى خروج عن غاية الوجود الإنسانى كما أرادها الله ، أى خروج عن دين الله !

وأنواع النشاط التى أطلق عليها الفقهاء اسم العبادات وخصوصا بهذه الصفة – على غير مفهوم التصور الإسلامى – حين تراجع مواضعها فى القرآن تتبين حقيقة بارزة لا يمكن إغفالها . وهى أنها لم تجئ مفردة ولا معزولة عن أنواع النشاط الأخرى التى أطلق عليها الفقهاء اسم المعاملات .. إنما جاءت هذه وتلك مرتبطة فى السياق القرآنى ومرتبطة فى المنهج التوجيهى . باعتبار هذه كتلك شطرا من منهج العبادة التى هى غاية الوجود الإنسانى . وتحقيقا لمعنى العبودية ، ومعنى إفراد الله – سبحانه – بالألوهية .

إن ذلك التقسيم – مع مرور الزمن – جعل بعض الناس يفهمون أنهم يملكون أن يكونوا مسلمين إذا هم أدوا نشاط العبادات – وفق أحكام الإسلام – بينما هم يزاولون كل نشاط المعاملات وفق منهج آخر . لا يتلقونه من الله . ولكن من إله آخر ! هو الذى يشرع لهم فى شئون الحياة ، ما لم يأذن به الله !

وهذا وهم كبير . فالإسلام وحدة لا تنفصم . وكل من يفصمه إلى شطرين – على هذا النحو – فإنما يخرج من هذه الوحدة . أو بتعبير آخر يخرج من هذا الدين . .

وهذه هى الحقيقة الكبيرة ، التى يجب أن يلقى باله إليها كل مسلم يريد أن يحقق إسلامه ، ويريد فى الوقت ذاته ، أن يحقق غاية وجوده الإنسانى .

إن هذه الحقيقة ليست أهميتها فقط فى تصحيح التصور الإيمانى – وإن كل هذا التصحيح فى ذاته غاية ضخمة ، يقوم عليها بناء الحياة كله – يل إن أهميتها تتجلى كذلك فى حسن تذوق الحياة ، وبلوغ هذا التذوق أعلى درجات الكمال والتناسق .

فقيمة الحياة الإنسانية ذاتها ترتفع حين تصبح كلها عبادة الله ، وحين يصبح كل نشاط فيها – صغر أم كبر – جزءا من هذه العبادة ، أو كل العبادة ، متى نظرنا إلى المعنى الكبير الكامل فيه ، وهو إفراد الله – سبحانه – بالألوهية ، والإقرار له وحده بالعبودية .. هذا المقام الذى لا يرتفع الإنسان إلى ما هو أعلى منه ، ولا يبلغ كماله الإنسانى إلا فى تحقيقه . وهو المقام الذى تلقى الوحى من الله . وحالة الإسراء والمعراج أيضا :

تبارك الذى نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا .

(سورة الفرقان : 1)

سبحان الذى أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذى باركنا حوله ، لنريه من آياتنا ، إنه هو السميع البصير

ويتحدث الأستاذ المهتدى محمد أسد (ليوبولدفايس) فى كتابه : الإسلام على مفترق الطرق حديثا دقيا عن الفرق بين التصور الإسلامى والتصورات الأخرى فى هذا الشأن ، وعن أثر ذلك فى الشعور بجدية الحياة وأهمية كل حركة فيها ، باعتباره الوسيلة الوحيدة لبلوغ الإنسان أقصى الكمال الإنسانى فى هذه الحياة الدنيا . فيقول فى فصل بعنوان : سبيل الإسلام :

يختلف إدراك العبادة فى الإسلام عما هو فى كل دين آخر(1) .. إن العبادة فى الإسلام ليست محصورة فى أعمال من الخشوع الخالص ، كالصلاة والصيام مثلا ، ولكنها تتناول كل حياة الإنسان العملية أيضا . وإذا كانت الغاية من حياتنا على العموم عبادة الله فيلزمنا حينئذ ، ضرورة ، أن ننظر إلى هذه الحياة فى مجموع مظاهرها على أنها تبعة أدبية ، متعددة النواحى ، وهكذا يجب أن نأتى أعمالنا كلها – حتى تلك التى تظهر تافهة – على أنها عبادات ، وأن نأتيها بوعى، وعلى أنها تؤلف جزءا من ذلك المنهاج العالمى الذى بدعه الله .. تلك حال ينظر إليها الرجل العادى على أنها مثل أعلى بعيد . ولكن أليس من مقاصد هذا الدين أن تتحقق المثل العليا فى الوجود الواقع ؟

إن موقف الإسلام فى هذا الصدد لا يحتمل التأويل . إنه يعلمنا أولا أن عبادة الله الدائمة ، والمتمثلة فى أعمال الحياة الإنسانية المتعددة جميعها ، هى معنى الحياة نفسها . ويعلمنا ثانيا أن بلوغ هذا المقصد يظل مستحيلا ما دمنا نقسم حياتنا قسمين اثنين : حياتنا الروحية ، وحياتنا المادية .. يجب أن تقترن هاتان الحياتان فى وعينا وفى أعمالنا ، لتكون كلا واحدا متسقا إن فكرتنا عن وحدانية الله يجب أن تتجلى فى سعينا للتوفيق والتوحيد بين المظاهر المختلفة فى حياتنا .

هناك نتيجة منطقية لهذا الاتجاه . هى فرق ’خر بين الإسلام وسائر النظم الدينية المعروفة . ذلك أن الإسلام – على أنه تعليم – لا يكتفى بأن يأخذ على عاتقه تحديد الصلات المتعلقة بما وراء الطبيعة . فما بين المرء وخالقه فقط . ولكن يعرض أيضا – بمثل هذا التوكيد على الأقل – للصلاة الدنيوية بين الفرد وبيئته الاجتماعية ..إن الحياة الدنيا لا ينظر إليها على أنها صدفة عادية فارغة ، ولا على أنها طيف خيال للآخرة ، التى هى آتية لا ريب فيها ، من غير أن تكون منطوية على معنى ما . ولكن على أنها وحدة إيحابية تامة فى نفسها , والله تعالى وحدة لا فى جوهرة فحسب . بل فى الغاية إليه أيضا .. من أجل ذلك كان خلقه وحدة ربما فى جوهرة ، إلا أنه وحدة فى الغاية منه بكل تأكيد.

وعبادة الله فى أوسع معانيها – كما شرحنا آنفا – تؤلف فى الإسلام معنى الحياة الإنسانية .. هذا الإدراك وحده يرينا إمكان بلوغ الإنسان الكمال .. فى إطار حياته الدنيوية الفردية – ومن بين سائر النظم الدينية نرى الإسلام – وحده – يعلن أن الكمال الفردى ممكن فى الحياة الدنيا .. إن الإسلام لا يؤجل هذا الكمال إلى ما بعد إماتة الشهوات الجسدية ، ولا هو يعدنا بسلسلة متلاحقة الحلقات من تناسخ الأرواح على مراتب متدرجة – كما هو الحال فى الهندوكية – ولا هو يوافق البوذية التى تقول بأن الكمال والنجاة لا يتمان إلا بعد انعدام النفس الجزئية وانفصام علاقاتها الشعورية من العالم . كلا . إن الإسلام يؤكد فى إعلانه أن الإنسان يستطيع بلوغ الكمال فى حياته الدنيا الفردية . وذلك بأن يستفيد استفادة تامة من وجوه الإمكان الدنيوى فى حياته هو (1) .

وبعد فإن هذا الشمول – بك صورة – فوق أنه مريح للفطرة البشرية ، لأنه يواجهها بمثل طبيعتها الموحدة ، ولا يكلفها عنتا ، ولا يفرقها مزقا .. هو فى الوقت ذاته يعصمها من الاتجاه لغير الله فى أى شأن وفى أية لحظة ، أو قبول أية سيطرة تستعلى عليها بغير سلطان الله ، وفى حدود منهج الله وشريعته . فى أى جانب من جوانب الحياة .

فليس الأمر والهيمنة والسلطان لله وحده فى أمر العبادات الفردية ولا فى أمر الآخرة – وحدهما – بل الأمر والهيمنة والسلطان لله وحده ، فى الدنيا والآخرة . فى السماوات والأرض . فى عالم الغيب وعالم الشهادة . فى العمل والصلاة .. وفى كل نفس ، وكل حركة ، وكل خالجة ، وكل خطوة ، وكل اتجاه :

وهو الذى فى السماء إله وفى الأرض إله …

التوازن

القسم الأول

ما ترى فى خلق الرحمن من تفاوت

والخاصية الرابعة فى هذا التصور هى .. التوازن .. التوازن فى مقوماته ، والتوازن فى إيحاءاته . وهى تتصل بخاصية الشمول التى سبق الحديث عنها . فهو تصور شامل . وهو شمول متوازن .

وقد صانته هذه الخاصية الفريدة من الاندفاعات هنا وهناك ، والغلو هنا وهناك والتصادم هنا وهناك .. هذه الآفات التي لم يسلم منها أى تصور آخر . سواء التصورات الفلسفية ، أو التصورات الدينية التى شوهتها التصورات البشرية ، بما أضافته إليها ، أو نقصته منها ، أو أولته تأويلا خاطئا ، وأضافت هذا التأويل الخاطئ إلى صلب العقيدة !

وتتمثل هذه الخاصية فى عدة موازنات ، نذكر منها أبرزها :

هناك التوازن بين الجانب الذى تتلقاه الكينونة الإنسانية لتدركه وتسلم به وينتهى عملها فيه عند التسليم ، والجانب الذى تتلقاه لتدركه ، وتبحث حججه وبراهينه ، وتحاول معرفة علله وغاياته وتفكر فى مقتضياته العملية ، وتطبقها فى حياتها الواقعية .

والفطرة البشرية تستريح لهذا ولهذا ، لأن كليهما يلبى فيها جانبا أصيلا ، مودعا فيها وهى تخرج من يد بارئها . وقد علم الله أن الإدراك البشرى لن يتسع لكل أسرار هذا الوجود ، ولن يقوى على إدراكها كله ، فأودع فطرته الارتياح للمجهول ، والارتياح للمعلوم ، والتوازن بين هذا وذاك كيانها ، كالتوازن بين هذا وذاك فى صميم الوجود .

إن العقيدة التى لا غيب فيها ولا مجهول ، ولا حقيقة أكبر من الإدراك البشرى المحدود ، ليست عقيدة ، ولا تجد فيها النفس ما يلبى فطرتها ، وأشواقها الخفية إلى المجهول ، المستتر وراء الحجب المسدلة .. كما أن العقيدة التى لا شئ فيها إلا المعميات التى لا تدركها العقول ليست عقيدة ! فالكينونة البشرية تحتوي على عنصر الوعى والفكر الإنسانى لابد أن يتلقى شيئا مفهوما له ، له فيه عمل ، يملك أن يتدبره ويطبقه .. والعقيدة الشاملة هى التى تلبى هذا الجانب وذاك ، وتتوازن الفطرة ، وهى تجد فى العقيدة كفاء ما هو مودع فيها من طاقات وأشواق.

فإذا كانت ماهية الذات الإلهية . وكيفية تعلق إرادة الله بالخلق وحقيقة الروح .. من الحقائق التى لا سبيل إلى الإحاطة بها – كما أسلفنا – (1) فهناك خصائص الذات الإلهية : من وجود ووحدانية ، وقدرة ، وإرادة ، وخلق ، وتدبير وكلها مما يعمل الفكر البشرى فى إدراكه ، ومما يستطيع أن يدرك ضرورته ومقتضياته فى الوجود . و الإسلام يعرض هذه الخصائص ببراهينها المقنعة .. وهناك الكون وحقيقته ، ومصدر وجوده ، وعلاقته بخالقه ، وعبوديته له ، واستعداده لاستقبال الحياة ، وعلاقته بالإنسان وعلاقة الإنسان به .. وهناك الحياة بشتى أنواعها وأجناسها وأشكالها ودرجاتها ، ومصدرها ، وعلاقتها بطبيعة الكون ، وعلاقتها بمبدعه ومبدعها .. وهناك الإنسان وحقيقته ، وخصائصه ومصدره ، وغاية وجوده ، ومنهج حياته .. وكلها ترد فى منطق مفهوم واضح ، مريح للعقل والقلب . مدعم بالبراهين التى تتلقاها الفطرة بالقبول والتسليم :

أم خُلِقُوا من غير شئ ؟ أم هم الخالقون أم خَلقُوا السماوات والأرض بل لا يوقنون.

أَمْ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنْ الْأَرْضِ هُمْ يُنشِرُونَ(21)لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ(22)لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ(23) أَمْ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِي وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ

أو ليس الذى خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم ؟ بلى وهو الخلاق العليم . إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له : كن فيكون

وضرب لنا مثلا ونسى خلقه . قال : من يحيى العظام وهى رميم ؟ قل : يحييها الذى أنشأها أول مرة ، وهو بكل خلق عليم .

أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ(60)أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ(61) أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ(62)أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ(63)أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ .

وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ(20) وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ(21)وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ(22)وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ(23)وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمْ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِ بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ(24)وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنْ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ

وهكذا وهكذا من الحجج الملزمة ، والآيات المعروضة فى الأنفس والآفاق ، وهى معروضة للنظر والتدبر ، كما أنها معروضة للبرهنة والحجة .. والإدراك البشرى مطلق للنظر فيها ، والتلقى عنها ، ومناقشة حجيتها على القضايا المسوقة لإثباتها .. وكلها فى دائرة النظر ، وفى مستوى الإدراك .

وهكذا تجد الفطرة البشرية فى التصور الإسلامى ما يلبى أشواقها كلها : من معلوم ومجهول ، ومن غيب لا تحيط به الأفهام ولا تراه الأبصار ، ومكشوف تجول فيه العقول وتتدبره القلوب . ومن مجال أوسع من إدراكها تستشعر إزاءه جلال الخالق الكبير ، ومجال يعمل فيه إدراكها وتستشعر إزاءه قيمة الإنسان فى الكون وكرامته على الله .

وتتوازن الكينونة الإنسانية بهذا وذلك ، وهى تؤمن بالمجهول الكبير ، وهى تتدبر المعلوم الكبير..

والتوازن بين طلاقة المشيئة الإلهية وثبات السنن الكونية .. فالمشيئة الإلهية طليقة ، لا يرد عليها قيد ما ، مما يخطر على الفكر البشرى جملة . وهى تبدع كل شئ بمجرد توجهها إلى إبداعه . وليست هنالك . وليست هنالك قاعدة ملزمة ، ولا قالب مفروض تلتزمه المشيئة الإلهية ، حين تريد أن تفعل ما تريد :

إنما قولنا لشئ – إذا أردناه – أن نقول له : كن . فيكون .

قال : رب أنى يكون لى غلام ، وقد بلغت الكبر وامرأتى عاقر ؟ قال : كذلك الله يفعل ما يشاء .

قال : كذلك الله يخلق ما يشاء ، إذا قضى أمراً فإنما يقول له : كن ، فيكون. . .

وامرأته قائمة فضحكت . فبشرناها بإسحاق ، ومن وراء إسحاق يعقوب . قالت : يا ويلتا أألد وأنا عجوز وهذا بعلى شيخا ؟ إن هذا لشئ عجيب ! قالوا : أتعجبين من أمر الله؟ .

إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم ، خلقه من تراب ، ثم قال له : كن فيكون . الحق من ربك ، فلا تكن من الممترين .

وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنْ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنينَ .

أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ .

قالوا : حرقوه وانصروا آلهتكم ، إن كنتم فاعلين . قلنا : يا نار كونى برداً وسلاماً على إبراهيم . وأرادوا به كيداً فجعلناهم الأخسرين

فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى : إنا لمدركون . قال : كلا . إن معى ربى سيهدين . فأوحينا إلى موسى : أن اضرب بعصاك البحر ، فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم.

… ولا تدرى لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا .

وهكذا . وهكذا مما يقرر طلاقة المشيئة الإلهية ، وعدم تقيدها بقيد ما ، مما يخطر على الفكر البشرى ، مما يحسبه قانونا لازما ، وحتمية لا فكاك منها …

وفى الوقت ذاته شاءت الإرادة الإلهية المدبرة ، أن تتبدى للناس – عادة – فى صورة نواميس مطردة ، وسنن جارية ، يملكون أن يرقبوها ، ويدركوها ، ويكيفوا حياتهم وفقها ، ويتعاملون مع الكون على أساسها .. على أن يبقى فى تصورهم ومشاعرهم أن مشيئة الله – مع هذا – طليقة ، تبدع ما تشاء ، وأن الله يفعل ما يريد ، ولو لم يكن جاريا على ما اعتادوا هم أن يروا المشيئة متجلية فيه ، من السنن المقررة والنواميس المطردة . فسنة كذلك – وراء السنن كلها – أن هذه المشيئة مطلقة، مهما تجلت فى نواميس مطردة وسنن جارية – ومن ثم يوجه الله الأبصار والبصائر إلى تدبر سننه فى الكون ، والتعامل معها والنظر فى مآلاتها – بقدر ما يملك الإدراك البشرى – والانتفاع بهذا فى الحياة الواقعية :

قال إبراهيم : فإن الله يأتى بالشمس من المشرق . فأت بها من المغرب فبهت الذى كفر.

لا الشمس ينبغى لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار .

سنة الله فى الذين خلوا من قبل ، ولن تجد لسنة الله تبديلا .

قد خلت من قبلكم سنن ، فسيروا فى الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين .

أو لم يهد لهم كم أهلكنا قبلهم من القرون يمشون فى مساكنهم ؟ إن فى ذلك لآيات أفلا يسمعون! .

ولقد ارسلنا من قبلك رسلا إلى قومهم ، فجاؤهم بالبينات فانتقمنا من الذين أجرموا . وكان حقا علينا نصر المؤمنين .

ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا ، وجاءتهم رسلهم بالبينات ، وما كانوا ليؤمنوا . كذلك نجزى القوم المجرمين .

ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ، ولكن كذبوا، فأخذناهم بما كانوا يكسبون .

وبن ثبات السنن وطلاقة المشيئة ، يقف الضمير البشرى على أرض ثابتة مستقرة ، يعمل فيها، وهو يعلم طبيعة الأرض ، وطبيعة الطريق ، وغاية السعى ، وجزء الحركة . ويتعرف إلى نواميس الكون ، وسنن الحياة ، وطاقات الأرض ، وينتفع بها وبتحاربه الثابتة فيها بمنهج علمى ثابت . وفى الوقت ذاته يعيش موصول الروح بالله ، معلق القلب بمشيئته لا يستكثر عليها شيئا ، ولا يستبعد عليها شيئا ، ولا ييئس أمام ضغط الواقع أبدا . ويتصور أن مشيئة الله – سبحانه – محصورة فيها ! وهكذا لا يتبلد حسه ، ولا يضمر رجاؤه . ولا يعيش فى إلف مكروه !

والمسلم يأخذ بالأسباب ، لأنه مأمور بالأخذ بها . ويعمل وفق السنة ، لأنه مأمور بمراعاتها . لا لأنه يعتقد أن الأسباب والوسائل هى المنشئة للمسببات والنتائج . فهو يرد الأمر كله إلى خالق الأسباب ، ويتعلق به وحده من وراء الأسباب ، بعد أداؤه واجبه فى الحركة والسعى والعمل واتخاذ الأسباب .. طاعة لأمر الله .

وهكذا ينتفع المسلم بثبات السنن فى بناء تجاربه العلمية وطرائقه العملية ، فى التعامل مع الكون وأسراره وطاقاته ومدخراته . فلا يفوته شئ من مزايا العلوم التجريبية والطرائق العملية . وهو فى الوقت ذاته موصول القلب بالله ، حى القلب بهذا الاتصال . موصول الضمير بالمشاعر الأدبية الأخلاقية ، التى ترفع العمر وتباركه وتزكيه ، وتسمو بالحياة الإنسانية إلى أقصى الكمال المقدر لها فى الأرض ، وفى حدود طاقة الإنسان .

والتوازن بين مجال المشيئة الإلهية الطليقة ، ومجال المشيئة الإنسانية المحدودة .. وهى القضية لمشهورة فى تاريخ الجدل فى العالم كله ، وفى المعتقدات كلها ، وفى الفلسفات والوثنيات كذلك باسم قضية القضاء والقدر أو الجبر والاختيار .

و الإسلام يثبت للمشيئة الإلهية الطلاقة – كما أسلفنا – ويثبت لها الفاعلية التى لا فاعلية سواها ، ولا معها – كما بينا ذلك فى خاصية الشمول وكما سيجئ فى خاصية الإيجابية – وفى الوقت ذاته يثبت للمشيئة الإنسانية ، الإيجابية – كما سنفصل ذلك فى خاصية الإيجابية – ويجعل للإنسان الدور الأول فى الأرض وخلافتها ، وهو دور ضخم ، يعطى الإنسان مركزا ممتازا فى نظام الكون كله ، ويمنحه مجالا هائلا للعمل والفاعلية والتأثير . ولكن فى توازن تام مع الاعتقاد بطلاقة المشيئة الإلهية ، وتفردها بالفاعلية الحقيقية ، من وراء الأسباب الظاهرة . وذلك باعتبار أن النشاط الإنسانى هو أحد هذه الأسباب الظاهرة . وباعتبار أن وجود الإنسان ابتداء ، وإرادته وعمله ن وحركته ونشاطه ، داخل فى نطاق المشيئة الطليقة ، المحيطة بهذا الوجود وما فيه ومن فيه (على نحو ما سنفصل فى خاصية الإيجابية) .

ويقرأ الإنسان فى القرآن الكريم :

ما أصاب من مصيبة فى الأرض ولا فى أنفسكم إلا فى كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير .

قل : لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا ، وعلى الله فليتوكل المؤمنون .

وإن تصبهم حسنة يقولوا : هذه من عند الله . وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك . قل : كل من عند الله . فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا .

قل : لو كنتم فى بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم .

أينما تكونوا يدرككم الموت ، ولو كنتم فى بروج مشيدة .

ويقرأ كذلك فى الجانب الآخر :

إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم .

ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.

بل الإنسان على نفسه بصيره ، ولو ألقى معاذيره .

وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا(7)فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا(8)قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا(9)وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا .

ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه .

ثم يقرأ بعد هذا وذلك :

كلا إنه تذكرة . فمن شاء ذكره . وما يذكرون إلا ان يشاء الله ، هو أهل التقوى وأهل المغفرة .

إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا . وما تشاءون إلا أن يشاء الله .

أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم : أنّى هذا ؟ قل : هو من عند أنفسكم ، إن الله على كل شئ قدير . وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله.

(آل عمران : 165-166)

يقرأ الإنسان أمثال هذه المجموعات المنوعة الثلاثة ، فيدرك منها سعة مفهوم القدر فى التصور الإسلامى . مع بيان المجال الذى تعمل فيه المشيئة الإنسانية فى حدود هذا القدر المحيط .

لقد ضربت الفلسفات والعقائد المحرفة فى التيه – فى هذه القضية – ولم تعد إلا بالحيرة والتخليط . بما فى ذلك من خاضوا فى هذه القضية من متكلمى المسلمين أنفسهم .. ذلك أنهم قلدوا منهج الفلسفة الإغريقية ، أكثر مما تأثروا بالمنهج الإسلامى ، فى علاج هذه القضية .

فى التصور الإسلامى ليست هناك مشكلة فى الحقيقة ، حين يواجه الأمر بمفهوم هذا التصور وإيحائه :

إن قدر الله فى الناس هو الذى ينشئ ويخلق كل ما ينشأ وما يُخلق من الأحداث والأشياء والأحياء .. وهو الذى يصّرف حياة الناس ويكيّفها . شأنهم فى هذا شأن هذا الوجود كله .. كل شئ فيه مخلوق بقدر ، وكل حركة تتم فيه بقدر .. ولكن قدر الله فى الناس يتحقق من خلال إرادة الناس وعملهم فى ذات أنفسهم ، وما يحدثون فيها من تغيرات .

إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم .

وكون مرد الأمر كله إلى المشيئة الإلهية المطلقة ، لا يبطل هذا ولا يعطله . فالأمران يجيئان مجتمعين أحيانا فى النص القرآنى الواحد ، كما رأينا فى المجموعة الثالثة من هذه النماذج .

ونحن إنما نفترض التعارض والتناقض ، حين ننظر إلى القضية بتصور معين نصوغه من عند أنفسنا ، عن حقيقة العلاقة بين المشيئة الكبرى ، وحركة الإنسان فى نطاقها . إلا أن المنهج الصحيح: هو ألا نستمد تصوراتنا فى هذا الأمر من مقررات عقلية سابقة . بل أن نستمد من النصوص مقرراتنا العقلية فى مثل هذه الموضوعات ، وفيما تقصه علينا النصوص من شأن التقديرات الإلهية ، فى المجال الذى لا دليل لنا فيه ، غير ما يطلعنا الله عليه منه ..

فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا ..

وما يشاءون إلا أن يشاء الله ..

بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيرة ..

فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ، ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد فى السماء .

وهو قال فى الوقت نفسه :

وما ربك بظلام للعبيد .

فلابد إذن – وفق تصور المسلم لإلهه وعدله فى جزائه ، وشمول مشيئته وقدره – من أن تكون حقيقة النسب بين مدلولات هذه النصوص فى حساب الله ، من شأنها أن تسمح للإنسان بقدر من الإيجابية فى الاتجاه والعمل ، يقوم عليه التكليف والجزاء ، دون أن يتعارض هذا القدر مع مجال المشيئة الإلهية المطلقة ، المحيطة بالناس والأشياء والأحداث .

كيفيات فعل الله كلها ، وكيفيات اتصال مشيئته بما يراد خلقه وإنشاؤه كلها .. ليس فى مقدور العقل البشرى إدراكها . والتصور الإسلامى يشير بتركها للعلم المطلق ، والتدبير المطلق – مع الطمأنينة إلى تقدير الله وعدله ورحمته وفضله – فالتفكير البشرى المحدود بحدود الزمان والمكان ، وبالتأثرات الوقتية والذاتية ، ليس هو الذى يدرك مثل هذه النسب وهذه الكيفيات ، وليس هو الذى يحكم فى العلاقات والارتباطات بين المشيئة الإلهية والنشاط الإنسانى . إنما هذا كله متروك للإرادة المدبرة المحيطة والعلم المطلق الكامل .. متروك لله الذى يعلم حقيقة الإنسان ، وتركيب كينونته ، وطاقات فطرته وعمله الحقيقى ، ومدى ما فيه من الاختيار ، فى نطاق المشيئة المحيطة . ومدى ما يترتب على هذا القدر من الاختيار من جزاء .

وبهذا وحده يقع التوازن فى التصور ، والتوازن فى الشعور ، والاطمئنان إلى الحركة وفق منهج الله والتطلع معها إلى حسن المصير .

كذلك الحال فيما يسمونه : مشكلة الشر والألم .

ليست هناك مشكلة من وجهة النظر الإسلامية للأمر .

إن الإسلام يقول : إن الدنيا دار ابتلاء وعمل . وإن الآخرة دار حساب وجزاء . والحياة فى هذه الأرض مرحلة محدودة فى المرحلة الطويلة . وما يقع للإنسان فى هذه الأرض ليس خاتمة الحساب ولا نهاية المطاف . إنما هو مقدمة لها ما بعدها . واختبار تقدر له درجته هناك فى دار الحساب .

بهذا يحل الإسلام الجانب الشعورى من هذه المشكلة فى الضمير البشرى ، ويكسب فيه الطمأنينة والاستقرار . فالألم الذى يلقاه الخير فى هذه الأرض من كراء وجود الشر والنقص فيها ، ليس هو كل نصيبه ، فهناك النصيب الذى يعادل بين كفتى الميزان فى شطرى الرحلة ، والشطران موصولان . تسيطر عليهما إرادة واحدة . ويحكم فيهما حكم واحد لا يند عن علمه شئ ولا يختل فى ميزانه شئ !

ثم هو يخاطب الحقيقة الشعورية التى يجدها الإنسان فى أعماق ضميره … وهى أن شعور المؤمن الخير الذى يحقق منهج الله فى حياته ، ويجاهد لتحقيقه فى حياة البشر ، يجد – وهو يعانى الألم من جانب الشر والأشرار – شعورا مكافئا من الرضى والسعادة فى هذه الدنيا ، قبل أن يجد جزاءه المدخر له فى الآخرة . شعورا ناشئا عن إحساسه بأنه يرضى الله فيما يفعل ، وأن الله يرضى عن جهاده الخير … وهى شهادة من ذات البينة الحية ، ومن طبيعة الفطرة البشرية ، على أن الله جعل التكوين الفطرى للإنسان ، يجد جزاءه الحاضر فى كفاح الشر والباطل ، ونصره الخير والحق ، وأن له من التذاذه الكفاح فى هذا الطريق ، جزاء ذاتيا من كيانه الداخلى ، فى ذات اللحظة التى يتحمل فيها الألم ، وهو يواجه الشر والباطل ، ويكافحهما ما استطاع . وأن العوض كامن فى ذات الفطرة وفى الاطمئنان إلى حسن الجزاء فى الدنيا والآخرة . ولهذا الاطمئنان أثره حتى قبل يوم الحساب الختامى فى دار الحساب .

الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله . ألا بذكر الله تطمئن القلوب .

أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه ؟ فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله أولئك فى ضلال مبين .

إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ(30)نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ(31)نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ .

ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين .

قل : هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ، ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا . فتربصوا إنّا معكم متربصون .

أما وجود الشر فى ذاته ، وما ينشأ عنه من الألم فى كل صورة . ولماذا يوجد . والله قادر على ألا يوجده ابتداء ، ولو شاء لهدى الناس جميعا ، ولو شاء لخلق الناس كلهم مهتدين ابتداء ؟؟؟ أما هذا السؤال فلا موضع له البتة فى التصور الإسلامى !

إن الله قادر طبعا على تبديل فطرة الإنسان – عن طريق هذا الدين أو عن غير طريقه – أو خلقه بفطرة أخرى . ولكنه شاء أن يخلق الإنسان بهذه الفطرة وأن يخلق الكون على هذا النحو الذى نراه . وليس لأحد من خلقه أن يسأله لماذا شاء هذا ؟ لأن أحدا من خلقه ليس الهآ ! وليس لديه العلم والإدراك – ولا إمكان العلم والإدراك – للنظام الكلى للكون . ولمقتضيات هذا النظام فى طبيعة كل كائن فى هذا الوجود ، وللحكمة الكامنة فى خلقه كل كائن بطبيعته التى خلق عليها .

والله وحده هو الذى يعلم ، لأنه وحده هو الذى خلق الكون ومن فيه وما فيه وهو وحده الذى يرى ما هو خير فينشئه ويبقيه ، وهو وحده الذى يقدر أحسن وضع لما خلق فينشئه فيه :

فتبارك الله أحسن الخالقين .

الذى أعطى كل شئ خلقه ثم هدى .

ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ، ولكن ليبلوكم فيما آتاكم ، فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا ، فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون .

ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض . ولكن الله فضل على العالمين .

ونبلوكم بالشر والخير فتنة ، وإلينا ترجعون .

ولماذا ، – فى هذا المقام – سؤال لا يسأله مؤمن جاد ، ولا يسأله ملحد جاد .. المؤمن الجاد لا يسأله ، لأنه أكثر أدبا مع الله – الذى يعرفه من التصور الإسلامى بذاته وصفاته – ولأنه أكثر معرفة بمدى إدراكه البشرى الذى لم يهيأ للعمل فى هذا المجال .. والملحد الجاد لا يسأله كذلك . لأنه لا يعترف بالله ابتداء . فإن اعترف بألوهيته عرف معها أن هذا شأنه – سبحانه – وأن هذا مقتضى ألوهيته ، وأن اختياره هذا هو الخير قطعا .

ولكنه سؤال يسأله مكابر لجوج ، أو مائع هازل .. ومن ثم لا يجوز المضى معه فى محاولة تبرير هذا الواقع بمعايير عقليه بشرية ، لأنه بطبيعته أكبر من مستوى العقل البشرى ، وأوسع من المجال الذى يعمل فيه العقل . فإدراك أسبب هذا الواقع يقتضى أن يكون الإنسان إلها . ولن يكون الإنسان إلها . ولابد له من أن يسلم بهذه البديهية الواقعية ، ويسلم بمقتضياتها كذلك .(1)

فأما الباعث على الشر ، وتعرض الإنسان لضغطه – وهو ما يدفع إلى الشر والضلال والخطيئة – فالإسلام يقرر أنه أضعف من أن يكون مسلطا على الإنسان تسليط قهر وغلبه .. إنما هو تسليط امتحان وابتلاء . فهو يتمثل فى المعركة بين الإنسان والشيطان . ودون الشيطان والغلبة فى هذه لمعركة حاجز قوى من الإيمان وذكر الله والاستعاذة به ، واللياذ بكنفه .

قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(39)إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمْ الْمُخْلَصِينَ(40)قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ(41)إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنْ اتَّبَعَكَ مِنْ الْغَاوِينَ .

قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى(123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى(124)قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا(125)قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى .

وقال الشيطان لما قضى الأمر : إن الله وعدكم وعد الحق ، ووعدتكم فأخلفتكم ، وما كان لى عليكم من سلطان . إلا أن دعوتكم فاستجبتم لى . فلا تلومونى ولموا أنفسكم .

فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم .. إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون . إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون .

إن كيد الشيطان كان ضعيفا .

ثم إنه يبقى بعد ذلك أنه إذا كان الله – سبحانه – هو الذى يخلق كل إنسان . باستعدادات معينة ، هى التى تجعله يميل إلى الخير والهدى ، أو يميل إلى الشر والضلال ، فكيف يعذب الله الشرير الضال ، ويكافئ الخير المهتدى ، فى الدنيا أو فى الآخرة على السواء ؟

وهو سؤال خادع – فى صورته هذه – يقابله ويصححه ما يقرره القرآن من أن الله – سبحانه – خلق الإنسان فى أحسن تقويم ، وأنه لا يزول عن مكانه هذا إلا بغفلته عن الله . وأنه مبتلى بالخير والشر . وأن فيه الاستعداد للترجيح والاختيار – مع الاستعانة بالله ، الذى يعين من يجاهد لرضاه !

لقد خلقنا الإنسان فى أحسن تقويم . ثم رددناه أسفل سافلين . إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات . فلهم أجر غير ممنون .

ونفس وما سواها . فألهمها فجورها وتقواها . قد أفلح من زكاها . وقد خاب من دساها .

إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا .

إن سعيكم لشتى .. فأما من أعطى واتقى ، وصدق بالحسنى ، فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى ، وكذب بالحسنى ، فسنيسره للعسرى .

والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين .

ويقابله كذلك ويصححه ما سبق تقريره من أن الله فى الناس يتحقق فيهم من خلال إرادتهم فى ذات أنفسهم ، وفى الحياة من حولهم .

ويرد الأمر فى النهاية إلى ما أسلفناه من الحديث عن قدر الله فى مطلع هذه الفقرة .

على أن التصور الإسلامي يعلم المسلم أن الله فرض عليه تكاليف واضحة ، ونهاه عن أمور كذلك واضحة . وهذه وتلك محددة لا شبهة فيها ولا غبش . مكشوفة للعلم الإنسانى لا غيب فيها ولا مجهول . وهذه وتلك هى التى يحاسبه عليها . أما أمر الغيب والقدر وما هو مخبوء وراء النظر ، فأمور لم يكلف الله المسلم بالبحث فيها ، ولم يأمره بشئ يتعلق بها ، غير الاعتقاد بقدر الله خيره وشره .

ومن ثم فطريق المسلم الواضح محدد مستقيم .. طريقه أن ينهض بالتكاليف الواضحة ما استطاع – وأن يجتنب النواهي المحددة كما نُهى . وأن يشتغل بمعرفة ما أمر الله به ، وما نهى عنه ، ولا يبحث فى شئ وراءهما من أمر الغيب المحجوب عن إدراكه المحدود .

وما كان الله – سبحانه – ليكلفه – شيئا يعلم أن لا طاقة له به ، أو أنه ممنوع بمانع قهرى عن النهوض به . وما كان الله – سبحانه – لينهاه عن شئ ، يعلم أن لا طاقة له بالامتناع عنه ، أو أنه مدفوع بدافع قهرى لا يقاوم لإتيانه !

لا يكلف الله نفسا إلا وسعها . لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت .

وإذا فعلوا فاحشة قالوا : وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها . قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون ؟ قل أمر ربى بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد .. وادعوه مخلصين له الدين . (الأعراف : 28-29)

القسم الثاني

وما يؤمن بالله من لا يؤمن بأن الله لا يكلفه بشئ فوق طاقته ، ولا ينهاه عن شئ ليس فى مقدوره الانتهاء عنه .. وفى هذه الكفاية .

بهذا يتم التوازن فى الاعتقاد والشعور ، كما يتم التوازن فى النشاط والحركة فيثير التصور الإسلامى فى الضمير الرغبة فى الخير والاستقامة ، وفى الحركة والفاعلية . مع الاستعانة بالله الذى بيده كل شئ .

وبهذا يقطع التعطيل والإرجاء والسلب .. وقد علم أن الله لا يرضى لعبادة الكفر . وأنه لا يحب أن تشيع الفاحشة فى الذين آمنوا . ولا يرضى أن يترك المنكر بلا جهاد ، ولا أن يترك الحق بلا نصره ، ولا أن تترك الأرض بلا خلافة . وقد علم أن الإنسان فى هذه الدنيا للابتلاء بالخير والشر ، وللامتحان فى كل حركة وكل حالة . وأنه مجزى على الحسنة وعلى السيئة فى دار الحساب والجزاء .. وأنه كذلك مستخلف فى هذه الأرض ، وأن له مكانه فى هذا الكون ، وله دوره فى ما يقع فى هذه الأرض من تغيير وتطوير . وأنه إما ناهض بهذه الخلافة – وفق منهج الله – فمثاب . وإما نأكل عن التبعة فمعاقب . ولو كان النكول خوفا من التبعة . وفرار من الابتلاء !

والتوازن يبن عبودية الإنسان المطلقة لله ومقام الإنسان الكريم فى الكون .. وقد سلم التصور الإسلامى فى هذا الصدد من كل الهزات والأرجحات التى تعاورت المذاهب والمعتقدات والتصورات .. ما بين تأليه الإنسان فى صوره الكثيرة . وتحقير الإنسان إلى حد الزراية والمهانة ..

إن الإسلام يبدأ فيفصل فصلا تاما كاملا بين حقيقة الألوهية ، وحقيقة العبودية . وبين مقام الألوهية ومقام العبودية . وبين خصائص الألوهية وخصائص العبودية . بحيث لا تقوم شبهة أو غبش حول هذا الفصل الحاسم الجازم :

الله ليس كمثله شئ .. فلا يشاركه أحد فى ماهية أو حقيقة .

والله هو الأول والآخر والظاهر والباطن فلا يشاركه أحد فى وجود .

وكل من عليها فان ، ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام .. فلا يشاركه أحد فى بقاء .

والله لا يسأل عما يفعل وهم يسألون .. فلا يشاركه أحد فى سلطان .

و خالق كل شئ .. فلا يشاركه أحد فى خلق .

و الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر .. فلا يشاركه أحد فى رزق .

و والله يعلم وأنتم لا تعلمون .. فلا يشاركه أحد فى علم .

ولم يكن له كفوا أحد .. فلا يشاركه أحد فى مقام .

أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله؟ .. فلا يشاركه أحد فى التشريع للناس..

وهكذا فى كل خاصية من خصائص الألوهية .

عبد لا يشارك الله فى حقيقة ولا خاصية .. وليس كما تقول الكنيسة عن المسيح – عليه السلام – إن له طبيعة لاهوتية ناسوتية ، على اختلاف المذاهب والتصورات .

إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلا لبنى إسرائيل .

لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون .

إن كل من فى السماوات والأرض إلا أتى الرحمان عبدا .

ولكن الإنسان – بعبوديته هذه لله – كريم على الله . فيه نفخة من روح الله . مكرم فى الكون، حتى ليأمر الملائكة – وهم عبادة المقربون – أن يجدوا له سجود التكريم .

وإذ قال ربك للملائكة : إنى خالق بشرا من صلصال من حمأ مسنون . فإذا سويته ونفخت فيه من روحى فقعوا له ساجدين فسجد االملائكة كلهم أجمعين .

وهو مستخلف فى هذه الأرض ، مسلط على كل ما فيها ، مسخر له الأرض وما فيها ومحسوب حسابه فى تصميم هذا الكون قبل أن يكون :

وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ(30)وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاء إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ(31) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ(32)قَالَ يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ .

وسخر لكم ما فى السماوات وما فى الأرض جميعا منه .

وألقى فى الأرض رواسى أن تميد بكم وأنهارا وسبلا لعلكم تهتدون .

ألم تر أن الله سخر لكم ما فى الأرض ، والفلك تجرى فى البحر لأمره . ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه ؟ إن الله بالناس لرؤوف رحيم .

والإنسان – كما أسلفنا – يكون فى أرفع مقاماته ، وفى خير حالاته ، حين يحقق مقام العبودية لله ، إذ أنه – فى هذه الحالة – يكون فى أقوم حالات فطرته ، وأحسن حالات كماله وأصدق حالات وجوده .

ومقام العبودية لله هو الذى وُصف به رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فى مقام الوحى ومقام الإسراء والمعراج – كما ذكرنا من قبل – وهو الذى جعله الله غاية الوجود الإنسانى وهو يقول :

وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون .

كما أن قيام الناس فى هذا المقام ، هو الذى يعصمهم جميعا من عبودية العبيد للعبيد ، وهو الذى يحفظ لهم كرامتهم جميعا ، على اختلاف مراكزهم الدنيوية ، وهو الذى يرفع جباههم فلا تنحنى إلا الله وهو الذى يكفيهم – فى الوقت ذاته – عن الاستكبار فى الأرض بغير الحق ، والعلو فيها والفساد ، ويستجيش فى قلوبهم التقوى للمولى الواحد ، الذى يتساوى أمامه العبيد . ويرفض أن يدعى أحد العبيد لنفسه خصائصه الألوهية ، فيشرع للناس فى شؤون حياتهم بغير سلطان من الله ، ويجعل ذاته مصدر السلطان ، وإرادته شريعة البناء لبنى الإنسان ‍‍.

ومن ثم فإنه لا تعارض – فى التصور الإسلامى – بين رفعة الإنسان وعظمته وكرامته وفاعليته، وبين عبوديته لله – سبحانه – وتفرد الله بالألوهية وبخصائصها جميعا .

ولا حاجة إذن – عندما يراد رفع الإنسان وتكريمه – أن تخلع عنه عبوديته لله ، أو تضاف إلى ناسوتيته لاهوتية ليست له ، كما احتاج رؤساء الكنيسة والمجامع المقدسة أن يفعلوا ، ليعظموا عيسى – عليه السلام – ويكبروه ‍.

لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ(72)لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ(73)أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ(74)مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمْ الْآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ .

وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ(116)مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنْ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ(117)إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ . . .

( المائدة : 116 – 118 )

لن يستنكف المسيح ن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون . ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا .

كذلك لا حاجة إلى تصغير الله – سبحانه وتعالى – كلما أريد تعظيم الإنسان ، وإعلان رفعة مقامه فى هذه الأرض ، وسيطرته وفاعليته ، وكلما فتح الله للإنسان فتحا فى أسرار المادة . وكلما سخر له طاقة من طاقات الكون ‍.

إن الله – سبحانه – والإنسان ليسا كفوين ولا ندين ‍، ولا متصارعين ، ولا يرجح أحدهما ليشيل الآخر ، ولا يغلب أحدهما ليهزم الآخر .

لقد تركت الأساطير الإغريقية ، والأساطير العبرية ، هذا التصور القبيح التافه فى أذهان الأوربيون . فظل يسيطر على تصوراتهم حتى بعد ما دخلوا فى المسيحية .

الأسطورة الإغريقية التى تصور كبير الآلهة زيوس غاضبا على الإله برومثيوس لأنه سرق سر النار المقدسة (سر المعرفة) وأعطاه للإنسان ، وراء ظهر كبير الآلهة ، الذي لم يكن يريد للإنسان ان يعرف لئلا يرتفع مقامه فيهبط مقام كبير الآلهة ويهبط معه مقام الآلهة ، ومن ثم أسلمه إلى أفظع انتقام وحشى رعيب .

والأسطورة العبرانية التي تصور الإله خائفا من أن يأكل الإنسان من شجرة الحياة ، – بعد ما أكل من شجرة المعرفة – فيصبح كواحد من الآلهة ‍، ومن ثم يطرد الإنسان من الجنة ، ويقيم دونه ودون شجرة الحياة حراسا شدادا ولهيب سيف متقلب .

والأسطورة التى أطلقها نيتشه وهو يتخبط خبط الصرع فى كتابه : هكذا قال زرادشت ليعلن موت الإله ومولد الإنسان الأعلى السوبرمان) .

كبرت كلمة تخرج من أفواهم إن يقولون إلا كذبا ..

إن الإنسان – فى الإسلام – يأخذ مكانه الحقيقى دائما فى هدوء ، وفى هوادة ، وفى طمأنينة. إنه عبد الله . وإنه بهذه العبودية أكرم خلق الله . وهو فى مقام العبودية فى أرفع مقام . وفى أسعد مقام. وفى أصلح مقام .

ويبقى أن نأخذ – من هذه الخاصية – أن التصورات الأوروبية التى كمنت فيها تلك التصورات الأسطورية المختلفة ، ودخلت فى صميمها ، بل دخلت فى مناهج تفكيرها .. أن هذه التصورات الأوربية ، وما قام عليها من مناهج التفكير ، وما نتج منها من مذاهب وأفكار .. كلها تصطدم – اطداما ظاهرا أو خفيا – مع التصور الإسلامى ، ومناهج الفكر الإسلامية ، وأن أى استعارة من تلك التصورات ، أو مناهج التفكير ، أو نتاجها من المذاهب والأفكار ، تحمل فى صميمها عداء طبيعيا للتصور الإسلامى ، وللفكر الإسلامى ، ولا تصلح بتاتا للاقتباس منها أو الاستعانة بها .. بل هى كالسم الذى يتلف الأنسجة ، ويؤذى الأعضاء ، ويقتل فى النهاية إذا كثر المقدار .

والتوازن فى علاقة العبد بربه ، بين مومحيات الخوف والرهبة والاستهوال ، وموحيات الأمن ولطمأنينة والأنس .. فصفات الله الفاعلة فى الكون ، وفى حياة الناس والأحياء ، تجمع بين هذا الإيحاء وذاك . فى توازن تام .

ويقرأ المسلم فى كتاب الله الكريم من صفات ربه ما يخلع القلوب ، ويزلزل الفرائص ، ويهز الكيان ، من مثل قوله تعالى :

واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه ، وأنه إليه تحشرون .

يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور .

ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد .

واعلموا أن الله يعلم ما فى أنفسكم فاحذروه .

(واتقوا الله واعلموا أن الله شديد العقاب .

سنستدرجهم من حيث لا يعلمون . وأملى لهم إن كيدى متين .

إن بطش ربك لشديد .

والله عزيز ذو انتقام .

وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهى ظالمة . إن أخذه أليم شديد .

وذرنى والمكذبين أولى النعمة ومهلهم قليلا . إن لدينا أنكالا وجحيما، وطعاما ذا غصة وعذابا أليما ، يوم ترجف الأرض والجبال وكانت الجبال كثيبا مهيلا .

وصور العذاب فى مشاهد القيامة رهيبة رهيبة(1).

ويقرأ المسلم كذلك من صفات ربه ، ما يملأ قلبه طمأنينة وراحة ، وروحه أنسا وقربا ، ونفسه رجاء وأملا . من مثل قوله تعالى :

وإذا سألك عبادى عنى فإنى قريب ، أجيب دعوة الداع إذا دعان .

أم من يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض ؟ أإله مع الله ؟ .

الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء ، والله يعدكم مغفرة منه وفضلا ، والله واسع عليم .

وما كان الله ليضيع إيمانكم : إن الله بالناس لرؤوف رحيم .

يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا .

ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم ؟ وكان الله شاكرا عليما .

إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا .

وهو الغفور الودود .

والله رؤوف بالعباد .

ويبشر المؤمنين الذين عملوا الصالحات أن لهم أجرا حسنا ماكثين فيه أبدا .

وصور النعيم فى مشاهد القيامة رخية رخية!

ومن هذا وذاك يقع التوازن فى الضمير بين الخوف والطمع ، والرهبة والأنس والفزع والطمأنينة .. ويسير الإنسان فى حياته ، يقطع الطريق إلى الله، ثابت الخطوة ، مفتوح العين ، حى القلب ، موصول الأمل . حذرا من المزالق، صاعدا أبدا إلى الأفق الوضئ ، لا يستهتر ولا يستهين ، ولا يغفل ولا ينسى ، وهو فى الوقت ذاته شاعر برعاية الله وعونة ، ورحمة الله وفضله ، وأن الله لا يريد به السوء ، ولا يود له العنت ، ولا يوقعه فى الخطيئة ليتشفى بالانتقام منه.. تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا .

وحين توازن بين هذا التصور وتصور الإغريق لكبير آلهتهم ، القاسى الحسود الشهوان العربيد ، المضطغن الحقود ، أو تصور الإسرائيليين المنحرف لإلههم الغيور المتعصب ، البطاش المتهور .. أو تصور أرسطو لإلهة المترفع الذى لا يعنى نفسه بأمر الخلق على الإطلاق ، ولا يفكر إلا فى ذاته ، لأنها أشرف الذوات ، ولا يليق بالإله أن يفكر إلا فى أشرف ذات ! أو تصور الماديين لإلههم الطبيعة الصماء العمياء الخرساء ! .. عندئذ تبدو قيمة هذا الجانب المتوازن فى التصور الإسلامى ، وأثره الواقعى فى حياة البشر ، وأثره كذلك فى منهج حياتهم وأخلاقهم ونظامهم العملى ، (وسيأتى شئ من تفصيل هذا الإجمال فى الفصل التالى عن خاصية : الإيجابية) .

والتوازن بين مصادر المعرفة : من وراء الغيب المحجوب ، ومن صفحة الكون المشهود ، أو بتعبير آخر : من الوحى والنص ، ومن الكون والحياة .

وقد رأينا فى مطلع هذا البحث كيف تقلبت التصورات فى أوربة ، بين اتخاذ النص (أو الوحى) – وحده – مصدرا للمعرفة ، واتخاذ العقل – وحده – مصدرا ، واتخاذ الطبيعة – وحدها – مصدرا كذلك ! وتعسف كل فريق فى تأنيه مصدره ، ونفى المصادر الأخرى إطلاقا ، وإلغاء وجودها إلغاء !

فأما الإسلام فى شموله وفى توازنه ، وفى اعتباره لجميع الحقائق الواقعه ، دون تعسف ، ودون هوى ، ودون شهوة ، ودون غرض ، ودون جهل ، ودون قصور …

أما الإسلام – فى طمأنينته إلى الحق ، الكامل الشامل – فلم يغفل مصدرا واحدا من مصادر المعرفة لم يعطه اعتباره ، ولم يضعه فى مكانه الذى يستحقه ، ودرجته التى هى له فى الحقيقة ، فى دقة وتوازن وطمأنينة .

فالإسلام – كما سبق – يرد الأمر كله ابتداء إلى الله وإرادته وتدبيره ، ويرد الخلق كله إلى إرادة الله الواحد – ومن الخلق هذا الكون وما فيه ، وهذا الإنسان وعقله ومداركه – ومن ثم لا يجد تناقصا فى أن يكون للكون – أو للطبيعة كما يسميها الغربيون – وأن يكون للحياة وأوضاعها – وفيها الاقتصاد إله كارل ماركس – دور فى إمداد الإنسان بالمعرفة عن طريق العقل وسائر المدارك المودعة فيه باعتبار الجميع من صنع الله .. فهى من عنده . كما أن الوحى من عنده كذلك .

نعم إن الإسلام يعتبر مصدر الوحى المصدر الصادق ، الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، ولا يخضع للهوى ، ولا يتأثر به ، ومن ثم فهو أعلى المصادر . ولكنه فى الوقت ذاته لا يلغى العقل – عندئذ – ولا يلغى المؤثرات والمعارف التى تتلقاها الكينونة الإنسانية كلها ، مما حولها فى الكون. فالكون كذلك كتاب الله المفتوح الذى يصب المعرفة فى الكينونة الإنسانية – كما يصبها الوحى – مع فارق واحد : هو أن المعرفة التى يتلقاها الإنسان بمداركه من هذا الكون ، قابلة للخطأ والصواب – بما أنها من عمل الإنسان – أما ما يتلقاه من الوحى فهو الحق اليقين ..

لقد خلق الله هذا الإنسان متوافقا فى فطرته وتكوينه مع هذا الكون ، ومع سائر الحياء . فكلهم من خلق الله ، وكلهم يتلقى من الله ، وكلهم يتمتع بهداه .

قال : ربنا الذى أعطى كل شئ خلقه ثم هدى .

سبح اسم ربك الأعلى ، الذى خلق فسوى ، والذى قدر فهدى .

ومن كل شئ خلقنا زوجين لعلكم تذكرون .

وما من دابة في الأرض و لا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم

الذى جعل لكم الأرض مهدا ، وسلك لكم فيها سبلا .

منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى .

سبحان الذى خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون .

فاطر السماوات والأرض جعل لكم من أنفسكم أزواجا ومن الأنعام أزواجا .

وفى التوافق والتناسق والتعاون بين خلق الله جميعا – وفيهم الإنسان – ترد نصوص قرآنية كثيرة . ذات إيحاء قوى بالوحدة والتضامن والتناسق فى طبيعة التكوين وفى الاتجاه العام ، نذكر منها القليل :

أَلَمْ نَجْعَلْ الْأَرْضَ مِهَادًا(6)وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا(7)وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا(8)وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا(9)وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا(10)وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا(11)وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا(12)وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا(13) وَأَنزَلْنَا مِنْ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا(14)لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا(15)وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا .

أأنتم أشد خلقا أم السماء : بناها . رفع سمكها فسواها . وأغطش ليلها وأخرج ضحاها . والأرض بعد ذلك دحاها ز أخرج منها ماءها ومرعاها. والجبال أرساها . متاعا لكم ولأنعامكم .

فلينظر الإنسان إلى طعامه : أنا صببنا الماء صبا ثم شققنا الأرض شقا فأنبتنا فيها حبا . وعنبا وقضبا . وزيتونا ونخلا . وحدائق غلبا . وفاكهة وأبّا .. متاعا لكم ولأنعامكم .

وَاللَّهُ أَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ(65)وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ(66) وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ(67)وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنْ اتَّخِذِي مِنْ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنْ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ(68)ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ .

وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ(80)وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمْ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ .

وأمثال هذه النصوص كثير ، سنفصل الحديث عنه عند الكلام عن حقيقة الكون وحقيقة الإنسان فى التصور الإسلامى ..

والمهم الآن أن نقول : إن الإسلام بناء على تقريره أن هناك اتفاقا وتناسقا بين الكون والإنسان ، جعل الكون وجعل الحياة والأحياء من بين مصادر المعرفة لهذا الإنسان – أو عن كتاب الكون المفتوح – وعن الإنسان ذاته . فهو مصدر من مصادر التأمل والمعرفة لذاته !

فنجد فى التوجيه إلى المصدر الأول الأصيل الصادق ، المهيمن على كل مصادر المعرفة الأخرى .. أمثال هذه النصوص :

إن هذا القرآن يهدى للتى هى أقوم .

ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون.

إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون . نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن ، وإن كنت من قبله لمن الغافلين .

وقلنا اهبطوا منها جميعا ، فإما يأتينكم منى هدى ، فنم تبع هداى فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون . والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون .

وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور . خذوا ما آتيناكم بقوة واسمعوا.

ثم نجد فى التوجيه إلى التلقى والمعرفة من كتاب الكون المفتوح ، ومن كتاب النفس المكنون ، الشئ الكثير .. الكثير :

وفى الأرض آيات للموقنين ، وفى أنفسكم . أفلا تبصرون؟ .

سنريهم آياتنا فى الآفاق وفى أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق .

أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت ؟ وإلى السماء كيف رفعت ؟ وإلى الجبال كيف نصبت ؟ وإلى الأرض كيف سطحت ؟ فذكر إنما أنت مذكر .

ألم يروا إلى الطير مسخرات فى جو السماء ما يمسكهن إلا الله ؟ إن فى ذلك لآيات لقوم يؤمنون .

إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنْ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ .

وفى التوجيه إلى استخدام العقل للمعرفة ، إما بتدبر آيات الله فى الكون ، وإما بتدبر حقائق الوحى وحقائق الحياة ، نجد كذلك فى القرآن نصوصا شتى:

قل : إنما أعظمكم بواحدة : أن تقوموا لله مثنى وفرادى ، ثم تتفكروا . ما بصاحبكم من جنة ، إن هو إلا نذير لكم ، بين يدى عذاب شديد .

أفلا يتدبرون القرآن ؟ ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا .

أفلم يسيروا فى الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها ؟ أو آذان يسمعون بها ؟ فإنها لا تعمى الأبصار ، ولكن تعمى القلوب التى فى الصدور .

إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ(190)الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ .

(آل عمران : 190-191)

والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا ، وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة .

وهكذا تتوازن هذه المصادر .. كل بحسبه .. وتناسق فى إمداد الكائن الإنسانى بالمعرفة . ويتوازن التصور الإسلامى ، فلا يشط ولا يضطرب ولا يأرجح بين هذه المصادر ، ولا يؤله ما ليس منها بإله !

ومما يلاحظ بوضوح فى منهج التربية القرآنى كثرة توجيه الإدراك البشرى إلى ما فى الكون ، وما فى الأنفس ، من أمارات وآيات ، وتوجيه هذا الإدراك إلى مصاحبة صنعة الله فى الأنفس والآفاق . ذلك أن هذه المصاحبة – فوق أنها تنبه الإدراك البشرى إلى معرفة الصانع من صنعته ، وإجلاله بإدراك عظمته من عظمة صنعه ، وحبه بإدراك عظمة أنعمه – فهى فى الوقت ذاته تطبع الإدراك الإنسانى بخصائص تلك الصنعة : من دقة وتناسق وانتظام ، لا خلل فيه ولا تصادم ولا تفاوت . كما تطبعه بموحياتها كذلك من سنن وحقائق ومقررات .. وليس بالقليل مثلا أن ينطبع فى حس الإنسان وشعوره من متابعة التغير المستمر فى أحوال هذا الكون ، وفى أحوال البشر ، وفى أحوال النفس ، أن الدوام لله وحده ، الذى يغير ولا يتغير . وأن كل شئ حائل أو زائل ، إلا الحى الذى لا يموت . الصمد الثابت المقصود .. وليس بالقليل مثلا أن ينطبع فى حس الإنسان وشعوره من ملاحظة ثبات السنن التى تحكم ذلك التغير ، وثبات الناموس الذى يتم به التبدل والتحور ، أن الأمور لا تمضى جزافا ، وأن الحياة لم توجد سدى ، وأن الإنسان غير متروك لقى . وإنما هو التدبير والتقدير، والابتلاء والجزاء ، والعدل الصارم الدقيق فى تقدير المصير ..

وهكذا … وهكذا .. مما سنذكر منه الكثير .

ومن ثم يكثر التوجيه إلى هذه المصادر ، والظاهرة فى الكون والمكنونة فى النفس ، لتلقى المعرفة من كتاب الله المفتوح ، كتلقى المعرفة من كتاب الله المقروء . . فى تناسق وتوازن ، يجمع بين مصادر المعرفة كلها ، فى غير تصادم ولا تعارض ، وفى غير تأليه منها فى تاريخ الفكر الغربى الصغير !

ومن ثم لا يقتضى قيام الوحى – كمصدر أساسى للمعرفة – إلغاء الإدراك البشرى ، كما لا يقتضى وجود الكون إلغاء هذا العقل ، أو إلاء الله – جل وعلا وتنزه عن التصورات المطوسة البائسة ، التى يتعبد لها الغربيون ! وعبيد الغربيين !

والتوازن بين فاعلية الإنسان وفاعلية الكون . وبين مقام الإنسان ومقام الكون . وقد سلم التصور الإسلامى فى هذه النقطة من جميع الأرجحات ، وجميع التقلبات التى صاحبت الفكر البشرى ، كلما انحرف عن منهج الله .

وتتضح استقامة التصور الإسلامي تجاه الكون و الإنسان ، حين يراجع ركام الفلسفات والتصورات والمعتقدات المختلفة .

لقد كان أفلاطون يضع المادة فى الدرك الأسفل من القيمة والاعتبار . فالوجود فى مذهب أفلاطون طبقتان متقابلتان : طبقة العقل المطلق ، وطبقة المادة أو الهيولى . والقدرة كلها من العقل المطلق ، والعجز كله من اهيولى ، وبين ذلك كائنات على درجات تعلو بقدر ما تأخذ من العقل ، وتسفل بمقدار ما تأخذ من الهيولىفالهيولى مقاومة للعقل المجرد ، وليست موجدة بمشيئته من العدم (1) وأفلوطين – فى الأفلاطونية الحديثة – يجعل المادة فى الدرك نفسه .. فالواحد الأحد خلق العقل ، والعقل خلق الروح ، والروح خلقت ما دونها من الموجودات ، على الترتيب الذى ينحدر طورا إلى عالم الهيولى ، أو عالم المادة والفساد (2) .

والنصرانية – كما صنعتها الكنيسة – اعتبرت الشر كله ممثلا فى عالم الجسد – أى عالم المادة – والخير كل ممثلا فى عالم الروح . ومن ثم اقتضى الأمر احتقار كل ما هو مادى ، والهرب منه للنجاة من الشر والفساد .. وكذلك فعلت الهندوكية من قبل فى مذهب براهما …

وبينما عالم المادة ينبذ هذا النبذ فى بعض الفلسفات والمعتقدات ، يقوم فى القرن التاسع عشر ، من يجعل من الطبيعة إلها ، ويجعل من العقل البشرى مخلوقا من مخلوقات هذا الإله ! كما فعل كومت و نيتشه من زعماء المذهب الوضعى ، ومن يجعل جانبا من عالم المادة – وهو الاقتصاد – إلها ، يخلق العقول والأديان والفلسفات والآداب والأخلاق .. كما فعل كارل ماركس ! ويحط من قيمة الإنسان تجاه هذا الإله فيجعله عاملا سلبيا لا يقدم ولا يؤخر ، وإنما يتلقى فقط ويتأثر !

بين هذه الشخصيات المتأرجحة ، وبين هذا الغلو من هنا ومن هناك يقف التصور الإسلامى على قاعدة الحقيقة المستقرة الثابتة .. اله هو الخالق المبدع المهيمن المدبر .. والكون و الإنسان من إبداع الله ، وبينهما من التفاعل ، وبينهما من التناسق ، ما يجعل لكل منهما دورا فى حياة الآخر .. والإنسان هو الأكرم ، وهو الأكثر فاعلية وإيجابية . وهو المسلط على المادة ، يبدع فيها وينشئ ، ويغير فيها ويطور ،ويظهر من أسرارها ما أودعه الله ، ويتلقى من هذه الأسرار ما يؤدى إلى العظة والاعتبار .

وتكريم الوجود الإنسانى – مع عدم احتقار الوجود الكونى – يكفل لهذا الإنسان مقامه وكرامته ، ويجعل حياته ومقوماته أكرم من أن تمس فى سبيل توفير أية قيمة مادية أخرى . وذلك مع عدم الإخلال بالقيم المادية وبالإبداع فى علم المادة .

وهناك ألوان شتى من هذا التوازن فى التصور الإسلامى ، لا نملك تتبعها وعرضها هنا بالتفصيل – ولا حتى مجرد الإشارة – إنما نحن نثبت هذه النماذج، لتكون هى الإشارة التى يتبعها الناظر فى هذا المنهج ، إلى نهاية الطريق (1) …

الإيجابية

القسم الأول

وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون

والخاصية الخامسة البارزة فى التصور الإسلامى هى .. الإيجابية .. الإيجابية الفاعلة فى علاقة الله – سبحانه – بالكون والحياة و الإنسان . والإيجابية الفاعلة كذلك من ناحية الإنسان ذاته . فى حدود المجل الإنسانى .. كما أشرنا إلى ذلك من قبل إشارات مجملة ..

إن الصفات الإلهية فى التصور الإسلامى ليست صفات سلبية . والكمال الإلهى ليس فى الصورة السلبية التى جالت فى تصور أرسطو . وليست مقصورة على بعض جوانب الخلق والتدبير كما تصور الفرس فى صفات هرمز إله النور والخير واختصاصاته وصفات أهرمان إله الظلام والشر واختصاصاته . وليست محدودة بدرجة من درجات الخلق كتصور أفلوطين . وليست محدودة بدرجة من درجات الخلق كتصور أفلوطين . وليست محدودة بحدود شعب كتصورات بنى إسرائيل ، وليست مختلطة أو متلبسة بإرادة كينونة أخرى ، كبعض تصورات الفرق المسيحية . وليست معدومة على الإطلاق ، كما تقول المذاهب المادية التى تنفى وجود الإله الحى المريد .. إلى آخر هذا الركام ..

ولعله يحسن قبل أن نعرض التصور الإسلامى الواضح الصريح المريح، أن نثبت مجملا سريعا لهذه التصورات التى أشرنا إليها . أو أشرنا إلى شئ منه فى أوائل هذا الكتاب وفى ثناياه :

مذهب أرسطو فى الإله أنه كائن أزلى أبدى ، مطلق الكمال ، لا أول له ولا آخر ، ولا عمل له ولا إرادة ! منذ كان العمل طلبا لشئ . والله غنى عن كل طلب .

وقد كانت الإرادة اختيارا بين أمرين ، والله قد اجتمع عنده الأصلح الأفضل من كل كمال ، فلا حاجة إلى الاختيار بين صالح وغير صالح ، ولا بين فاضل ومفضول وليس مما يناسب الإله – فى رأى أرسطو – أن يبتدئ العمل فى زمان ، لأنه أبدى سرمدى ، لا يطرأ عليه طارئ يدعوه إلى العمل ، ولا يستجد عليه من جديد فى وجوده المطلق بلا أول ولا آخر ، ولا جديد ولا قديم . وكل ما يناسب كمال فهو السعادة بنعمة بقائه ، التى لا بغية وراءها ، ولا نعمة فوقها ولا دونها ، ولا تخرج من نطاقها عناية تعنيه !

فالإله الكامل المطلق الكمال ،لا يعنيه أن يخق العالم ، أو يخلق مادته الأولى – وهى الهيولى – ولكن هذه الهيولى قابلة للوجود ، يخرجها من القوة إلى الفعل شوقها إلى الوجود ، الذى يفيض عليها من قبل الإله ، فيدفعها هذا الشوق إلى الوجود ، ثم يدفعها من النقص إلى الكال المستطاع فى حدودها ، فتتحرك وتعمل ، بما فيها من الشوق والقابلية ، ولا يقال عنها : إنها من خلقة الله عل هذا الاعتبار (1) .

والفرس كانوا يعتقدون بالثنوية ، ويجعلون للخير إلها هو هرمز . قدرته واختصاصه مقصوران على عالم النور والخير . ويجعلون للشر إلها هو أهرمان قدرته واختصاصه مقصوران على عالم الظلام والشر . وهما أخوان مولودان لإله قديم اسمه زروان !

وزعموا أن مملكة النور ومملكة الظلام كانتا قبل الخليقة منفصلتين ، وأن هرمز طفق فى مملكته يخلق عناصر الخير والرحمة ، وأهرمان غافل عنه فى قراره السحيق . فلما نظر ذات يوم ليستطلع خبر أخيه ، راعه اللمعان من جانب مملكة أخيه ، فأشفق على نفسه من العاقبة ، وعلم أن النور وشيك أن ينتشر ويستفيض ، فلا يترك له ملاذا يعتصم به ، ويضمن فيه البقاء . فثار ، وثارت معه خلائق الظلام – وهى شياطين الشر والفساد – فأحبطت سعى هرمز ! وملأت الكون بالخبائث والأرزاء(1) .. الخ … (واحتدمت المعركة وما تزال) .

أما أفلوطين الذى عاش فى السنوات الأولى من القرن الثالث للميلاد .. لإغنه يغلو فيما يراه تنزيها لإلهه الأحد ، حتى يتجاوز كل معقول . فإذا كان أرسطو يرى أن من كمال إليهة ألا يشعر بغير ذاته ، وألا يفكر إلا فى ذاته لا يفكر إلا فى أشرف الموجودات وذاتيه هي أشرف الموجودات وأنه لا يعلم الموجودات لأنها أقل من أن يعلمها .. إذا كان تنزيه أرسطو لإلهه وقف به عند هذا الحد ، فإن أفلوطين راح يزعم أن من كمال إلهه الأحد أنه لا يشعر بذاته كذلك ‍ لأنه يتنزه عن ذلك الشعور .

وبديه أن المذهب يقتضى وسائط متعددة لربط الصلة بين هذا الإله الأحد المطلق الصفاء ، وبين المخلوقات العلوية ، وهذه المخلوقات السلفية . و لا سيما خلائق الحيوان المركب فى الأجساد .

وهكذا لزم أفلوطين أن يقول : إن الواحد خلق العقل . وإن العقل خلق الروح . وإن الروح خلقت ما دونها من الموجودات . على الترتيب الذى ينحدر طور دون طور ، إلى عالم الهيولى ، أو عالم المادة والفساد ! (2) .

ومن ثم ينحصر اختصاص الإله – عند أفلوطين – فى خلق العقل .. ثم تنتهى مهمته عند ذاك!

أما إله بنى إسرائيل يهوا – كما ترسمه تصوراتهم المنحرفة – فهو إله إسرائيل الخاص ! الذى يغار من عبادة شعب إسرائيل للآلهة الغريبة ، فيثور ويغضب ويحطم وينتقم . حتى إذا عاد الشعب إليه رضى واستراح . وكف عن النقمة والتدمير . وندم على ما فعل بشعبه المختار !

والتصورات الكنسية عن طبيعة المسيح وإرادته ، وتلبسهما باللاهوتية ، سبق أن أشرنا إليها فى فصل تيه وركام ، وهى تجعل إرادة الله متلبسة أو متجسمة فى إرادة المسيح . إلى أخر هذا الركام (1) !

وكذلك أشرنا إلى تصورات الوصعيين الماديين المختلفة بما فيه الكفاية . فيرجع إليها هناك(2) .

والآن ننتقل من هذا الركام المتناثر إلى التصور الإسلامى المستقيم الواضح المريح : إن الإنسان – فى التصور الإسلامى – يتعامل مع إله موجود . خالق . مريد . مدبر . مهيمن . قادر . فعال لما يريد .. كامل الإيجابية والفاعلية .. إليه يرجع الأمر كله . وإلى إرادته يرجع خلق هذا الكون ابتداء ، وكل انبثاقة فيه بعد ذلك ، وكل حركة . وكل تغير وكل تطور . ولا يتم فى هذا الكون شئ إلا بإرادته وعلمه وتدبيره لكل عبد من عباده ، ، فى كل حال من أحواله ولكل حى ولكل شئ وفى هذا الوجود كذلك .

ويحف القرآن الكريم بتقرير هذه الحقيقة الأساسية الكبيرة فى التصور الإسلامى ، بكل صورها وأشكالها ، ويهتم بعرض مظاهرها فى كل جانب من جوانب الكون ، وفى كل صورة من صورها المتجددة التى لا تحصى :

إن ربكم الله الذى خلق السماوات و الأرض فى ستة أيام ، ثم استوى على العرش ، يُغشى الليل النهار يطلبه حثيثا ، والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ، ألا له الخلق والأمر ، تبارك الله رب العالمين .

وما كان الله ليعجزه من شئ فى السماوات ولا فى الأرض ، إنه كان عليما قديرا .

قُلْ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(26)تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنْ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ .

وهو القاهر فوق عباده ، وهو الحكيم الخبير .

اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ(8) عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِي(9)سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ(10)لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ(11)هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ(12) وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ… .

يمحو الله ما يشاء ويثبت ، وعنده أم الكتاب .

وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو ، وإن يمسسك بخير فهو على كل شئ قدير .

لله ملك السماوات و الأرض ، يخلق ما يشاء ، يهب لمن يشاء إناثا ، ويهب لمن يشاء الذكور . أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ، ويجعل من يشاء عقيما.

الله يتوفى الأنفس حين موتها ، والتى لم تمت فى منامها ، فيمسك التى قضى عليها الموت ، ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى .

ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ، ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر من ذلك إلا هو معهم أينما كانوا . ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة . إن الله بكل شئ عليم .

واستقرار هذه الحقيقة فى ضمير الإنسان وفى حياته ، يتوقف عليه كل شئ فى أمر العقيدة . كما أنه هو الذى يمد الحياة البشرية بكافة المشاعر الأخلاقية . بواعثها وموازينها، والسلطان القائم عليها (وسيأتى تفصيل ذلك عند الكلام عن حقيقة الألوهية فى القسم الثانى من هذا الكتاب) .

إن هذه الإيجابية في علاقة الله – سبحانه – بخلائقه كلها ، هى مفرق الطرق بين العقيدة الجدية المؤثرة ، والعقيدة الصورية السلبية ، وشمول هذه الإيجابية وتوحدها ، هو مفرق الطريق كذلك، بين التجمع قي الكينونة الإنسانية والنشاط الإنسانى ، والتمزق في هذه الكينونة ونشاطها الحيوى .

وتصور الإنسان لإلهه ، وتعلق صفاته بالحياة الإنسانية ، هو الذي يحدد قيمة هذا الإله في نفسه ، كما يحدد نوع استجابته لهذا الإله !

وفرق كبير بين الذى يتصور أن إلهة لا يحفل به ، ولا يحس بوجوده – أولاً يعلم بوجوده أصلاً كما يقول بعض الفلاسفة ! – والإنسان الذي يحس ويعلم أن الله هو خالقه ورازقه ، ومالك أمره كله في الدنيا والآخرة ..

وفرق كذلك بين الذى يتعامل مع إلهين متنازعين – كما يقول الفرس – – أو مع آلهة متفرقة كما تقول الوثنيات الأخرى ، والذى يتعامل مع إله واحد . له إرادة واحدة ، ومنهج واحد . يعلم عباده على وجه الضبط والتحديد ما يريده منهم فيرضى ، وما يكرهه منهم فيسخط!

وفرق كذلك بين الذى يتعامل مع إله شهوانى . متعجرف . ظالم . متهور . متقلب الأهواء كإله الإغريق – بزعمهم – : زيوس أو جوبيتير الذى كانوا يصورونه حقوداً . لدوداً . مشغولاً بشهوات الطعام والغرام . لا يبالى من شؤون الأرباب والمخلوقات ما يعينه على حفظ سلطانه ، والتمادى في طغيانه . وكان يغضب على اسقولاب إله الطب – بزعمهم – لأنه يداوى المرضى ، فيحرمه جباية الضريبة على أرواح الموتى الذين ينتقلون من ظهر الأرض إلى باطن الهاوية ! وكان يغضب على برومثيوس إله المعرفة والصناعة –بزعمهم- لأنه يعلم الإنسان أن يستخدم النار في الصناعة ، وأن يتخذ من المعرفة قوة تضارع قوة الأرباب . وقد حكم عليه بالعقاب الدائم ، فلم يقنع بموته ، ولا بإقصائه عن حظيرة الآلهة ، بل تفنن في اختراع ألوان عذاب له . فقيده إلى جبل سحيق ، وأرسل عليه جوارح الطير إلى تنهش كبده طوال النهار ، حتى إذا جاء الليل عادت سليمة في بدنه ، لتعود الجوارح إلى نهشها بعد مطلع الشمس ولا يزال هكذا دواليك في العذاب الدائم مردود الشفاعة مرفوض الدعاء(1) . وانه كان يخادع زوجته هيرة ويرسل إله الغمام – بزعمهم – لمدارة الشمس في مطلعها ، حذراً من هبوب زوجته الغيرى عليه مع مطلع النهار ، ومفاجأته بين عشيقاته على عرش الأوليمب(2) ..

فرق بين الذى يتعامل مع إله كهذا ويستمد منه أخلاقه ، والذى يتعامل مع الله العادل ، الكريم ، الرحيم الذى يكره الفواحش ما ظهر منها وما بطن ، وينهى عن السوء . ويحب التوابين ويحب المتطهرين .. وأخيراً فارق هائل بين الإنسان الذي يظن أن إلهه هو الطبيعة الخرساء الصماء ، التى تطالبه بعقيدة ولا شعيرة ، ولا منهج ولا نظام حياة ، ولا خلق ولا أدب ، ولا ضمير ولا سلوك. ولا تحس بوجوده أصلاً . وليس لها هى إدراك ابتداء . ومن ثم فهي لا تحس ولا تعى ، ولا تدرى بخير أو شر . ولا تحاسب –من ثم – على خير أو شر .. والإنسان الذي يعرف أن إلهه الله الحى الذيى لا يموت . الصمد المقصود في الحاجات . الرقيب الذى لا يغفل . الحسيب الذى لا ينسى. العادل الذى لا يظلم . الرحيم الذى يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء .. إلى آخر صفات الله واسمائه الحسنى..

إن الأمر مختلف جداً . ومن ثم هذه القيمة الكبرى لهذه الخاصية في التصور الإسلامي .. ولقد عنى الإسلام عناية بالغة بتقرير هذه الحقيقة في تصور المسلمين وتوكيدها . وتقرير وجود الله سبحانه في حياتهم وتوسيعه وتعميقه .. وكانت حياة الجماعة المسلمة الأولى في ظلال الوحى المتلاحق ، المتعلق بواقع حياتهم ، وبما يهجس كذلك في ضمائرهم ، مثلاً حياً ، وترجمة عملية ، لهذه الحقيقة.. فقد رأينا يد الله – سبحانه – تتدخل جهرة ، وعينه تلحظ ، وسمعه يرعى ، أحوالهم اليومية وأعمالهم الشخصية ، وحياتهم الفردية والجماعية .

لقد شهدنا العناية الإلهية تتدخل علانية في شأن أسرة صغيرة فقيرة مغمورة لتقرر حكم الله في قضية بين إمرأة وزوجها . حين لم يجد الرسول –صلى الله عليه وسلم – فيها رأياً :

قد سمع الله قول التى تجادلك في زوجها وتشتكى إلى الله . والله يسمع تحاوركما . إن الله سميع بصير …الخ

كما شهدنا في شأن الرجل الأعمى الفقير ابن أم مكتوم ، مع رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فى هذه الصورة الرائعة :

عبس وتولى . أن جاءه الأعمى . وما يدريك لعله يزكى . أو يذكر فتنفعه الذكرى . أما من استغنى فأنت له تصدى ! وما عليك ألا يزّكى . وأما من جاءك يسعى وهو يخشى . فأنت عنه تلهى ؟ كلا إنها تذكرة . فمن شاء ذكره .

وشهدنا هذا التدخل فى الأحداث الكبرى سواء بسواء :

شهدناه فى الهجرة .. حيث يقول الله تعالى :

إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ .

وشهدناه فى بدر .. حيث يقول الله تعالى :

كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ(5)يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ(6)وَإِذْ يَعِدُكُمْ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ(7)لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ(8) إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنْ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ(9)وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ(10)إِذْ يُغَشِّيكُمْ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ(11)إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ.

وشهدناه فى أحد حيث يقول الله تعالى :

ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنْ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنْ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمْ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ )) . . .

( آل عمران : 152 – 154 )

وشهدناه فى كل موقف من مواقف المسلمين الكبرى .

ولم يكن هذا التدخل الإيجابى وقفا على هذه المجموعة من المسلمين . فهو شأن الله فى كل موقف ، وفى كل أمر ، وفى كل حال .. وقد كان منه ما كان فى شأن الرسل جميعا – عليهم اصلاة والسلام – مما قصه الله – سبحانه – على كل الجماعة المسلمة فى هذا القرآن ..

كان منه فى شأن موسى عليه السلام ، مع فرعون وملئه ، ما يصور هذا التدخل السافر المباشر:

تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ(2)نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ(3)إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِ نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُفْسِدِينَ(4)وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ(5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ(6)وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنْ الْمُرْسَلِينَ(7)فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ(8)وَقَالَتْ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ(9)وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ(10)وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ(11)وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ(12)فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ .

وكان منه فى شأن نوح عليه السلام :

كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ(9)فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ(10)فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ(11)وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ(12)وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ(13)تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ .

وكان منه فى شأن إبراهيم عليه السلام :

قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنتُمْ فَاعِلِينَ(68)قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ(69)وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمْ الْأَخْسَرِينَ(70)وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ(71)وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ(72) وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَةِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ . . .

( الأنبياء : 68 – 73 )

كذلك شهدناه فى أمر الكون كله ، وفى شأن سائر الخلائق والأحياء فيه :

إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ، ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده . إنه كان حليما غفورا .

ألم يروا إلى الطير مسخرات فى جو السماء ما يمسكهن إلا الله ؟ إن فى ذلك لآيات لقوم يؤمنون .

وكأىّ من دابة ، لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم ، وهو السميع العليم .

أفرأيتم ما تحرثون ؟ أنتم تزرعونه أم نحن الزارعون ؟ لو نشاء لجعلناه حطاما فظلتم تفكهون . إنا لمغرمون . بل نحن محرومون … (إلى أخر الآيات) .

أو لم يروا أنا نأتى الأرض لنقصها من أطرافها ؟ والله يحكم لا معقب لحمه ، وهو سريع الحساب .

والقرآن كله معرض هذه الإيجابية وهى أساس التصور الإسلامى – بعد التوحيد – وهى التى تتجلى فيها حقيقة التوحيد . فالوحيد الإسلامى يمتاز بأنه توحيد الفاعلية والتأثير وليس مجرد التوحيد السلبى الذى يصفه أرسطو ، أو يصفه أفلوطين !

القسم الثاني

واستقرار هذه الحقيقة فى ضمير الجماعة المسلمة الأولى هو الذى أنشأ هذه المجموعة الفريدة الممتازة فى تاريخ البشرية كله على الإطلاق ، وبدون استثناء . فقد عاشوا هذه الحقيقة . عاشوها حية فى نفوسهم . عاشوها ليل نهار ، وصباح مساء . عاشوها كما يعيشون حياتهم اليومية الواقعة . عاشوا مع الله . يحسون وجوده فى نفوسهم وفى حياتهم أعمق من حس اللمس والرؤية . عاشوا فى كنفه وفى رعايته . وعاشوا تحت عينه وفى رقابته . والتمسوا يده – سبحانه – تتدخل تدخلا مباشرا فى الصغير والكبير من أمورهم ، وتنقل خطاهم ، وترقبها ، وترشدهم ، وتعقب عليهم فى الصغيرة وفى الكبيرة .. ومن ثم كانوا هذا الذى كانوا : من الحساسية والطمأنينة معا . ومن التواضع والعزة بالله – ومن الخضوع والاستعلاء معا – الخضوع لله والاستعلاء على أعداء الله – ومن ثم صنع الله بهم فى هذه الأرض ما صنع من الصلاح والعمار ، ومن الرفعة والطهارة ، مما لم يسبق ولم يلحق فى تاريخ بنى الإنسان …

والصفحة الأخرى للإيجابية فى التصور الإسلامى هى إيجابية الإنسان فى الكون . وإيجابة المؤمن بهذه العقيدة فى واقع الحياة على وجه خاص .

إن هذا التصور ما يكاد يستقر فى الضمير ، حتى يتحرك ليحقق مدلوله فى صورة عملية ، وليترجم ذاته ، فى حاله واقعية . والمؤمن بهذا الدين ما يكاد الإيمان يستقر فى ضميره حتى يحس أنه قوة فاعلة مؤثرة . فاعلة فى ذات نفسه ، وفى الكون من حوله .

إن التصور الإسلامى ليس تصورا سلبيا يعيش فى عالم الضمير . قانعا بوجوده هناك فى صورة مثالية نظرية ! أو تصوفية روحانية ! إنما هو تصميم لواقع مطلوب مطلوب إنشاؤه ، وفق هذا ا لتصميم . وطالما هذا الواقع لم يوجد فلا قيمة لذلك التصميم فى ذاته ، إلا باعتباره حافزا لا يهدأ لتحقيق ذاته .

هذا ما يثيره التصور الإسلامى فى شعور المسلم … ومن ثم يجد دائما هاتفا ملحا فى أعماقه ، يهيب به إلى تحقيق هذا التصور فى دنيا الواقع ، ويؤرقه ، حتى يهب للعمل ، ويفرغ طاقته الإيمانية كلها فى هذا العمل الإيجابى البناء . وفى إنشاء واقع تتمثل فيه هذه العقيدة فى حياة الناس .

وحيثما ذكر الإيمان فى القرآن أو ذكر المؤمنون ، ذكر العمل ، الذى هو الترجمة الواقعية للإيمان . فليس الأمر مجرد مشاعر . إنما هو مشاعر تُفرغ فى حركة ، لإنشاء واقع ، وفق التصميم الإسلامى للحياة ، أو وفق التصور الإسلامى للحياة ..

إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله – ثم لم يرتابوا – وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم فى سبيل الله . أولئك هم الصادقون .

وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ .

كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله .

فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ .

وَالْعَصْرِ(1)إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ(2)إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ(3) .

فليس هنالك إيمان هو مجرد مشاعر فى الوجدان ، أو تصورات فى الذهن . لا ترجمة لها فى واقع الحياة . وليس هنالك إيمان هو مجرد شعائر تعدبية ، ليس معها عمل يكيف منهج الحياة ويخضعه لشريعه الله(1) .

ثم يحس المسلم – من وحى تصوره الإسلامى أنه – شخصيا – مطالب بأداء لهذا الدين ، لا يستريح ضميره ، ولا يطمئن باله ، ولا يستشعر أنه أدى حق نعمة الله عليه بالإسلام . وأنه يطمع – من ثم – فى النجاة من عذاب الله فى الدنيا والآخرة … إلا أن يؤدى هذه الشهادة كاملة ، بكل تكاليفها فى النفس والجهد والماء (2) .

وكذلك جعلناكم أمة وسطا ، لتكونوا شهداء على الناس ، ويكون الرسول عليكم شهيدا .

ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله ؟ .

وهو يؤدى هذه الشهادة .. أولا .. فى ذات نفسه : بأن يطابق بين واقع حياته الشخصية ، فى كل جزئية من جزيئات نشاطه ، وبين مقتضيات التصور الذى يقوم عليه اعتقاده . فليست هنالك حركة واحدة من حركات حياته ، إلا وهو مطالب بأن يشهد فيها لهذا الدين . شهادة علمية . لا شهادة اللسان وحده ، ولا شهادة القلب معه كذلك . ولكن شهادة العمل المصدق للإيمان ، المجسم للعيان ، المنشئ لآثارة فى عالم الواقع وفى دنيا الناس .

وهو يؤديها – ثانية – فى دعوة الآخرين إلى هذا المنهج ، وبيانه لهم . مسوقا فى هذه الدعوة وهذا البيان بدوافع كثيرة أولها : دافع أداء الشهادة لينجو من الله ، وليؤدى حق نعمته عليه بهدايته إلى الإسلام .. وثانيها : حب الخير للناس ، وهدايتهم إلى هذا الخير الذى هُدى هو إليه ، والذى لا يحتجنه لنفسه ، ولا لأسرته ، ولا لعشيرته ، ولا لقومه ، ولا لجنسه . لأنه يتعلم من هذا التصور ذاته أن البشر كلهم إخوة ..

وثالثها : شعوره بأن تبعة ضلال الناس – إذا ضلوا – إنما تقع على عاتقه هو ، مالم يبين لهم – بعد ما عرف وتبين – وهى تبعة ثقيلة تنوء بضميره ، وتنوء بكاهله ، وقد علم أنها تبعة الرسل – صلوات الله وسلامه عليهم – وأنه هو مستخلف فيها عن الرسل ، ومسئول عنها بعدهم .

رسلا مبشرين ومنذرين ، لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل .

وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا .

وهو يؤديها .. أخيرا .. بالعمل على تحقيق منهج الله فى حياة الناس ، وإقامة النظام الذى ينبثق من ذلك التصور ، وإقامة حياة الجماعة الإنسانية على أساس هذا النظام . باعتبار أن هذا التصور هو تصميم لعالم واقعى ، يراد إخراجه وتحقيقه ، ليتحقق وجود الإسلام فى الأرض ، ولتخلص الألوهية لله ، إذ لا وجود للإسلام بدون قيام مجتمع يعيش بهذا النظام ، ويعترف لله وحده بالألوهية ، فلا يتلقى فى منهج حياته الأساسى إلا من الله . ثم ليستحق المسلمون نصر الله وتأييده الذى وعدهم إياه . وشرط له شرطا واضحا لا عوج فيه :

ولينصرن الله من ينصره ، إن الله لقوى عزيز . الذين إن مكناهم فى الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة ، وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ، ولله عاقبة الأمور .

وفى طبيعة التصور الإسلامى ذاته ما يحفز الإنسان لمحاولة الإيجابية ، لتحقيق هذا المنهج فى صورة واقعية . فالمسلم يعرف – من تصوره الإسلامى – أن الإنسان قوة إيجابية فاعلة فى هذه الأرض ، وأنه ليس عاملا سلبيا فى نظامها فهو مخلوق ابتداء ليستخلف فيها . وهو مستخلف فيها ليحقق منهج الله فى صورته الواقعية : لينشئ ويعمر ، وليغير ويطور ، وليصلح ، وينمى . وهو معان على هذه الخلافة : معان من الله سبحانه بجعل النواميس الكونية وطبيعة الكون الذى يعيش فيه معاونة له .

هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ(10) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ(11)وَسَخَّرَ لَكُمْ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ(12)وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ(13)وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ(14)وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ(15)وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ .

وهو مُعان من الله كذلك بما وهبه من القوى والاستعدادات الذاتية ، وهو يكلفه أمر الخلافه :

والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا ، وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون .

وشرط هذه الخلافة عند المسلم معروف :

قلنا اهبطوا منها جميعا . فأما يأتينكم منى هدى ، فمن تبع هداى فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون . والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون .

وشعوره بأنه مكلف بالعمل ، ومعانّ عليه ، ينفى عنه الشعور بالسلبية فى نظام هذا الكون – سواء بالقياس إلى القوى الكونية ، أو بالقياس إلى قدر الله تعالى – فهنالك الاستعدادات الذاتية الموهوبة له ، وهناك تسخير القوى الكونية لمساعدته ، وهناك التوازن بين مشيئة الله المطلقة وحركة الإنسان الإيجابية . كما أسلفنا .

وانتفاء الشعور بالسلبية يهيئه للحركة والتأثير والفاعلية غير ان الإسلام لا يكتفي بان يدفع عن المسلم الشعور بالسلبية . بل هو يمده بدوافع الحركة الإيجابية كذلك . إذ يعلمه أن قدر الله ينفذ فيه والأرض من حوله ، عن طريق حركته هو ذاته :

إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم .

قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ، ويخزهم وينصركم عليهم ، ويشف صدور قوم مؤمنين ، ويذهب غيظ قلوبهم ويتوب الله على من يشاء ، والله عليم حكيم .

لئن لم ينته المنافقون والذين فى قلوبهم مرض والمرجفون فى المدينة لنغرينك بهم ، ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا .

ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين .

ظهر الفساد فى البر والبحر بما كسبت أيدى الناس ، ليذيقهم بعض الذى عملوا ، لعلهم يرجعون .

كما يعلمه أن الله لا يرضى منه بالشعور فى الضمير ، والكلمة على اللسان . ولا يدعه حتى يترجم ذلك فى حياته واقعا ، يحاسبه عليه ، ويجازيه بحسبه .. حتى الهدى من الله إنما يناله جزاء على الجهد فيه :

والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا ، وإن الله لمع المحسنين .

أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ، ولمّا يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين .

وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون . وستردون إلى عالم الغيب والشهادة بما كنتم تعلمون .

بهذا كله يستشعر المسلم أن وجوده على الأرض ليس فلتة عابرة ، إنما هو قدر مقدور ، مرسوم له طريقه ووجهته وغاية وجوده … وأن وجوده على الأرض يقتضيه حركة وعملا إيجابيا ، فى ذات نفسه . وفى الآخرين من حوله . وفى هذه الأرض التى هو مستخلف فيها ، وفى هذا الكون المحسوب حسابه فى تصميمه … وأنه لا يبلغ شكر نعمة الله عليه بالوجود ، ونعمه الله عليه بالإيمان ، ولا يطمع فى النجاة من حساب الله وعذابه ، إلا بأن يؤدى دوره الإيجابى فى خلافة الأرض ، وفق شرط الله ومنهجه ، وتطبيق هذا المنهج فى حياته وفى حياة غيره ، والجهاد لدفع الفساد عن هذه الأرض التى هو قيم عليها والفساد فى الأرض إنما ينشأ عن عدم تطبيق منهج الله فى عالم الواقع ، ودنيا الناس ، حياة الجماعات – وأن وزر هذا الفساد – حين يقع – واقع على عاتقه هو، ما لم يؤد الشهادة لله فى نفسه ، وفى غيره ، وفى الأرض كلها من حوله .

وتصور المسلم للأمر على هذا النحو ، لا جرم يرفع من قيمته فى نظر نفسه كما يرفع من اهتماماته . بقدر ما يشعره بضخامة التبعة الملقاة على عاتقه، وبثقل العبء الذى يحمله ، ويكدح فيه حتى يلاقى الله ربه ، وقد أدى الأمانة ، وأدى الشهادة ووفى بحق النعمة – فيما يملك من الطاقة – وطمع فى النجاة من عذاب الله ، وزحزح عن النار .

الواقعية

القسم الأول

||قل :سبحان ربي هل كنت إلا بشراً رسولاً \\

والخاصية السادسة من خواص التصور الإسلامي هي . الواقعية(1) . فهو تصور بتعامل مع الحقائق الموضوعية ، ذات الوجود الحقيقي المستقين ، والأثر الواقعي الإيجابي . لا مع تصورات عقلية مجردة ، ولا مع مثاليات لا مقابل لها في عالم الواقع، أو لا وجود لها في عالم الواقع .

ثم إن التصميم الذي يضعه للحياة البشرية يحمل طابع الواقعية كذلك ، لأنه قابل للتحقيق الواقعي في الحياة الإنسانية .

ولكنها في الوقت ذاته واقعية مثالية ، أو مثالية واقعية ، لأنها تهدف إلى أرفع مستوى وأكمل نموذج ، تملك البشرية أن تصعد إليه .

وسنحاول هنا شرح هذين الملولين من مدلولوت الواقعية ، في التصور الإسلامي :

إنه يتعامل مع الحقائق الموضوعية . ذات الوجود الحقيقي المستقين ، والأثر الواقعي الإيجابي ..

يتعامل مع الحقيقة الإلهية ، متمثلة في آثارها الإيجابية ، وفاعليتها الواقعية .. ويتعامل مع الحقيقة الكونية ، متمثلة في مشاهدها المحسوسة ، المؤثرة . أو المتأثرة ..

ويتعامل مع الحقيقة الإنسانية ، متمثلة في الأناسى كما هم في عالم الواقع .. الإله الذي يتعامل معه هذا التصور هو الله المتفرد بالألوهية ، وبكل خصائص الألوهية . ولكن الخصائص كلها من عالم الواقع ، ذات أثر في عالم الواقع ، يمكن إدراك آثارها الواقعية ، ولا يضرب العقل البشري في التيه ليتمثلها على هواه ، في سلسلة من القضايا المنطقية المجردة – على طريقة الميتا فيزيقا بصفة عامة – ولكنها تتمثل في آثاره – سبحانه – في هذا الكون .. فالألوهية وخصائصها واقعية الأثر في هذا الكون . والإدراك البشرى يحال إلى هذه الآثار الواقعية ، ليرى فيها خصائص الألوهية ، ممثلة في الصنعة الإلهية :

فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ(17)وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ(18)يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنْ الْحَيِّ وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ(19)وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ(20) وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ(21)وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ(22)وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ(23)وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمْ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِ بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ(24)وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنْ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ(25)وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ(26)وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ

، قد فصلنا إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنْ الْحَيِّ ذَلِكُمْ اللَّهُ فَأَنَّا تُؤْفَكُونَ(95)فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ(96)وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ(97)وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ(98)وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنْ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ(99)وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ(100) بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ(101)ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ(102)لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ

قُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى أَاللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ(59)أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ(60)أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ(61) أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ(62)أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ(63)أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ

فاطر السماوات والأرض ، وجعل لكم من أنفسكم أزواجاً ، ومن الأنعام أزواجاً ، يذرؤكم فيه ، ليس كمثله شىء . وهو السميع البصير . له مقاليد السماوات والأرض ، يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ، إنه بكل شىء عليم

إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ، ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده

وهكذا يتعامل التصور الإسلامي مع إله موجود، يدل خلقه على وجوده ، مريد . فعال لما يريد تدل حركة هذا الكون وما يجرى فيه على إرادته وقدرته .

ومن ثم يفترق تصور الإله افتراقاً رئيسياً عنه في تصورات أفلاطون وأرسطو وأفلوطين . حيث تتعامل مع إله مثالى يفرضون هم عليه مثالية من صنع عقولهم ، ومن تصورات أحلامهم . وهو إله لا إرادة له ولا عمل . لأن هذا من مقتضى كماله ـ أو مثاليته ! ثم يضطرهم هذا الافتراض إلى افتراض وسائط شتى بين الآله والخلائق وإلى تصورات وثنية واسطورية كالتي كانت سائده في الوثنية الإغريقية :

فالوجود في مذهب أفلاطون طبقتان متقابلتان : طبقة العقل المطلق ، وطبقة المادة الأولية أو الهيولى HYLe والقدرة كلها من العقل المطلق ، والعجز كله من الهيولى .. وبين ذلك كائنات على درجات ، تعلو بمقدار ما تأخذ من العقل ، وتسفل بمقدار ما تأخذ من الهيولى .

وهذه الكائنات المتوسطة ، بعضها أرباب ، وبعضها أنصاف أرباب ، وبعضها نفوس بشرية . وقد ارتضى أفلاطون وجود تلك الأرباب المتوسطة ، ليعلل بها ما في العالم من شر ونقص وألم ، فإن العقل المطلق كمال لا يحده الزمان والمكان ، ولا يصدر عنه إلا الخير والفضيلة . فهذه الأرباب الوسطى هي التي تولت الخلق ، لتوسطها بين الإله القادر والهيولى العاجزة .. فجاء النقص والشر والألم من هذا التوسط بين الطرفين .

وكل هذه لمظاهر المادية بطلان وخداع ، لأنها تتغير وتتلون وتتراءى للحس على أشكال وأوضاع لا تصمد على حال

وإنما الصمود والدوام للعقل المجرد دون غيره . وفي العقل المجرد تستقر الموجودات الصحائح أو المثل كما سميت في الكتب العربية . وهي كالعقل المجرد خالدة دائمة . لا تقبل النقص ولا يعرض لها الفساد .

وهذه الصحائح هي المثل العليا لكل موجود يتلبس بالمادة أو الهيولى . فكل شجرة مثلاً فيها صفة أو صفات ناقصة من نعوت الشجرية . فأين هي الشجرة التي لا نقص فيها ؟ هي في عقل الله منذ القدم . وكل تلبس بالمادة من خصائص الشجرية ، فهو محاكاة لذلك المثل الأعلى (1)

والله عند أرسطو هو العلة الأولى ، أو المحرك الأول

فلا بد لهذه المتحركات من محرك ، ولا بد للمحرك من محرك آخر متقدم عليه . وهكذا حتى ينتهى العقل إلى محرك بذاته ، أو محرك لا يتحرك ، لأن العقل لا يقبل التسلسل في الماضى إلى غير نهاية.

وهذا المحرك الذي لا يتحرك لا بد أن يكون سرمداً ، لا أول له ولا آخر ، وان يكون كاملاً منزهاً عن النقص والتركيب والتعدد ، وأن يكون مستغنياً بوجوده عن كل موجود .

وهذا المحرك سابق للعالم في وجوده ، سبق العلة لا سبق الزمان ، كما تسبق المقدمات نتائجها في العقل ، ولكنها لا تسبقها في الترتيب الزمنى .لان الزمان حركة العالم ، فهو لا يسبقه . أو كما قال : لا يخلق العالم في زمان

وعلى هذا يقول أرسطو بقدم العالم على سبيل الترجيح الذي يقارب اليقين . إلا أنه يقرر في كتاب الجدل أن قدم مسألة لا تثبت بالبرهان .

وإجمال براهينه في هذه القضية : أن إحداث العالم يستلزم تغييراً في إرادة الله . وال منزه عن الغير . فهو إذا أحدث العالم ، فإنما يحدثه ليبقى – جل جلاله – كما كان . أو يحدثه لما هو أفضل . أو يحدثه لما هو مفضول . وكل هذه الفروض بعيدة عما يتصور أرسطو في حق الله . فإذا حدث العالم وبقى الله كما كان ، فذلك عبث . والله منزه عن العبث . وإذا أحدثه ليصبح أفضل مما كان ، فلا محل للزيادة على كماله . وإذا أحدثه ليصبح مفضولاً ، فذلك نقص يتنزه عنه الكمال !

وإذا كانت إرادة الله قديمة لا تتغير ، فوجود العالم ينبغي أن يكون قديماً كإرادة الله . لان إرادة الله هي علة وجود العلم . وليست العلة مفتقرة إلى سبب خارج عنها ، فلا موجب إذن لتأخر المعلول عن علته ، أو لتأخر الموجودان عن سببها الذي لا سبب غيره .

فالإنسان يجوز أن يريد اليوم شيئاً يتأخر إنجازه ، انقص الوسيلة ، أو لعارض طارئ ، أو لعدول عن الإرادة . وكل ذلك ممتنع في حق الله !

وقد أفرط أرسطو في هذا القياس ، حتى قال : إن الله – جل وعلا – لا يعلم الموجودات ، لأنها أقل من أن يعلمها . وإنما يعقل الله أفضل المعقولات . وليس أفضل من ذاته ، فهو يعقل ذاته ، وهو العاقل والعقل والمعقول . وذلك أفضل ما يكون . (1) .

وقد بلغ أفلوطين غاية المدى في تنزيه الله . فالله عنده فوق الأشباه وفوق الصفات ، ولا يمكن الإخبار عنه بمحمول يطابق ذلك الموضوع .

بل هو عنده فوق الوجود !

وليس معنى ذلك أنه غير موجود ، أو أنه عدم – لان العدم دون الوجود وليس فوق الوجود _ وإنما معناه أن حقيقة وجوده لا تقاس إلى الجواهر الموجودة ، ولا تدخل معها في جنس واحد ، ولا تعريف واحد . فهو أحد(1) بغير نظير في وجوده ، ولا صفاته ، ولا في كل منسوب إليه .

ويغلو أفلوطين أحياناً فيقول : إن الله لا يشعر بذاته . لأنه لا يميز ذاته من ذاته فيعرفها . ولكنه لصفاء وجوده يتنزه عن ذلك التمييز ، ويتنزه عن ذلك الشعور . (2)

وهكذا نجد في هذه التصورات ، وهب أعلى ما وصل إليه الفكر البشرى ! إلهاً لا وجود له في عالم الحقيقة والواقع ! لان صفاته وخصائصه منتزعة من فروض عقلية مجردة ، لا من النظر في واقع الوجود ، ما يوحى به من صفات الخالق لهذا الوجود . ولا من الوحى الذي يصف الله – سبحانه- كما هو في الحقيقة !

ومن ثم تشتط هذه التصورات في مثالية لا رصيد لها في الواقع . لأنها لم تؤخذ من الواقع . إنما أخذت من التجريد العقلى . والفروض العقلية . وتنتهى هذه المثالية إلى نقص وعجز في تصور الكمال الإلهى – كما نرى من المقتبسات السابقة – في الوقت الذي تريد أن تبالغ في تقرير هذا الكمال .

وحين تقاس هذه المحاولات إلى التصور الإسلامي ، يتبين معنى الواقعيةالتي تعنيها . فالحقيقة الإلهية في التصور الإسلامي ، حقيقة فاعلة في هذا الوجود ، وتلتمس خصائصها وصفاتها في آثارها الواقعية في هذا الوجود . وهذا ما يفصله القرآن الكريم وهو يصف الحقيقة الإلهية للناس ، وهو يعرفهم بربهم تعريفاً بربهم تعريفاً يسيراً عميقاً واضحاً ، وهو يستشهد بواقع الكون وواقع الناس ، في منطق واقعي جميل .

بمثل هذه الواقعية يواجه التصور الإسلامي الكون .. فهو يتعامل مع هذا الكون الواقعي الممثل في أجرام وأبعاد . وأشكال وأوضاع ، وحركات وآثار وقوى وطاقات لامع الكون الذي هو فكرة مجردة عن الشكل والقالب . أو الكون الذي هو إرادة ممثلة في شكل وقالب . ولامع الكون الذي هو هيولىومادة أولية غير مشكلة ، أو الكون الذي هو صورة أو مثال في العقل المطلق ! أو الكون الذي هو الطليعة الخالقة ! التي تطبع الحقائق في العقل البشرى ! ولامع الكون الذي هو عدم أو شبيه بالعدم .. إلى آخر هذه الأسماء ، التي ليس لها مدلول واقعي يتعامل معه الإنسان

الكون هو هذا الخلق ذو الوجود الخارجي الذي يدركه الإنسان ، ويوجه إليه قلبه وعقله في القرآن . هو هذه السماوات والأرض . هذه النجوم والكواكب ..هذه الكائنات الميتة والحية . والظواهر الكونية هي هذه الحياة وهذا الموت . وهذا الليل وهذا النهار . وهذا النور وهذا الظلام . وهذا المطر والبرق والرعد .. وهذا الظل وهذا الحرور . وهذه الأحوال والأطوار ذات الوجود الحقيقي ، وذات الآثار الحقيقية .

وحين يوجه الإسلام الإدراك الإنساني إلى هذا الكون .. كدليل على وجود خالقه ووحدانيته ، وقدرته وإرادته ، وهيمنته وتدبيره ، وعلمه وتقديره .. فإنه يوجهه إلى هذا الكون ذى الكينونة الواقعية ، والآثار الواقعية .. ولا يوجهه إلى كون هو فكرةمضمرة، أو إرادة منفذة ، ولا يوجهه إلى كون هو صورة في عقل الإله ، أو هيولى تعارض تلك الصورة ، أو تشوها عندما تتلبس بها ! ولا يوجهه إلى كون هو من صنع العقل ، أو إلى كون هو صانع العقل .. إلى آخر هذه التصورات البحتة التي تتعامل مع نفسها ، ولا تتعامل مع الواقع الكوني إطلاقاً !

الكون في التصور الإسلامي هو هذه الخلائق التي أبدعها الله ، وقال لها : كونى فكانت ، والتي نسفها الله بحيث لا تتعارض ولا تتصادم ، والتي هي خاضعة لله ، عابدة له ، مسخرة لأمره ، مؤدية لما أراده منها ، ولما سخرها له ، على أحسن وجه من الأداء :

الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض ، وجعل الظلمات والنور . ثم الذين كفروا بربهم يعدلون . .

إِنَّ رَبَّكُمْ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ(3)إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ(4)هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ(5) إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ

اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ(2)وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ(3)وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ

وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ(16)وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ(17)إِلَّا مَنْ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ(18)وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ(19)وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ(20)وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ(21)وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ(22)وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِ وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ.

والله جعل لكم مما خلق ظلالاً ، وجعل لكم من الجبال أكناناً

أَوَلَمْ يَرَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنْ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ(30)وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ(31)وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ

يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنْ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ(5) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(6)وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ

أَلَمْ تَرَى أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ(65)وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنسَانَ لَكَفُورٌ

وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنْ الْخَلْقِ غَافِلِينَ(17)وَأَنزَلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ(18)فَأَنشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ

أَلَمْ تَرَى أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنْ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ(27)وَمِنْ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ

أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ(6) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ(7)تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ(8)وَنَزَّلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ(9)وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ(10)رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ

تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(1)الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ(2)الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَانِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعْ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ(3)ثُمَّ ارْجِعْ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ(4) وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ ..

أَلَمْ تَرَى إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا(45)ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا(46) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا(47)وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنزَلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا(48)لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا

وهكذا يتعامل التصور الإسلامي مع كون له وجود واقعي . يختلف بطبيعة الحال عن وجود الله سبحانه . ولكنه وجود له خصائص مدركه من واقع هذا العالم ، وليست منتزعة من تصورات ذهنية مجردة ، ولا من دعاوى يمليها الهوى من غير دليل !

وتتضح واقعية هذا الكون في التصور الإسلامي ، حين نستعرض – على سبيل المثال – تصور البراهمية . واعتبارها أن الوجود الواحد و مجرد براهماً – الإله الأعظم – أما الكون المادي فهو عدم محض يقابل ذلك الوجود.. غير أن الوجود حل في العدم ومن ثم وجد الشر في العالم . لأن الوجود خير محض وكمال محض . أما العدم ، فهو شر محض أو نقص محض . خطة الإنسان للتخلص من الشر – وهو كل ما له جسم – تنحصر من هذا الجسم ، لكى يعود الوجودالذي فيه إلى وصفة المطلق . وينطلق من إسار هذا العدم الناقص الشرير الذي حل فيه !

كذلك تتضح واقعية الكون في التصور الإسلامى ، حين نراجع تصور أفلاطون لهذا الوجود المادي . وانه مجرد ظل لعام المثل . فالشجرة التي تراها هي ظل لمثال الشجرة المكنون في العقل المطلق ! وهو ناقص لا يمثل كمال المثال الذي هو في عقل الإله و النفس الكلية – التي هي من عالم المثل – هي الصلة بين الأشياء المثالية كما هي في العقل المطلق ، والأشياء الصورية ظلال المثل – غير الحقيقة – التي هي في عالم المادة ، الذي نلمسه ونراه !

وأفلوطين – كما تقدم – يرى أن هناك الأحد وهو الإله . وقد صدر عنه العقل وعن العقل صدرت الروح أو النفس الكلية وهذه أوجدت العالم المحسوس نيابة عن العقل !- وهذا العالم المحسوس أصله المادة . وهي أحط الموجودات . وهي ظلام ! وهي شر وفساد !

وحين توازن هذه التصورات المنتزعة من لا شيء ! إلا من خيالات العقل البشرى وتأويلاته ، دون تلبس بواقعيات هذا الكون وحقائقه الموضوعية .. حين توازن هذه التصورات بالتصور الإسلامي ، كما تمثله تلك النصوص القرآنية التي سردناها – ووراءها في القرآن كثير – يتبين معنى الواقعية الذي نعنيه في التصور الإسلامي .

القسم الثاني

كذلك يتعامل التصور الإسلامي مع الإنسان .. مع هذا الإنسان الواقعي ، الممثل في هؤلاء البشر كما هم ، بحقيقتهم الموجودة ! . مع هذا الإنسان ذى التركيب الخاص ، والكينونة الخاصة . الإنسان من لحم ودم وأعصاب . وعقل ونفس وروح ، الإنسان ذي النوازع والأشواق ، والرغائب والضرورات . الإنسان الذي يأكل الطعام ويمشي ففي الأسواق . ويحيا ويموت . ويبدأ وينتهي . ويؤثر ويتأثر .

ويجب ويكره . ويرجو ويخاف ، ويطمع وييأس . ويعلو وينحط . ويؤمن ويكفر . ويهتدى ويضل . ويعمر الأرض أو يفسد فيها ويقتل الحرث والنسل .. إلى آخر سمات الإنسان الواقعي ، وصفاته الميزة :

يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة ، وخلق منها زوجها ، وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء . واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام . إن الله كان عليكم رقيباً

يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى ، وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم ، إن الله عليم خبير ..

سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون

ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين . ثم جعلناه نطفة فى قرار مكين. ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة ، فخلقنا المضغة عظاماً . فكسونا العظام لحماً ، ثم أنشأناه خلقاً أخر ، فتبارك الله أحسن الخالقين.

هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً . إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعاً بصيراً . إنا هديناه السبيل إما شاكراً وإما كفوراً (الإنسان:1-3)

قتل الإنسان ! ما أكفره ! من أى شيء خلقه ؟ من نطقة خلقه فقدره . ثم السبيل يسره . ثم أماته فأقبره . ثم إذا شاء أنشره ..

وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعداً أو قائماً . فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا ضر مسه . كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون

وإذا أذقنا الناس رحمة من بعد ضراء مستهم إذا لهم مكر في آياتنا . قل الله أسرع مكراً . إن رسلنا يكتبون ما تمكرون ..

وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ(9)وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ(10) إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ

وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ(204)وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ(205)وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ(206) وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ

وهكذا يتعامل التصور الإسلامي مع الإنسان الذي هو كائن واقعي ، له خصائصه ، وله مشخصاته وله فاعليته وله انفعاله ، وله تأثره وله تأثيراته .. لا معنى مجرد ، أو فرض من الفروض لا رصيد له من الواقع .

إنه لا يتعامل مع الإنسانية كمعنى مجرد ، ولا يتخذها إلهاً يتوجه إليه بالعبادة(1) بينما هذا المعنى المجرد لا وجود له ، أو لا ضابط له ، في عالم الواقع .. ولا يتعامل مع العقل المطلق (2) ككائن مشخص ، لأن العقل المطلق ليست له كينونة واقعية . إنما هناك العقل المفرد ، في كل فرد على حدة . ومن ثم فليس هو الذي يخلق الكون أو يخلق الروح(3).

إنه يختلف عن المثالية العقلية التي تتعامل مع مقولات عقلية بحتة ، لا صلة لها بالموجودات المؤثرة والمتأثرة في الكون والحياة .

وفي الوقت نفسه يفترق عن الوضعية الحسية التي تتخذ من الطبيعة إلهاً يخلق العقل ! ويخلق المدركات العقلية ! فالله- في التصور الإسلامي – هو خالق الطبيعة وخالق الإنسان ! والعقل الإنساني يدرك نواميس الطبيعة، ويتعلم قوانينها ، ويتعرف إلى طاقاتها ومدخراتها ، ويؤثر فيها تأثيراً إيجابياً تأثراً حسياً وعقلياً .. في توازن واعتدال .

وكأنما كان الإسلام – بل هو كان – ينظر ما وراء القرون إلى هذه اللوثات التي ستصيب البشرية ، على أيدي الفلاسفة و المفكرين المحدثين .. من مثالية عقلية إلى وضعية حسية إلى مادية جدلية .. فصاغ تصوره في هذا التوازن العجيب . الشامل المتكامل . ليستقر منه الضمير البشرى على قرار ثابت . وليعود إليه الإدراك الفصل . ويجد عنده الهدى والنور في متاهات العقول والأهواء ؟

وصدق الله العظيم :

(إن هذا القرآن يهدى للتي هى أقوم)

( ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله ، وعمل صالحاً ، وقال إنني من المسلمين)

فأما المدلول الثاني للواقعية في التصور الإسلامي ، فيتعلق بطبيعة المنهج الذي يقدمه للحياة البشرية . وواقعية هذا المنهج ، مع طبيعة الإنسان ، وطبيعة الظروف التي تحيط بحياته في الكون ، ومدى طاقاته الواقعية الحقيقية :

إن الإنسان – في التصور الإسلامي – هو هذا الإنسان الذي نعهده . هذا الإنسان بقوته وضعفه . بنوازعه وأشواقه . بلحمه ودمه وأعصابه ، بجسمه وعقله وروحه . إنه ليس الإنسان كما يريده خيال جامح ، أو كما يتمناه حلم سابح مع قضايا ذهنية من قضايا المنطق الشكلى ! كما أنه ليس الإنسان الذي يضعه المنطق الوضعى في أسفل سافلين ، ويجعله مخلوقاً من مخلوقات هذه المادةالصماء أو من مخلوقات الاقتصاد!

إنه الإنسان الذي خلقه الله ليستخلفه في هذه الأرض ، فيقوم فيها بالخلافة الحركية الإيجابية ، التي تنشئ وتبدع في عالم المادة ما يتم به قدر الله في الأرض والأحياء والناس .

إنه الإنسان الواقعى كما أسلفنا . ومن ثم فإن المنهج الذي يرسمه له الإسلام منهج واقعي كذلك . منهج حركى . تنطبق حدوده على حدود طاقات الإنسان وتكوينه وواقعية لحمه ودمه وأعصابه ، وجسمه وعقله وروحه . الممتزجة في ذلك الكيان .

والمنهج الإسلامي للحياة – على كل رفعته ونظافته وربانيته ومثاليته – هو في الوقت ذاته منهج لهذا الإنسان – في حدود طاقاته الواقعية – ونظام لحياة هذا الكائن البشرى الذي يعيش على هذه الأرض . ويأكل الطعام ، ويمشى في الأسواق ، ويتزوج ويتناسل ويحب ويكره ، ويرجو ويخاف ، ويزاول كل خصائص الإنسان الواقعي كما خلقه الله

وهو يأخذ في اعتباره فطرة هذا الإنسان ، وطاقاته واستعداداته ، وفضائله ورذائله وقوته وضعفه . فلا يسوء ظنه بهذا الكائن ، ولا يحتقر دوره في الأرض ، ولا يهدر قيمته في صورة ما من صور حياته . كما أنه لا يرفع هذا الإنسان إلى مقام الألوهية ، ولا يخلع عليه شيئاً من خصائصها . كذلك لا يتصوره ملكاً نورانياً شفيفاً لا يتلبس بمقتضيات التكوين المادي ، ومن ثم لا يستقذر دوافع فطرته بمقتضيات هذا التكوين الفطرى .

ومع اعتبار المنهج الإسلامي لإنسانية الإنسان من جميع الوجوه فهو وحده الذي يملك أن يصل به إلى أرفع مستوى ، واكمل وضع ، يبلغ إليه الإنسان ، في أى زمان وفي أى مكان .

وليس هنا مكان تفصيل هذه الحقيقة . فسيجىء موضعها في القسم الثاني من هذا البحث عند الكلام عن حقيقة الإنسان .. فنكتفي هنا بهذا القدر . لنخلص منه إلى بعض النصوص ، التي تصور واقعية المنهج الإسلامي ، وانطباقها على واقعية الكائن الإنساني ، مع الهتاف له دائماً بالرفعة والطهارة ، وبلوغ أقصى كما له المقدر له في حدود فطرته .

(وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا(7)أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا(8)انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا(9)تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا (

(وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنْ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا(90)أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا(91) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا(92)أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُه قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا؟)

(لا يكلف الله نفساً إلا وسعها ، لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت )..

(وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمْ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ(222)نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرْ الْمُؤْمِنِينَ)

(وعسى أن تكرهوا شىء وهو خير لكم ، وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم ، والله يعلم وأنتم لا تعلمون ( . . .

(زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنْ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ(14)قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ)

(وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ(133)الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ(134)وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ(135)أُوْلَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ )

(الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا)

(فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا(74) وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا(75)الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا)

(يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله ، شهداء بالقسط ، ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا . اعدلوا هو أقرب للتقوى ، واتقوا الله ، إن الله خبير بما تعملون )

(فَإِذَا جَاءَتْهُمْ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ(131)وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ(132) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ(133)وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمْ الرِّجْزُ قَالُوا يَامُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ)

وكلما مضينا هكذا مع النصوص القرآنية التي تقرر تكاليف الحياة الإسلامية ، وتضع حدود المنهج الإسلامى للحياة ، لا حظنا الواقعية في هذا المنهج وانطباقها على واقعية الفطرة الإنسانية ، وحدود طاقاتها الموهوبة لها ، وحدود الاستعدادات المهيأة للعمل والنشاط . بحيث لا تكبت طاقة واحدة ، ولا تكف عن العمل وبحيث لا تكلف كذلك أكبر من وسعها ولا تكلف ما ليس من طبعها وفطرتها . وتتجلى هذه الواقعية بوضوح حين ننظر مثلاً فيما تتطلبه العقيدة البراهمية من معتنقيها وحين نراها تطلب إليهم الكف عن كل ما ينمى أو يصون تكوينهم الجسدى ، وذلك كى تسارع أرواحهم في الانطلاق من قيد الجسد ، والخلاص من هذا العدم المظلم الناقص الشرير ، والعودة إلى الوجود الكامل الخير المنير !

كذلك حين ننظر إلى التصورات الكنيسة التي اصطبغت بها النصرانية ، ونراها تعامل التكوين الإنساني – المؤلف من المادة والروح – في حالة ازدواج مركب كامل – انفصال عالم الروح عن عالم الجسد ، وفي استقذار كل ما هو جسدى على الإطلاق . فضلاً على تكليف الإنسان ما لا يطاق .. على سبيل المثال ، معاشرة زوجة لا يطيق عشرتها . أو الانفصال عنها – دون كلمة طلاق- مع عدم معاشرة زوجة لأخرى بعدها ! .. وغير هذا كثير في التصورات الكنسية ، التي تصادم فطرة الإنسان وتكوينه الواقعى !

إن الإسلام دين للواقع . دين للحياة . دين للحركة . دين للعمل والنتاج والنماء دين تطابق تكاليفه للإنسان فطرة هذا الإنسان . بحيث تعمل جميع الطاقات الإنسانية عملها الذي خلقت من أجله . وفي الوقت ذاته يبلغ الإنسان أقصى كماله الإنساني المقدر له ، عن طريق العمل والحركة ، وتلبية الطاقات والأشواق ، لا كبتها أو كفها عن العمل ، ولا إهدار قيمتها واستقذار دوافعها..

ومن ثم تتحقق صفة الواقعية للمنهج الإسلامي الموضوع للحياة البشرية ، تحققها للتصور الإسلامي ذاته عن الله والكون والحياة والإنسان . ويتطابق التصور الاعتقادى والنهج العملى في هذا الدين تطابقاً لا تفاوت فيه .

ومن ثم ينطلق الإنسان بكل طاقاته ، يعمر في هذه الأرض ويغير ، وينمى في موجوداتها ويطور ، ويبدع في عالم المادة ما شاء الله له أن يبدع . لا يقف في وجهه حاجز من التصور الاعتقادى ، ولا من المنهج العملى . فكلاهما واقعىمطابق لواقعية الكينونة الإنسانية وللظروف الحقيقية المحيطة بها في هذا الكون من حولها . وكلاهما صادر من الجهة التي صدر عنها الإنسان ، والتي زودته بطاقاته واستعداداته .

ومن ثم يتسنى للإنسان ، المؤمن بهذه العقيدة ، المدرك لحقيقة التصور الإسلامي ، وللمنهج الإسلامي المنبثق منه ، أن ينشىء من الآثار الواقعية في هذه الأرض ، وأن يحقق من الإبداع المادى فيها ، وفاق ما ينشئه من الصلاح الأخلاقى ، وكفاء ما يحققه من الرفعة والتطهر . في تناسق وتوازن وشمول وإيجابية وواقعية :

) فطرة الله التي فطر الناس عليها . لا تبديل لخلق الله . ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) (الروم : 30)

التوحيد

القسم الأول

وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فأعبدون

التوحيد هو المقوم الأول للتصور الإسلامى ، بما أنه هو الحقيقة الأساسية العقيدة الإسلامية ، ولكنه كذلك هو إحدى خصائص هذا التصور ، بما أن التصور الإسلامي يتفرد بهذه الصورة الخالصة من التوحيد ، من بين سائر التصورات الاعتقادية والفلسفية السائدة في الأرض جميعاً .. وبهذا الاعتبار نتحدث هنا عن التوحيد ضمن خصائص التصور الإسلامي كما سنتحدث عنه في القسم الثاني من هذا البحث ، ضمن مقومات التصور الإسلامي ..

نتحدث عنه هنا ضمن الخصائص ، لنبين نوع تفرد التصور الإسلامي بهذه الخاصية ، من بين سائر التصورات الاعتقادية والفلسفية السائدة في جنبات الأرض .

ونبادر فتقرر أن التوحيد كان هو الخاصية البارزة في كل دين جاء به من عند الله رسول. كما أنه كان المقوم الأول في دين الله كله .. وأن الإسلام – على إطلاقه – كان هو الدين الذي جاء به كل رسول . بما أن الدين هو إسلام الوجه لله وحده ، واتباع منهج الله _وحده- في كل شؤون الحياة ، والتلقى من الله – وحده- في هذه الشؤون كلها ، والعبودية لله وحده بطاعة منهجه وشريعته ونظامه ، والعبادة لله وحده سواء في الشعائر التعبدية أو في نظام الحياة الواقعية .. ولكن التحريفات والانحرافات التي وقعت في تصورات أتباع الرسل ، إلى جانب طغيان الجاهليات على الديانات ، لم تبق في الأرض كلها من تصور دينى صحيح ، إلا التصور الذي جاء به محمد – صلى الله عليه وسلم – وحفظ الله أصوله ، فلم تمتد إليها يد التحريف ولم تمسها كذل الجاهليات التي طغت على حياة الناس .. ومن ثم أصبح التوحيد خاصية من خصائص هذا الدين .

هنالك اعتبار آخر يجعل من حقنا أن نقرر هذه الحقيقة .. حقيقة أن التوحيد خاصية لهذا التصور . وهو المساحة التي تشملها حقيقة التوحيد في العقيدة الإسلامية ، والجوانب التي تمتد إليها في هذا التصور ، وفيما يقوم على هذا التصور من مشاعر وأخلاق وسلوك وتنظيم لجوانب الحياة الواقعية .. فقد امتدت هذه الحقيقة إلى تصور المسلم للكون كله ، وتصوره لحقيقة القوة الفاعلة فيه ، وتصوره لحقيقة القوة الفاعلة في حياته هو بحذافيرها . كما امتدت إلى تنظيم جوانب الحياة الإنسانية كلها : خافيها وظاهرها . صغيرها وكبيرها . حقيرها وجليلها . شعائرها وشرائعها . اعتقاديها وعمليها .فرديها وجماعيها. دنيويها وأخرويها .. بحيث لا تفلت ذرة واحدة منها من عقيدة التوحيد الشاملة .. كما سبق أن بينا في خاصية الشمول .. وكما سنبين بالتفصيل في القسم الثاني من هذا البحث عند الكلام عن حقيقة الألوهية .

يقوم التصور الإسلامى على أساس أن هناك ألوهية وعبودية .. ألوهية يتفرد بها الله سبحانه وعبودية يشترك فيها كل عداه وكل ما عداه .. وكما يتفرد اله- سبحانه – بالألوهية ، كذلك يتفرد –تبعا ًلهذا- بكل خصائص الألوهية .. وكما يشترك كل حي وكل شيء-بعد ذلك- في العبودية ، كذلك يتجرد كل حى وكل شيء من خصائص الألوهية .. فهناك إذن وجودان متميزان . وجود الله ووجود ما عداه من عبيد الله . والعلاقة بين الوجودين هي علاقة الخالق بالمخلوق ، والإله بالعبيد ..

هذه هي القاعدة الأولى في التصور الإسلامي .. ومنها تبثق وعليها تقوم سائر القواعد الأخرى . وقيام التصور الإسلامي على هذه القاعدة الأساسية هو الذي يجعلها إحدى خصائصه كما أسلفنا .

ولقد سبق القول بأن التوحيد كان هو قاعدة كل ديانة جاء بها من عند الله رسول . والقرآن الكريم يقرر هذه الحقيقة ، ويؤكدها ، ويكررها في قصة كل رسول ، كما يقررها إجمالاً على وجه القطع واليقين :

)لقد أرسلنا نوحاً إلى قومه فقال : يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ، إنى أخاف عليكم عذاب يوم عظيم )

(وإلى عاد أخاهم هودا . قال : يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون ؟)

(وإلى ثمود أخاهم صالحاً . قال : يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ، قد جاءتكم بينة من ربكم ..)

( وإلى مدين أخاهم شعيباً . قال: يا قوم اعبدوا الله مالكم إله غيره ، قد جاءتكم بينة من ربكم )

(وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى(9) إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى(10)فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي يَامُوسَى(11)إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِي الْمُقَدَّسِ طُوًى(12)وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى(13)إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمْ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي)

(وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ(116)مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنْ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ(117)إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ )

ولكن هذا التوحيد الذي جاء به الرسل جميعاً ، حرف ودخلت فيه الأساطير في شتى المعتقدات . سواء في الديانات التي تنسب إلى السماء ، أو في الوثنيات التي اختلطت فيها يقايا الديانات السماوية بالأساطير في شتى الأزمان . والتي ذكرنا طرفاً منها في فصل تيه وركام .. وأطرافاً أخرى في بعض الفصول السابقة من هذا البحث .

ولكى ندرك حقيقة أن التوحيد خاصية من خصائص التصور الإسلامي – وقبل أن نعرض المساحة التي تشغلها حقيقة التوحيد في هذا التصور – يحسن أن نلم ببعض التصورات الأخرى فيما يختص بتصور الألوهية والعبودية .. وبخاصة بعض التصورات التي اشتملت على تصور وجودين متميزين ، أو على نوع من التوحيد للإله :

الهندوكية مثلاً اعترفت بواحد هو وحده الموجود وهو براهما وجعلت من صفاته : التفرد بالكمال ، والتفرد بالخير ، والتفرد بالدوام، والتفرد بالأزلية ..

وجعلت ما عدا هذا الواحد الموجود عدماً لا وجود له .. فهذه الأكوان وما فيها عدم !

ولكنها من جانب آخر جعلت الوجود الذي هو الخير والكمال يحل في العدم الذي هو الشر والنقص .. فبراهما حال في كل جزء من أجزاء هذا العالم – الذي هو عدم – فكل جزء من أجزاء هذا العالم – بما في ذلك الإنسان – مؤلف إذن من وجود وعدم . من خير وشر. من كمال ونقص . من بقاء وفناء !

ومهمة الهندوكى المؤمن إذن هي المحاولة المستمرة لتخليص الوجود والخير والكمال والبقاء الذي في كيانه ، من العدم والشر والنقص والفناء ، ليصير براهماً .. ومن هنا حرصه على إفناء جسمه – الذي هو العدم – لينطلق الوجود الحال فيه ، ويصبح طليقاً .. وهذه هي درجة النرفانا وهي تمثل الخلاص والعودة براهما !

ومع ذلك فقد شاب هذا التوحيد – على ما به من حلول – شائبة من التثليث .. إذا اعتبر براهما صورة من ثلاث للإله الواحد : الإله براهما في صورة الخالق . والإله فشنو في صورة الحافظ . والإله سيفاً في صورة الهادم .

ثم جعلوا الكارما هي القدر الغالب على الآلهة وعلى الأفلاك . وهو الذي يكرر على العلم دورات الخلق والفناء .. فلم تسلم عقيدة التوحيد حتى في صورتها تلك المليئة بالإحالات !

واشتملت ديانة إخناتون على لون من التوحيد . إذا وصف إخناتون إلهه أتون بأوصاف الوحدانية ، والفاعلية ، ومنها خلق هذا الكون وحفظه وتدبيره . وكان هذا أعلى تصور عرفته البشرية في غير الديانات السماوية – وإن كان ينبغي ألا تغفل أثر عقائد الديانات السماوية في عقيدة إخناتون هذه – ولكن مع ذلك شابتها شائبة من عقائد الوثنية . إذ جعل هذه الشمس المادية رمزاً لإلهه ، وجعل اسمها مرادفاً لاسمه فاختلطت عقيدة التوحيد بهذا الأثر الوثنى الغريب !

وفرق أرسطو بين إله واجب الوجود وكون ممكن الوجود .. غير أنه جعل إلهه هذا الواحد ، سلبياً تجاه الكون . فهو أولاً لم يخلق الكون . ولا علاقة له بتدبيره . إنما هذا الكون يتحرك بشوق كامن فيه إلى واجب الوجود ، تقل من حالة مكان الوجود إلى حالة الوجود

وكان التوحيد ديانة إبراهيم عليه السلام ، ووصى به إسماعيل وإسحاق . وكان يعقوب ابن إسحاق يدين بالتوحيد ، ووصى به بنية كذلك في ساعة موته ، كما يحكى ذلك القرآن الكريم:

(وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدْ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنْ الصَّالِحِينَ(130)إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ(131) وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمْ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ(132)أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ) .

( البقرة : 130 – 133 )

فلما جاء موسى رسولاً لبنى إسرائيل جاء بالتوحيد – وما تزال اليهودية تعتبر ديانة توحيد إلا أن بنى إسرائيل من قبل موسى ومن بعده ، شوهوا هذا التوحيد ، وحرفوا الكلم عن مواضعه . فجعلوا إلهاً خاصاً لبنى إسرائيل وحدوه ولكنهم جعلوه إلهاً قومياً ينصرهم على أصحاب الآلهة الآخرين ! وذلك فوق ما افتروا على إله إسرائيل ذاته فقالوا نحن أبناء الله وأحباؤه . وهو لا يعذبنا بذنوبنا ، وقالوا عزيز ابن الله وقالوا عنه : إن له أبناء تزاوجوا مع بنات الناس فولدوا العمالقة ، الذين خاف الإله منهم أن يصبحوا آلهة مثله ، فنزل وبلبل ألسنتهم ! وقالوا : إن يعقوب صارع هذا الإله مرة ، وضربه فخلع حقوه ! وقالوا عنه : إنه يتمشى في ظلال الحديقة ويتبرد بهوائها ، وقالوا عنه ريح الشواء .. إلى آخر هذه الأساطير التي شوهت وطمست عقيدة التوحيد .

وجاء عيسى عليه السلام بالتوحيد .. ثم انتهت عقائد النصارى إلى التثليث ، الذي يحاولون أن يصفوه بالتوحيد ، بين الأقاليم الثلاثة . الأب ، والابن ، والروح القدس . مع الاختلاف على طبيعة الأقنوم الابن ومشيئته .. مما يجعل التوحيد في هذه الديانة ، كما تفرقت بها الطوائف ، دعوى لا حقيقة لها من واقع التصورات المتنوعة للكنائس المتعددة(1)

وهكذا نستطيع أن نقول باطمئنان : إن التصور الإسلامي هو التصور الوحيد الذي بقى قائما على أساس التوحيد الكامل الخالص . وإن التوحيد خاصية من خصائص هذا التصور ، تفرده وتميزه بين سائر المعتقدات السائدة في الأرض كلها على العموم .

والآن – بعد هذا البيان – نستطيع أن نبين – في اختصار – طبيعة وحدود هذا التوحيد .

تقرر العقيدة الإسلامية – كما – تقدم – أن هناك ألوهية وعبودية . ألوهية يتفرد بها الله – سبحانه – ويشترك فيها كل حي وكل شيء . كما تقرر تفرد الله – سبحانه- بخصائص الألوهية ، وتجرد العبيد من هذه الخصائص .. ومن ثم على ترتب على هذا التصور كل مقتضياته وكل نتائجه في الحياة الإنسانية ..

فالله – سبحانه – واحد في ذاته ، متفرد في كل خصائصه .

(قل:هو الله أحد . الله الصمد . لم يلد ، ولم يولد . ولم يكن له كفواً أحد)

(فلا تضربوا لله الأمثال )

والله – سبحانه- خالق كل شيء :

( ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه . وهو على كل شيء وكيل )

(وخلق كل شيء فقدره تقديراً)

(قل : أرأيتم ما تدعون من دون الله . أرونى ماذا خلقوا من الأرض ؟ أم لهم شرك في السماوات ! أئتونى بكتاب من قبل هذا أو أثاره من علم إن كنتم صادقين )

والله-سبحانه-هو مالك كل شيء:

(قل : لمن ما في السماوات والأرض ؟ قل لله )

(ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما(

(الذي له ملك السماوات والأرض ولم يتخذ ولداً ولم يكن له شريك في الملك ( (الفرقان:2)

والله-سبحانه-هو الرازق لكل من خلق وكل ما خلق :

( يا أيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم . هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض ؟ لا إله إلا هو ، فأنى تؤفكون ؟)

)وكأى من دابة لا تحمل رزقها . الله يرزقها وإياكم )

) وما من دابة فى الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها ، كل فى كتاب مبين ( . . .

والله سبحانه – هو مدبر كل شيء ، ومصرف كل شيء ، وحافظ كل شيء:

( إن الله يملك السماوات والأرض أن تزولا . ولأن زالتا إن أمسكها من أحد من بعده ).

(ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره)

(وكل شيء أحصيناه في إمام مبين (

والله-سبحانه-هو صاحب السلطان المسيطر القاهر على كل شيء:

(وهو القاهر فوق عباده ، ويرسل عليكم حفظة ، حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا ، وهم لا يفرطون . ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق ، ألا له الحكم ، وهو أسرع الحاسبين(

(قل: هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم أو من تحت أرجلكم ، أو يلبسكم شيعاً ويذيق بعضكم بأس بعض (1) ، انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون)

(قل أرأيتم :إن أن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم ، من إله غير الله يأتيكم به ؟)

وكل خلائق الله – سبحانه- تقر له بالعبودية والطاعة والقنوت :

).. ثم استوى إلى السماء وهي دخان .فقال لها وللأرض : ائتينا طوعاً أو كرهاً .قالتا أتينا طائعين)

(ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره . ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون . وله من في السماوات والأرض . كل له قانتون )

(ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض من دابة والملائكة وهو لا يستكبرون (النحل:49)

(وإن من شيء إلا يسبح بحمد)

ونكتفي بهذا القدر من مجالات التوحيد في التصور الإسلامى ، حيث يتبين منها إفراد الله- سبحانه- بالألوهية ، وتقرير عبودية كل من عدا الله وكل ما عداه لألوهيته . وقيام العلاقات بين الخلق والخالق على أساس العبودية وحدها .لا على أساس نسب ولا صهر . ولا مشاركة ولا مشابهة ، في ذات ولا صفة ولا في اختصاص . وهذا القد يكفى في بيان أن التوحيد خاصية من خصائص التصور الإسلامى . وهي الحقيقة التي نريد تقريرها في القسم الأول من البحث . أما تفصيل هذه الحقيقة فموضعه في القسم الثاني عند الكلام عن حقيقة الألوهية وحقيقة العبودية.

غير أن الحديث عن خاصية التوحيد لا يتم حتى نشير كذلك – بمثل هذا الاختصار – إلى مقتضيات هذا التوحيد المطلق الكامل الشامل الحاسم الدقيق ، في الحياة الإنسانية .. وهذه المقتضيات تمثل كذلك كيف أن التوحيد خاصية من خصائص التصور الإسلامي :

إن مقتضيات توحيد الألوهية – في التصور الإسلامي – إفراد الله – سبحانه- بخصائص الألوهية في تصريف حياة البشر ، كإفراده – سبحانه- بخصائص الألوهية في اعتقادهم وتصورهم ، وفي ضمائرهم وشعائرهم على السواء .

وكما أن المسلم يعتقد أن لا إله إلا الله ، وان لا معبود إلا الله ، وان لا خالق إلا الله ، وان لا رازق إلا الله ، وان لا نافع أو ضار إلا الله ، وان لا متصرف في شأنه – وفي شأن الكون كله – إلا الله .. فيتوجه لله وحده بالشعائر التعبدية ، ويتوجه لله وحده بالطلب والرجاء ، ويتوجه لله وحده بالخشية والتقوى ..

كذلك يعتقد المسلم أن لا حاكم إلا الله ، وان لا مشرع إلا الله ، وان لا منظم لحياة البشر وعلاقاتهم وارتباطاتهم بالكون وبالأحياء وببنى الإنسان من جنسه إلا الله .. فيلتقى من الله وحده التوجيه والتشريع ، ومنهج الحياة ، ونظام المعيشة ، وقواعد الارتباطات ، وميزان القيم والاعتبارات .. سواء..

فالتوجه إلى الله وحده بالشعائر التعبدية ، والطلب والرجاء والخشية والتقوى ، كالتلقى من الله وحده في التشريع والتوجيه ، ومنهج الحياة ونظام المعيشة ، وقواعد الارتباطات وميزان القيم والاعتبارات .. كلاهما من مقتضيات التوحيد – كما هو في التصور الإسلامي – وكلاهما يصور المساحة التي تشملها حقيقة التوحيد في ضمير المسلم وفي حياته على السواء ..

والقرآن الكريم يربط بين عقيدة التوحيد وبين مقتضياتها في الضمير وفي الحياة ربطاً وثيقاً ، ويرتب على وحدانية الألوهية والربوبية ووحدانية الفاعلية والسلطان في هذا الوجود ، كل ما يكلفه المسلم : سواء ما يكلفه من شعور في الضمير ، أو ما يكلفه من شعائر في العبادة ، أو ما يكلفه من التزام في الشريعة .. وفي السياق الواحد يرد ذكر التوحيد ، وآثار الفاعلية والسلطان ، في الكون وفي الحياة الدنيا والآخرة ، ويكرر معها الأمر باتباع شريعة الله ، باعتباره مقتضى توحيد الألوهية والسلطان :

وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَانُ الرَّحِيمُ(163)إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنْ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ(164)وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ(165) إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنْ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوْا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمْ الْأَسْبَابُ(166)وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمْ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْ النَّارِ(167)يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ(168)إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ(169) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ(170)وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ(171)يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ(172)إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنْ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ …

وبالتأمل في السياق القرآنى نجد أنه بدأ بتقرير وحدانية الله ، ووحدة الألوهية . ثم أتبع هذا التقرير بعرض المشاهد الكونية التي تتجلى فيها القدرة الإلهية . ثم أعقبها بعرض مشاهد القيامة التي يتجلى فيها السلطان الذي لا سلطان غيره .. فلما انتهى من ذلك كله أمر الناس باتباع شريعة الله في التحليل والتحريم ، ونهاهم عن اتباع الشيطان ، وندد بمن يتلقون في هذا الشأن عن عرف الجاهلية ، حيث لا يجوز التلقى فيه إلا من الله . ثم أمر الذين آمنوا أن يأكلوا من الطيبات التي الله حلها . إن كانوا يعبدون الله وحده – وبين لهم ما شرع لهم حرمته لأنه هو وحده الذي يحلل ويحرم كما أنه هو وحده الذي يعبد ، وهو وحده الذي يصرف هذا الكون ، وهو وحده صاحب السلطان يوم القيامة.وتوحيده سبحانه-لا يتم حتى يتجلى في الشعائر وفي الشرائع وفي الدينونة سواء .

ومثل هذا السياق القرآني المتماسك المتشابك يرد كثيراً في القرآن للدلالة على معنى التوحيد ومجاه . ولعله يحسن أن نذكر هنا مثالاً آخر يزيد الأمر جلاء ، ويبين كذلك طريقة القرآن في عرض خصائص التصور الإسلامي ومقوماته عرضاً شاملاً متكاملاً :

وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ(7)وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ(8)أَمْ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِ المَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(9) وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ(10)فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنْ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ(11)لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ(12)شَرَعَ لَكُمْ مِنْ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ(13)وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ(14)فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمْ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ..

وبالتأمل في هذا السياق نجد أنه بدأ بتقرير الوحى والرسالة ، لينذر الرسول بيوم الجمع والدينونة في الآخرة . واختلاف مصائر المؤمنين والظالمين في الآخرة وفاقاً لاختلاف طرائقهم في الدنيا . وإعلان وحدانية السلطان في يوم الحساب . ثم أتبع ذلك ببيان وحدة الولاية ووحدة القدرة المتجلية في إحياء الموتى . ثم أعقب هذا بتقرير وحدة الحاكمية وقصرها على الله – سبحانه- كما أن عليه وحده التوكل ، وإليه وحده تكون الإنابة . ثم عرض مظاهر قدرته في فطر السماوات والأرض وخلق الناس أزواجاً والأنعام ، مع تفرده سبحانه . ليس كمثله شيء ..وتفرد سلطانه له مقاليد السماوات والأرض وتفره بالرزق : يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر .. ثم عقب على هذا التفرد في الذات في الذات والصفات والفاعلية والسلطان بأنه هو وحده الشارع لا منذ هذه الرسالة ولكن منذ فجر الرسالة : شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى ونص على أن الشرع هو الدين والاستقامة عليه ونهاه عن اتباع أهواء الناس . وقرن إقراره بالإيمان إلى أمره بالعدل – وهو الحكم بين الناس وفق ما شرع الله – وانهى السياق بالمفاصلة الكاملة بين المؤمنين الحاكمين بما شرع الله من الدين وغيرهم ، والرجعة في النهاية إلى الله الذي إليه المصير .

ونحسب أن في هذين النموذجين الكفاية لبيان ذلك الارتباط الكامل في التصور الإسلامي بين توحيد الألوهية والحاكمية ، ولبيان معنى التوحيد ومجاله في الحياة الإنسانية ، ولتقرير أن التوحيد بهذا المعنى وفي هذا المجال خاصية من خصائص التصور الإسلامي .

ويبقى يبعد هذا البيان لمعنى التوحيد في التصور الإسلامي ولمجاله في الحياة الإنسانية أن نقول : إن هذا التصور ينشئ في العقل والقلب آثاراً متفردة ، لا ينشئها تصور آخر ، كما أنه ينشئ في الحياة الإنسانية مثل هذه الآثار كذلك .

إنه ينشئ في القلب والعقل حالة من الانضباط لا تتأرجح معها الصور ، ولا تهتز معها القيم ، ولا يتميع فيها التصور ولا السلوك .

فالذي يتصور الألوهية على هذا النحو ، ويدرك حدود العبودية كذلك ، يتحدد اتجاهه ، كما يتحدد سلوكه ، ويعرف على وجه الضبط والدقة : من هو ؟ وما غاية وجوده ؟ وما حدود سلطاته ؟ كما يدرك حقيقة كل شيء في هذا الكون ، وحقيقة القوة الفاعلة فيه . ومن ثم يتصور الأشياء ويتعامل معها في حدود مضبوطة ، لا تميع فيها ولا تأرجح . ومن ثم يتصور الأشياء ويتعامل معها في حدود مضبوطة ، لا تميع فيها ولا تأرجح . وانضباط التصور ينشئ انضباطاً في طبيعة العقل وموازينه ، وانضباط في طبيعة القلب وقيمه ، والتعامل مع سنن الله بعد ذلك والتلقي عنها يزيد هذا الانضباط ويحكمه ويقويه .

ندرك هذا حين نوازن بين المسلم الذي يتعامل مع ربه الواحد الخالق الرازق القادر القاهر المدبر المتصرف ، وبين غيره من أصحاب التصورات التي أشرنا إليها .سواء من يتعامل مع الهين متضادين : إله للخير وإله للشر ! ومن يتعامل مع إله موجود ولكنه حال في العدم ! ومن يتعامل مع إله لا يعنيه من أمره ولا من أمر هذا الكون شيء ! ومن يتعامل مع إله (المادة) الذي لا يسمع ولا يبصر ولا يثبت على حال ! إلى آخر الركام الذي لا يستقر العقل أو القلب منه على قرار .

القسم الثاني

وإن هذا التصور لينشئ في القلب والعقل الاستقامة . فالإنسان الذي يدرك من حقيقة ربه ومن صفاته ومن علاقته به ذلك القدر المضبوط لا شك يستقيم في التعامل معه بقلبه وعقله ، ولا يضطرب ولا يطيش !

والمسلم يعرف من صوره لربه ، وعلاقته به ، ما يحب ريه وما يكره منه ، ويستقين أن لا سبيل له إلى رضاه الإيمان به ، ومعرفته بصفاته ، والاستقامة على منهجه وطريقه . فهو لا يمت إليه –سبحانه-ببنوة ولا قرابة ، ولا يتقرب إليه بتعويذه ولا شفاعة ، ، ولا يعبده إلا بامتثال أمره ونهيه . واتباع شرعه وحكمه . ومن شأن هذه المعرفة أن تنشئ الاستقامة في قلبه وعقله . الاستقامة باستقامة التصور . والاستقامة باستقامة السلوك .

ذلك إلى الوضوح والبساطة واليسر في التصور وفي السلوك ..يدرك هذا كله من يوازن بين التصور الإسلامي القائم على التوحيد – بمعناه هذا ومجاله – وبين التصور الكنسى للأقانيم الثلاثة للإله الواحد . والبنوة التي لا سبيل للنجاة إلا بالاتحاد بها والخطيئة الموروثة التي لا يغفرها إلا الاتحاد بالابن الذي هو المسيح عليه السلام ! . إلى آخر هذه المعميات في هذه الدروب !

مثل هذا يقال عمن يتعامل مع الطبيعة ! التي لا تسمع ولا تبصر ، ولا تنهى ولا تأمر ، ولا تطالب عبادها بفضيلة ولا عمل ، ولا تنهاهم عن رذيلة ولا خلق ! فأنى يستقيم هؤلاء العباد على منهج أو طريق ؟ وأنى يستقيم لهم عقل أو قلب ، وهم لا يعلمون من حقيقة إلههم ذاك شيئاً مستقيتاً على الإطلاق ، وهم كل يوم على موعد لكشف شيء عنه جديد ، ولمعرفة صفة أو طبع لم يكونوا يعرفونه . ولا يعرفونه إلا بالمصادفة أو بالتجريب !

وعلى هذا النحو نستطيع أن نمضى في استعراض الحال مع سائر التصورات التي سبق لنا عرضها في فصل ، تيه وركام في أول هذا البحث ، في الفصول المتفرقة بعد ذلك . وكلها لا يمكن أن توحى لأصحابها بضبط ولا استقامة في تصور أو في سلوك . كما أنها جميعاً تتسم بالغموض والتعقيد والتخليط .

ومن ثم كان أول ما يستشعره القلب والعقل أمام العقيدة الإسلامية ، هو الاستقامة والبساطة والوضوح .. وهذه هي السمة التي تجتذب الأفراد الذين يدخلون في هذا الدين من الأوربيين والأمريكيين المعاصرين ، فيتحدثون عنها ، بوصفها أول ما طرق حسهم من هذا الدين . وهي ذاتها السمة التي تجتذب البدائيين في أفريقيا وآسيا في القديم والحديث .. لأنها سمة الفطرة التي يشترك فيها الناس أجمعين متحضرين وبدائيين .

وإن هذا التصور ليكفل تجمع الشخصية والطاقة في كيان المسلم الفرد والجماعة ، وينفى التمزق والانفصام والتبدد ، التي تسببها العقائد والتصورات الأخرى ..فالكينونة الإنسانية – التي هي وحدة في أصل خلقتها – تواجه ألوهية واحدة تتعامل معها في كل نشاط لها . تتعامل مع هذه الألوهية اعتقاداً وشعوراً . وتتعامل معها عبادة واتجاهاً . وتتعامل معها تشريعاً ونظاماً … وتتعامل معها في الدنيا والآخرة أيضاً ..

إنها لا تتوزع في الاعتقاد بآلهة مختلفة . أو بعناصر مختلفة في الألوهية الواحدة ! أو بقوى مختلفة بعضها داخل في حوزة الإله وبعضها خارج عليه مضاد له ! أو بعوامل مختلفة فيها ما يقهر الإله ذاته ، وليس لها هي قانون يعرف فيتفاهم معه ! أو بقوى الطبيعة التي ليس لها كيان محدد ولا ناموس مفهوم !

وهي لا تتوزع في التوجه بالاعتقاد والشعور والعبادة إلى جهة . والتلقى في نظام الحياة الواقعية من جهة أخرى . إنما هي تتلقى من مصدر واحد في هذا وذلك ، وتتبع ناموساً واحداً يحكم الضمير والشعور ، كما يحكم الحركة والعمل .. وهو ناموس لا يحكم الكينونة الإنسانية وحدها، إنما يحكم الكون كله كذلك .. فالكينونة الإنسانية حينما تتعامل مع هذا الكون تتعامل معه في ظل هذا الناموس الواحد ، بلا توزع ولا تمزق كذلك في هذا المجال .

وهذا التجمع ينشئ طاقة هائلة ، لا يقف في وجهها شيء . وهذا بعض أسرار الخوارق التي أنشأتها العقيدة الإسلامية في الحياة والتاريخ البشري . فمن هذا التصور انبثقت تلك الطاقة الموحدة . التي صنعت هذه الخوارق .. الطاقة المتجمعة في ذاتها ، المتجمعة كذلك مع الطاقات الكونية المتصالحة معها ، لأنها تتجمع وإياها في الناموس الواحد ، المتجه إلى الألوهية الواحدة . كما بينا من قبل في الحديث عن خاصية الشمول .

ثم نجىء إلى الأثر المتفرد الذي ينشئه التصور الإسلامي في ضمير المسلم وفي حياته ، وفي كيان المجتمع المسلم وفي نشاطه بخاصية التوحيد التي يتضمنها ويقوم عليها .. إنه .. تحرير الإنسان .. أو بتعبير آخر .. ميلاد الإنسان ..

إن توحيد الألوهية وتفردها بخصائص الألوهية ، واشتراك ما عدا الله ومن عداه في العبودية وتجردهم من خصائص الألوهية .. إن هذا معناه ومقتضاه : ألا يتلقى الناس الشرائع في أمور حياتهم إلا من الله . كما أنهم لا يتوجهون بالشعائر إلا لله توحيداً للسلطان الذي هو أخص خصائص الألوهية . والذي لا ينازع الله فيه مؤمن ، ولا يجترى عليه إلا كافر ..

والنصوص القرآنية تؤكد هذا المعنى وتحدده وتجرده . بما لا يدع مجالاً لشك فيه أو جدال :

إن الحكم إلا لله . أمر ألا تعبدوا إلا إياه . ذلك الدين القيم

أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ؟

ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون

فلا وربك لايؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً

ولا يفرق التصور الإسلامي – كما أسلفنا – بين التوجه لله بالشعائر ، والتلقى منه في الشرائع .. لا يفرق بينهما بوصفهما من مقتضيات توحيد الله ، وإفراده – سبحانه –بالألوهية . كما أنه لا يفرق بينهما في أن الحيدة عن أى منهما تخرج الذي يحيد من الإيمان والإسلام قطعاً . كما رأينا في النصوص السابقة .. وكما يثبته نص قرآنى يجمع بين المعنيين وتفسير الرسول –صلى الله عليه وسلم –لهذا النص:

اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله – والمسيح ابن مريم- وما أمروا إلا ليعبدوا إلهاً واحداً ، لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون

فأهل الكتاب الذين تتحدث عنهم هذه الآية ، اتخذوا المسيح ابن مريم – رباً بمعنى ربوبية العبادة والشعائر . واتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً – لا بهذا المعنى ولكن بمعنى التلقى عنهم في الشرائع والأوامر – ولكن الآية جمعت بين اتخاذهم المسيح رباً واتخاذهم الأحبار والرهبان أرباباً . وقررت أن هذا مله مخالف لما أمروا به من عبادة إله واحد . ودمغتهم بالشرك بسبب اتخاذهم الأحبار والرهبان أرباباً للتشريع .. ولهذا دلالته التي لا تقبل الجدال .

ثم جاء تفسير الرسول-صلى الله عليه وسلم – للآية قاطعاً في هذا الاعتبار وفوق كل جدال :

روى الإمام أحمد والترمذي وابن جرير – من طرق- عن عدى بن حاتم – رضى الله عنه – أنه لما بلغته دعوة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فر إلى الشام . وكان قد تنصر في الجاهلية . فأسرت أخته وجماعة من قومه . ثم من رسول الله –صلى الله عليه وسلم – على أخته وأعطاها . فرجعت إلى أخيها فرغبته في الإسلام ، وفي القدوم على رسول – صلى الله عليه وسلم – فقدم عدى إلى المدينة – وكان رئيساً في قومه طى – فتحدث الناس بقدومه . فدخل على رسول الله –صلى الله عليه وسلم – وفي عنقه ( أى عدى ) صليب من فضة . وهو ( أى النبي صلى الله عليه وسلم ) يقرأ هذه الآية : اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله .. قال : فقلت إنهم لم يعبدوهم .فقال : بلى ! لأنهم حرموا عليهم الحلال ، واحلوا لهم الحرام ، فاتبعوهم . فذلك عبادتهم إياهم ..

وقال السدى في تفسير ذلك : استنصحوا الرجال ، ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم . ولهذا قال تعالى : وما أمروا إلا ليعبدوا إلهاً واحداً أى : الذي إذا حرم الشيء فهو الحرام ، وما حلله فهو الحلال ، وما شرعه اتبع ، وما حكم به نفذ .. والتصور الإسلامي بهذا القطع الحاسم في هذه المسألة يعلن تحرير الإنسان بل يعلن .. ميلاد الإنسان ..

إنه بهذا الإعلان يخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده . والإنسان بمعناه الكامل لا يوجد في الأرض ، إلا يوم تتحرر رقبته ، وتتحرر حياته ، من سلطان العباد – في أية صورة من الصور – كما يتحرر ضميره واعتقاده من هذا السلطان سواء .

والإسلام – وحده – يرد أمر التشريع والحاكمية لله وحده – هو الذي يخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده .

إن الناس في جميع الأنظمة التي يتولى التشريع والحاكمية فيها البشر – في صورة من الصور – يقعون في عبودية العباد .. وفي الإسلام – وحده- يتحررون من هذه العبودية للعباد بعبوديتهم لله وحده .

وهذا هو تحرير الإنسان في حقيقته الكبيرة .. وهذا – من ثم – هو ميلاد الإنسان .. فقبل ذلك لا يكون للإنسان وجوده الإنسانى الكامل ، بمعناه الكبير ، الوحيد ..

.. وهذه هي الهدية الربانية التي يهديها للناس في الأرض بعقيدة التوحيد . وهذه هي النعمة الإلهية التي يمن بها على عباده وهو يقول لهم : اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ، ورضيت لكم الإسلام ديناً .

وهذه هي الهدية التي يملك أصحاب عقيدة التوحيد أن يهدوها – بدورهم للبشرية كلها . وهذه هي النعمة التي يملكون أن يفيضوا منها على الناس ، بعد أن يفيضوها على أنفسهم ، ويرضوا منها ما رضيه الله لهم .

وهذا هو الجديد الذي يملك لأصحاب عقيدة التوحيد أن يتقدموا به للبشرية اليوم ، كما تقدم به أسلافهم بالأمس فتلقته البشرية يومها كما تتلقى الجديد . ولم تستطع أن تقاوم جاذبيته لأنه يمنحها ما لا تملك ، فهو شيء آخر غير كل ما لديها من تصورات وعقائد ، وأفكار وفلسفات ، وأنظمة وأوضاع .. بكل تأكيد .. لقد قال ربعى عامر رسول جيش المسلمين إلى رستم قائد الفرس ، وهو يسأله ما الذي جاء بكم ؟ كلمات قلائل تصور طبيعة هذه العقيدة ، وطبيعة الحركة الإسلامية التي انبثقت منها ، كما تصور طبيعة تصور أهلها لها ، وإدراكهم لحقيقة دورهم بها ..

قال له : الله ابتعثنا ، لنخرج من شاء ، من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده .ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة . ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام

وفي هذه الكلمات القلائل تتركز قاعدة هذه العقيدة ، وتتجلى طبيعة الحركة الإسلامية التي انبثقت منها ، وانطلقت بها ..

إنها إخراج من شاء الله من عبادة العباد الله وحده .. ورد أمرهم إلى الله – وحده- في الحياة والممات ، في الدنيا والآخرة . وإفراد اله سبحانه بالألوهية وبخصائص الألوهية – والسلطان والحاكمية والتشريع ، هي أولى هذه الخصائص التي ينازع الله فيها مؤمن ، ولا يجرؤ على منازعته إياها إى كافر – ولا توجد حرية للإنسان ، بل لا يوجد الإنسان ذاته ، إلا بخلوصها لله .

وأصحاب عقيدة التوحيد – حين يفيئون اليوم إليها ، وحين يرفعون رايتها وحدها – يملكون أن يقولوا للبشرية كلها ما قاله ربعى بن عامر . فالبشرية – من هذه الناحية – اليوم كما كانت يوم قال ربعى بن عامر كلمته .. إنها كلها غارقة فى عبادة العباد . والتوحيد – بمعناه الشامل – هو الذى يخرج من شاء الله من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده . وبذلك وحده يتحرر الإنسان بل يولد الإنسان ..

وأصحاب عقيدة التوحيد – حين يفيئون إلى منهج الله الذى من به عليهم وينادون به – يملكون أن يتقدموا البشرية إلى تفقده جميع المناهج والمذاهب والأنظمة والأوضاع فى الأرض كلها بلا استثناء . ومن ثم يكون لهم اليوم وغدا دور عالمى إنسانى كبير . ودور قيادى أصيل فى التيارات العالمية الإنسانية . دور يمنحهم سببا وجيها للوجود العالمى الإنسانى ، وللقيادة العالمية الإنسانية .

إنهم لا يملكون أن يقدموا للبشرية اليوم أمجادا علمية ، ولا فتوحات حضارية ، يبلغ من ضخامتها أن تفوق تفوقا ساحقا على كل ما لدى البشرية منها .. ولكنهم يملكون أن يقدموا لنا شيئا آخر . شيئا أعظم من كل الأمجاد العلمية ، والفتوحات الحضارية , إنهم يقدمون تحرير الإنسان بل ميلاد الإنسان .

وهم حين يقدمون للبشرية هذه الهدية يقدمون معها منهجا كاملا للحياة منهجا يقوم على تكريم الإنسان ، وعلى إطلاق يده وعقله وضميره وروحه من كل عبودية ، إطلاقه بكل طاقاته لينهض بالخلافة وهو حر كريم ، يملك إذن أن يقدم وأن يقوم الأمجاد العلمية ، والفتوحات الحضارية ، وهو فى أوج حريته ، وفى أو كرامته ، فلا يكون عبدا للإله ، ولا عبدا للبشر .. على السواء .

تصنيف وسطاء الفوركس 2020:
  • FinMaxFx
    FinMaxFx

    أفضل وسيط فوركس لعام 2020!
    الخيار الأمثل للمبتدئين!
    تدريب مجاني!
    حساب تجريبي مجاني!
    مكافأة على التسجيل!

Like this post? Please share to your friends:
الاستثمار في التداول
Leave a Reply

;-) :| :x :twisted: :smile: :shock: :sad: :roll: :razz: :oops: :o :mrgreen: :lol: :idea: :grin: :evil: :cry: :cool: :arrow: :???: :?: :!: